مقارنة التفاسير
يونس · الآية 28
ثُمَّ وَقَالَ مَّا ﴿٢٨﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
يونس · الآية 28
ثُمَّ وَقَالَ مَّا ﴿٢٨﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
واذكر -أيها الرسول- يوم نحشر الخلق جميعًا للحساب والجزاء، ثم نقول للذين أشركوا بالله: الزموا مكانكم أنتم وشركاؤكم الذين كنتم تعبدونهم مِن دون الله حتى تنظروا ما يُفْعل بكم، فