مقارنة التفاسير
يونس · الآية 2
أَنۡ إِلَىٰ أَنۡ ٱلَّذِينَ أَنَّ عِندَ قَالَ إِنَّ هَٰذَا ﴿٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
يونس · الآية 2
أَنۡ إِلَىٰ أَنۡ ٱلَّذِينَ أَنَّ عِندَ قَالَ إِنَّ هَٰذَا ﴿٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
أكان أمرًا عجبًا للناس إنزالنا الوحي بالقرآن على رجل منهم ينذرهم عقاب الله، ويبشِّر الذين آمنوا بالله ورسله أن لهم أجرًا حسنًا بما قدَّموا من صالح الأعمال؟ فلما أتاهم رسول الله ﷺ بوحي الله وتلاه عليهم، قال المنكرون: إنَّ محمدًا ساحر، وما جاء به سحر ظاهر البطلان.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
ومع هذا فأعرض أكثرهم، فهم لا يعلمون، فتعجبوا ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ عذاب الله، وخوفهم نقم الله، وذكرهم بآيات الله. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إيمانا صادقا ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: لهم جزاء موفور وثواب مذخور عند ربهم بما قدموه وأسلفوه من الأعمال الصالحة الصادقة. فتعجب الكافرون من هذا الرجل العظيم تعجبا حملهم على الكفر به، فـ ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ﴾ عنه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بين السحر، لا يخفى بزعمهم على أحد، وهذا من سفههم وعنادهم، فإنهم تعجبوا من أمر ليس مما يتعجب منه ويستغرب، وإنما يتعجب من جهالتهم وعدم معرفتهم بمصالحهم. كيف لم يؤمنوا بهذا الرسول الكريم، الذي بعثه الله من أنفسهم، يعرفونه حق المعرفة، فردوا دعوته، وحرصوا على إبطال دينه، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 1 إلى 2 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 1.
تَفْسِيرُ سُورَةِ يُونُسَ
[وَهِيَ مَكِّيَّةٌ] [زيادة من ت.]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
أَمَّا الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا [مُسْتَوْفًى] [زيادة من ت، أ.] فِي أَوَائِلِ [في ت، أ: "أول".] سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَقَالَ أَبُو الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "الر"، أَيْ: أَنَا اللَّهُ أَرَى. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ أَيْ: هَذِهِ آيَاتُ الْقُرْآنِ الْمُحْكَمِ الْمُبِينِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [قَالَ: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ] . [زيادة من تفسير الطبري (١٥/١١) مستفاد من ط. الشعب.]
[وَقَالَ الْحَسَنُ: التَّوْرَاةُ وَالزَّبُورُ] . [زيادة من ت، أ.]
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قَالَ: الْكُتُبُ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْقُرْآنِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ لَا أَعْرِفُ وَجْهَهُ وَلَا مَعْنَاهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الْآيَةَ، يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ تَعَجَّبَ مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ إِرْسَالِ الْمُرْسَلِينَ مِنَ الْبَشَرِ، كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ مِنْ [من ت، أ: "في".] قَوْلِهِمْ: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التَّغَابُنُ: ٦] وَقَالَ هُودٌ وَصَالِحٌ لِقَوْمِهِمَا: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٦٣: ٦٩] وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولًا أَنْكَرَتِ الْعَرَبُ ذَلِكَ، أَوْ مَنْ أَنْكَرَ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلَ محمد. قال: فأنزل الله عز وَجَلَّ: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ [عِنْدَ رَبِّهِمْ] ﴾ [زيادة من ت، أ.] يَقُولُ: سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يَقُولُ: أَجْرًا حَسَنًا، بِمَا قَدَّمُوا. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الْكَهْفِ: ٢، ٣]
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ صَلَاتُهُمْ وَصَوْمُهُمْ وَصَدَقَتُهُمْ وَتَسْبِيحُهُمْ.
[وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ قَتَادَةَ أَوِ الْحَسَنِ ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ] ﴾ [زيادة من ت.] قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ شَفِيعٌ لَهُمْ. وَكَذَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: سَلفُ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ مُجَاهِدٍ -أَنَّهَا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الَّتِي قَدَّمُوهَا -قَالَ: كَمَا يُقَالُ: "لَهُ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ" وَمِنْهُ قَوْلُ [حَسَّانَ] [زيادة من ت، أ.] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
لَنَا القَدَمُ [في ت: "قدم".] العُليا إِلَيْكَ وخَلْفُنا لأوَّلِنا فِي طاعَة اللهِ تَابعُ ...
وَقَوْلُ ذِي الرُّمة:
لكُم قَدَمٌ لَا يُنْكرُ الناسُ أَنَّهَا ... مَعَ الحسَبِ العَادِيّ طَمَّت عَلَى البَحْرِ [تفسير الطبري (١٥/١٦) .]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [في ت: "لسحر".] أَيْ: مَعَ أَنَّا بَعَثْنَا إِلَيْهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، رَجُلًا مِنْ جِنْسِهِمْ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا، ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [في ت: "لسحر".] أَيْ: ظَاهِرٌ، وَهُمُ الْكَاذِبُونَ فِي ذَلِكَ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أكان عجبًا للناس إيحاؤنا القرآن على رجل منهم بإنذارهم عقابَ الله على معاصيه، كأنهم لم يعلموا أنَّ الله قد أوحى من قبله إلى مثله من البشر، فتعجَّبوا من وحينا إليه. [انظر تفسير " الوحي " و " الإنذار " فيما سلف من فهارس اللغة (وحي) ، (نذر) .]
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٢٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمدًا رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: اللهُ أعظمُ من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد! فأنزل الله تعالى: ﴿أكان للناس عجبًا أن أوحينا إلى رجل منهم﴾ ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا﴾ [سورة يوسف: ١٠٩] .
١٧٥٢٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: عجبت قريش أن بُعث رجل منهم. قال: ومثل ذلك: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [سورة الأعراف: ٦٥] ، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ ، [سورة الأعراف: ٧٣] ، قال الله: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ ، [سورة الأعراف: ٦٩] .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: أما كان عجبًا للناس أن أوحينا إلى رجل منهم: أن أنذر الناس، وأن بشر الذين آمنوا بالله ورسوله: ﴿أن لهم قدم صدق﴾ ، عطفٌ على ﴿أنذر﴾ .
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿قدم صدق﴾ ، فقال بعضهم: معناه: أن لهم أجرًا حسنًا بما قدَّموا من صالح الأعمال.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٢٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: ثواب صِدق.
١٧٥٣٠-. . . . قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير عن مجاهد: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: الأعمال الصالحة.
١٧٥٣١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، يقول: أجرًا حسنًا بما قدَّموا من أعمالهم.
١٧٥٣٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن حبان، عن إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، عن مجاهد: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: صلاتهم وصومهم، وصدقتُهم، وتسبيحُهم. [الأثر: ١٧٥٣٢ - " زيد بن حباب التميمي "، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١١٤٩٠. وكان في المطبوعة: " يزيد بن حبان "، لم يحسن قراءة المخطوطة، فتصرف أسوأ التصرف. و" إبراهيم بن يزيد الخوزي "، ضعيف، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٧٣١٣. و" الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث "، ثقة، مضى برقم: ١٦٢٥٩، ١٧٣١٣. وكان في المطبوعة والمخطوطة: " الوليد بن عبد الله، عن أبي مغيث "، وهو خطأ محض.]
١٧٥٣٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قدم صدق﴾ ، قال: خير.
١٧٥٣٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قدم صدق﴾ ، مثله.
١٧٥٣٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
١٧٥٣٦-. . . . قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: ﴿قدم صدق﴾ ، ثواب صدق = ﴿عند ربهم﴾ .
١٧٥٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
١٧٥٣٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق﴾ ، قال: "القدم الصدق"، ثواب الصّدق بما قدّموا من الأعمال.
* *
وقال آخرون: معناه: أن لهم سابق صدق في اللوح المحفوظ من السعادة.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٣٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، يقول: سبقت لهم السعادة في الذِّكر الأَوّل.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك أنّ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم شفيع لهم، قَدَمَ صدق.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن عمرو بن الجون، عن قتادة = أو الحسن =: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: محمدٌ شفيعٌ لهم. [الأثر: ١٧٥٤٠ - " فضيل بن عمرو بن الجون "، لم أجد له ترجمة. ولا أدري أهو " فضيل بن عمرو الفقيمي "، أو غيره! .]
١٧٥٤١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ : أي سلَفَ صدقٍ عند ربهم.
١٧٥٤٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق، قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، في قوله: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: محمدٌ ﷺ.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثوابَ.
* *
وذلك أنه محكيٌّ عن العرب: "هؤلاء أهْلُ القَدَم في الإسلام" أي هؤلاء الذين قدَّموا فيه خيرًا، فكان لهم فيه تقديم. ويقال: "له عندي قدم صِدْق، وقدم سوء"، وذلك ما قدَّم إليه من خير أو شر، ومنه قول حسان بن ثابت:
لَنَا القَدَمُ العُلْيَا إِلَيْكَ وَحَلْفُنَا ... لأَوّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تَابِعُ [مضى البيت وتخريجه فيما سلف ١٣: ٢٠٩، وروايته هناك: " لنا القدم الأولى ".]
وقول ذي الرمة:
لَكُمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّهَا ... مَعَ الحَسَبِ العَادِيِّ طَمَّتْ عَلَى البَحْرِ [ديوانه ٢٧٢، من قصيدته في مدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، يقول بعده: خِلاَلَ النَّبِيِّ المُصْطَفَى عِنْدَ رَبِّهِ ... وَعُثْمَانَ وَالفَارُوقِ بَعْدَ أَبِي بَكْرِ ورواية ديوانه: " طمت على الفخر ".]
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وبشر الذين آمنوا أنّ لهم تقدِمة خير من الأعمال الصالحة عند ربِّهم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ، بمعنى: إن هذا الذي جئتنا به= يعنون القرآن= لسحر مبين.
* *
وقرأ ذلك مسروق، وسعيد بن جبير، وجماعة من قراء الكوفيين: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ .
* *
وقد بينت فيما مضى من نظائر ذلك: أن كل موصوف بصفةٍ، يدل الموصوف على صفته، وصفته عليه. [في المطبوعة: " نزل الموصوف "، وفي المخطوطة: " ترك "، وصواب قراءتها ما أثبت.]
والقارئ مخيَّرٌ في القراءة في ذلك، وذلك نظير هذا الحرف: ﴿قال الكافرون إن هذا لسحر مبين﴾ ، و "لساحر مبين". [انظر ما سلف ١١: ٢١٦، ٢١٧.]
وذلك أنهم إنما وصفوه بأنه "ساحر"، ووصفهم ما جاءهم به أنه "سحر" يدل على أنهم قد وصفوه بالسحر. وإذْ كان ذلك كذلك، فسواءٌ بأيِّ ذلك قرأ القارئ، لاتفاق معنى القراءتين.
* *
وفي الكلام محذوف، استغني بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره، وهو: "فلما بشرهم وأنذرهم وتلا عليهم الوحي"= قال الكافرون: إن هذا الذي جاءنا به لسحرٌ مبين.
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: أكان للناس عجبًا أن أوحينا إلى رجل منهم: أن أنذر الناس، وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم؟ فلما أتاهم بوحي الله وتلاه عليهم، قال المنكرون توحيد الله ورسالة رسوله: إن هذا الذي جاءنا به محمدٌ لسحر مبين أي: يبين لكم عنه أنه مبطِلٌ فيما يدعيه. [انظر تفسير " السحر " و " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة (سحر) ، (بين) .]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً﴾ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّقْرِيرُ وَالتَّوْبِيخُ. وَ "عَجَباً" خَبَرُ كَانَ، وَاسْمُهَا (أَنْ أَوْحَيْنا) وَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَيْ كَانَ إِيحَاؤُنَا عَجَبًا لِلنَّاسِ. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ "عَجَبٌ" عَلَى أَنَّهُ اسْمُ كَانَ. وَالْخَبَرُ "أَنْ أَوْحَيْنا".
(إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ) قُرِئَ "رَجْلٍ" بِإِسْكَانِ الْجِيمِ. وَسَبَبُ النُّزُولِ فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْكُفَّارَ قَالُوا لَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ: إِنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا. وَقَالُوا: مَا وَجَدَ اللَّهُ مَنْ يُرْسِلُهُ إِلَّا يَتِيمَ أَبِي طَالِبٍ، فَنَزَلَتْ: "أَكانَ لِلنَّاسِ" يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ "عَجَباً". وَقِيلَ: إِنَّمَا تَعَجَّبُوا مِنْ ذِكْرِ الْبَعْثِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِسْقَاطِ الْخَافِضِ، أَيْ بِأَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ، وَكَذَا (أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ). وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى النِّذَارَةِ وَالْبِشَارَةِ [راجع ج ١ ص ١٨٤ وص ٢٣٨.] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْآيَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى "قَدَمَ صِدْقٍ" فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدَمَ صِدْقٍ مَنْزِلَ صِدْقٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [راجع ج ١٠ ص ٣١٢.] [الاسراء: ٨٠]. وَعَنْهُ أَيْضًا أَجْرًا حَسَنًا بِمَا قَدَّمُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ. وَعَنْهُ أَيْضًا "قَدَمَ صِدْقٍ" سَبْقَ السَّعَادَةِ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ. الزَّجَّاجُ: دَرَجَةً عَالِيَةً. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
لَكُمْ قَدَمٌ لَا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّهَا ... مَعَ الْحَسَبِ الْعَالِي [في ديوانه وتفسير الطبري (العادي).] طَمَّتْ عَلَى الْبَحْرِ
قَتَادَةُ: سَلَفَ صِدْقٍ. الرَّبِيعُ: ثَوَابَ صِدْقٍ. عَطَاءٌ: مَقَامَ صِدْقٍ. يَمَانٍ: إِيمَانَ صِدْقٍ. وَقِيلَ: دَعْوَةُ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: وَلَدٌ صَالِحٌ قَدَّمُوهُ. الماوردي: أن يوافق صدق الطاعة صدق الْجَزَاءُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ أَيْضًا: هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإِنَّهُ شَفِيعٌ مُطَاعٌ يتقد مهم، كَمَا قَالَ: (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ) [أي متقدمكم إليه.] . وَقَدْ سُئِلَ ﷺ فَقَالَ: (هِيَ شَفَاعَتِي تَوَسَّلُونَ بِي إِلَى رَبِّكُمْ). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: قَدَمَهُ ﷺ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: مُصِيبَتُهُمْ فِي النبي ﷺ. وقال عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى: "قَدَمَ صِدْقٍ" قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [راجع ج ١١ ص ٣٤٥.] [الأنبياء: ١٠١]. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَعْمَالًا قَدَّمُوهَا، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ. قَالَ الْوَضَّاحُ:
صَلِّ لِذِي الْعَرْشِ وَاتَّخِذْ قَدَمًا ... تُنْجِيكَ يَوْمَ الْعِثَارِ وَالزَّلَلِ
وَقِيلَ: هُوَ تَقْدِيمُ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْحَشْرِ مِنَ الْقَبْرِ وَفِي إِدْخَالِ الْجَنَّةِ. كَمَا قَالَ: (نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ). وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ السَّعْيِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَكَنَّى عَنْهُ بِالْقَدَمِ كَمَا يُكَنَّى عَنِ الْإِنْعَامِ بِالْيَدِ وَعَنِ الثَّنَاءِ بِاللِّسَانِ. وَأَنْشَدَ حَسَّانُ:
لَنَا الْقَدَمُ الْعُلْيَا إِلَيْكَ وَخَلْفَنَا ... لِأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَابِعُ
يُرِيدُ السَّابِقَةَ بِإِخْلَاصِ الطَّاعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْكِسَائِيُّ: كُلُّ سَابِقٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ عِنْدُ الْعَرَبِ قَدَمٌ، يُقَالُ: لِفُلَانٍ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ، لَهُ عِنْدِي قَدَمُ صِدْقٍ وَقَدَمُ شَرٍّ وَقَدَمُ خَيْرٍ. وَهُوَ مُؤَنَّثٌ وَقَدْ يُذَكَّرُ، يُقَالُ: قَدَمٌ حَسَنٌ وَقَدَمٌ صَالِحَةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْقَدَمُ التَّقَدُّمُ فِي الشَّرَفِ، قَالَ الْعَجَّاجُ:
زَلَّ بَنُو الْعَوَّامِ عَنْ آلِ الْحَكَمْ ... وَتَرَكُوا الْمُلْكَ لِمَلِكٍ ذِي قَدَمْ
وَفِي الصِّحَاحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءَ. أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ) يُرِيدُ آخِرَ الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [راجع ج ١٤ ص] [الأحزاب: ٤٠].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَالْكُوفِيُّونَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَالْأَعْمَشُ "لَساحِرٌ" نَعْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "لَسِحْرٌ" نَعْتًا لِلْقُرْآنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى السحر في "البقرة" [راجع ج ٢ ص ٤٣.] .
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 2 إلى 3 معاً في نص واحد.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ الْعَجَبُ: حَالَةٌ تَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ رُؤْيَةِ شَيْءٍ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ.
وَسَبَبُ نزول الآية: ١٦٨/أأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولًا قَالَ الْمُشْرِكُونَ: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ﴾ [أخرجه الطبري عن ابن عباس: ١٥ / ١٣، وانظر: أسباب النزول ص (٣٠٥) ، الدر المنثور: ٤ / ٣٤٠ وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه مطولا.] يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ، الْأَلِفُ فِيهِ لِلتَّوْبِيخِ، ﴿عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ أَيْ: أَعْلِمْهُمْ مَعَ التَّخْوِيفِ، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَجْرًا حَسَنًا بِمَا قَدَّمُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ. قَالَ الضَّحَّاكُ: ثَوَابُ صِدْقٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: عَمَلٌ صَالِحٌ أَسْلَفُوهُ يَقْدِمُونَ عَلَيْهِ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: هُوَ شَفَاعَةُ الرَّسُولِ ﷺ. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَقَامُ صِدْقٍ لَا زَوَالَ لَهُ، وَلَا بُؤْسَ فِيهِ. وَقِيلَ: مَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ [انظر في هذه الأقوال: الطبري: ١٥ / ١٣-١٦ وقال: "وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: معناه: أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثواب" ثم ساق على ذلك شواهد من الشعر.] .
وَأُضِيفَ الْقَدَمُ إِلَى الصِّدْقِ وَهُوَ نَعْتُهُ، كَقَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الْجَامِعِ، وَحَبُّ الْحَصِيدِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ سَابِقٍ فِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ قَدَمٌ، يُقَالُ: لِفُلَانٍ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَهُ عِنْدِي قَدَمُ صِدْقٍ وَقَدَمُ سُوءٍ، وَهُوَ يُؤَنَّثُ فَيُقَالُ: قَدَمٌ حَسَنَةٌ، وَقَدَمٌ صَالِحَةٌ.
﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ قَرَأَ نَافِعٌ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالشَّامِ: "لَسِحْرٌ" بِغَيْرِ أَلْفٍ يَعْنُونَ الْقُرْآنَ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ: "لَسَاحِرٌ" بِالْأَلْفِ يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يَقْضِيهِ وَحْدَهُ، ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّ الشُّفَعَاءَ لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَهَذَا رَدٌّ عَلَى النَّضِرِ بْنِ الْحَارِثِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تُشَفِّعُنِي اللَّاتُ وَالْعُزَّى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ يَعْنِي: الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ رَبُّكُمْ لَا رَبَّ لَكُمْ غَيْرُهُ، ﴿فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَّعِظُونَ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم بين - سبحانه - موقف المشركين من دعوته فقال : ( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ) . .روى الضحاك عن ابن عباس قال : لما بعث الله - تعالى - رسوله محمدا - ﷺ - أنكرت العرب ذلك ، أو من أنكر منهم ، وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد ، فأنزل الله - تعالى - : ( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً . . . الآية ) .والهمزة فى قوله " أكان " لإنكار تعجبهم ، ولتعجب السامعين منه لوقوعه فى غير موضعه .وقوله ( لِلنَّاسِ ) جار ومجرور حالا من قوله ( عَجَباً ) والمراد بهم مشركوا مكة ومن لف لفهم فى إنكار ما جاء به النبي - ﷺ - .وقوله : ( عَجَباً ) خبر كان ، والعجب والتعجيب - استعظام أمر خفي سببه .وقوله : ( أَنْ أَوْحَيْنَآ ) فى تأويل مصدر أي : إيحاؤنا ، وهو اسم كان . والوحي : الإِعلام فى خفاء ، والمقصود به ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه - ﷺ - من قرآن وغيره .وقوله : ( إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ ) أي إلى بشر من جنسهم يعرفهم ويعرفونه .وقوله : ( أَنْ أَنذِرِ الناس ) الإِنذار إخبار معه تخويف فى مدة تتسع التحفظ من المخوف منه ، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار ، وأكثر ما يستعمل فى القرآن فى التخويف من عذاب الله - تعالى - :والمراد بالناس هنا : جميع الذين يمكنه - ﷺ - أن يبلغهم دعوته .وقوله : ( وَبَشِّرِ الذين آمنوا ) البشارة : إخبار معه ما يسر فهو أخص من الخبر ، سمي بذلك لأن أثره يظهر على البشرة التى هى ظاهر الجلد .وقوله : ( أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ) أي أن لهم سابقة ومنزلة رفيعة عند ربهم .وأصل القدم العضو المخصوص . وأطلقت على السبق ، لكونها سببه وآلته ، فسمى المسبب باسم السبب من باب المجاز المرسل ، كما سميت النعمة يدا لأنها تعطي باليد .وأصل الصدق أن يكون فى الأقوال ، ويستعمل أحيانا فى الأفعال فيقال : فلان صدق فى القتال ، إذا وفاه حقه ، فيعبر بصفة الصدق عن كل فعل فاضل .وإضافة القدم إلى الصدق من إضافة الموصوف إلى الصفة كقولهم : مسجد الجامع ، والأصل قدم صدق . أي محققة مقررة . وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق . ثم جعل الصدق كأنه صاحبها .ويجوز أن تكون إضافة القدم إلى الصدق من باب إضافة المسبب إلى السبب ، وفي ذلك تنبيه إلى أن ما نالوه من منازل رفيعة عند ربهم . إنما هو بسبب صدقهم فى أقوالهم وأفعالهم ونياتهم .قال الإِمام ابن جرير ما ملخصه : واختلف أهل التأويل فى معنى قوله : ( قَدَمَ صِدْقٍ ) فقال بعضهم معناه : أن لهم أجرا حسنا بسبب ما قدموه من عمل صالح . .وقال آخرون معناه : أن لهم سابق صدق فى اللوح المحفوظ من السعادة .وقال آخرون : معنى ذلك أن محمدا - ﷺ - شفيع لهم .ثم قال : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال معناه : أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستحقون بها منه الثواب ، وذلك أنه محكي عن العرب قولهم : هؤلاء أهل القدم فى الإِسلام . أي هؤلاء الذين قدموا فيه خيرا ، فكان لهم فيه تقديم .ويقال : لفلان عندي قدم صدق وقدم سوء ، وذلك بسبب ما قدم إليه من خير أو شر ، ومنه قول حسان بن ثابت - رضي الله عنه - :لنا القدم العليا إليك وخلفنا ... لأولنا فى طاعة الله تابعومعنى الآية الكريمة : أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركي مكة ومن على شاكلتهم ، أن كان إيحاؤنا إلى رجل منهم يعرفهم ويعرفونه لكي يبلغهم الدين الحق ، أمرا عجبا ، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه - ﷺ - حتى لكأن النبوة فى زعمهم تتنافى مع البشرية .إن الذى يدعو إلى العجب حقا هو ما تعجبوا منه ، لأن الله - تعالى - اقتضت حكمته أن يجعل رسله إلى الناس من البشر ، لأن كل جنس يأنس لجنسه ، وينفر من غيره ، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : فما معنى اللام فى قوله ( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ) وما الفرق بينه وبين قولك : كان عند الناس عجبا؟قلت : معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها . ونصبوه علما لهم يوجهون نحوه استهزاءهم وإنكارهم ، وليس فى " عند الناس " هذا المعنى .والذي تعجبوا منه أن يوحي إلى بشر . وأن يكون رجلا من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم ، فقد كانوا يقولون : العجب أن الله لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب ، وأن يذكر لهم البعث . وينذر بالنار ويبشر بالجنة . وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب ، لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشر مثلهم .وقال الله - تعالى - : ( قُل لَوْ كَانَ فى الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً ) وإرسال الفقير أو اليتيم ليس بعجب - أيضاً - لأن الله - تعالى - إنما يختار من استحق الاختيار لجمعه أسباب الاستقلال لما ختير له من النبوة . والغنى والتقدم فى الدنيا ليس من تلك الأسباب فى شيء قال - تعالى - : ( وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى ) والبعث للجزاء على الخير والشر . هو الحكمة العظمى فكيف يكون عجبا إنما العجب والمنكر فى العقول ، تعطيل الجزاء .وقدم - سبحانه - خبر كان وهو ( عَجَباً ) على اسمها وهو ( أَنْ أَوْحَيْنَآ ) . لأن المقصود بالإِنكار فى الآية إنما هو تعجبهم ودهشتهم من أن يكون الرسول بشراً .وقدم - سبحانه - الإِنذار على التبشير ، لأن التخلية مقدمة على التحلية ، وإزالة مالا ينبغي مقدم فى الرتبة على فعل ما ينبغي .ولم ذكر المنذر به ، لتهويله وتعميمه حتى يزداد خوفهم وإقبالهم على الدين الحق ، الذى يؤدي اتباعه إلى النجاة من العذاب .وخص التبشير بالمؤمنين لأنهم وحدهم المستحقون له ، بخلاف الإِنذار فإنه يشمل المؤمن والكافر . ولذا قال - سبحانه - ( أَنْ أَنذِرِ الناس ) أي جميع الناس .وذكر - سبحانه - فى جانب التبشير المبشر به - وهو حصولهم على المنزلة الرفيعة عند ربهم - لكي تقوى رغبتهم فى طاعته . ومحبتهم لعبادته ، وبذلك ينالون ما بشرهم به .ثم وضح - سبحانه - ما قاله الكافرون عند مجيء الرسول - ﷺ - بدعوته فقال : ( قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) .أي : قال الكافرون المتعجبون من أن يكون - ﷺ - رسولا إليهم ، إن هذا الإِنسان الذى يدعى النبوة لساحر بيِّن السحر واضحه - حيث إنه استطاع بقوة تأثيره فى النفوس أن يفرق بين الابن وأبيه ، والأخ وأخيه .وعلى هذا القراءة التى وردت عن ابن كثير والكوفيين تكون الإِشارة إلى الرسول - ﷺ - .وقرأ الباقون : ( إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) أي : إن هذا القرآن لسحر واضح ، لأنه خارق للعادة فى جذبه النفوس إلى الإِيمان بما جاء به محمد - ﷺ - .قال أبو حيان ما ملخصه : " ولما كان قولهم فيما لا يمكن أن يكون سحرا ظاهر الفساد ، لم يحتج إلى جواب ، لأنهم يعلمون نشأته معهم بمكة ، وخلطتهم له ، - وأنه لا علم له بالسحر - وقد أتاهم بعد بعثته بكتاب إلهي مشتمل على مصالح الدنيا والآخرة مع الفصاحة والبلاغة التى أعجزتهم . .وقولهم هذا؛ هو دين الكفرة مع أنبيائهم . فقد قال فرعون وقومه فى موسى - عليه السلام - ( إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ) وقال قوم عيسى فيه عندما جاءهم بالبينات ( هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) ودعوى السحر إنما هو على سبيل العناد والجحد .وقال الآلوسى " وفي قولهم هذا اعتراف منهم بأن ما عاينوه خارج عن طوق البشر . نازل من حضرة خلاق القوى والقدر ، ولكنهم يسمونه سحرا تماديا فى العناد ، كما هو شنشنة المكابر اللجوج ، وشنشنة المفحم المحجوج " .وجاءت الجملة الكريمة بدون حرف عطف ، لكونها استئنافا مبنيا على سؤال مقدر ، فكأنه قيل : فماذا قالوا بعد هذا التعجب؟ فكان الجواب : ( قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) .ويرى الإِمام ابن جرير أن الآية فيها كلام محذوف ، فقد قال : - رحمه الله - : " وفي الكلام حذف استغنى بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره ، وتأويل الكلام : أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا لهم أن هلم قدم صدق عند ربهم ، فلما أتاهم بوحي الله وتلاه عليهم وبشرهم وأنذرهم قال المنكرون لتوحيد الله ورسالة رسوله إن هذا الذى جاءنا به محمد - ﷺ - لسحر مبين " .وقد اشتملت جملة ( إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ) على جملة من المؤكدات ، للإِشارة إلى رسوخهم فى الكفر ، وإلى أنهم مع وضوح الأدلة على صدق الرسول - ﷺ - لم يزدادوا إلا جحودا وعنادا ، وصدق الله إذ يقول : ( فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ ) ثم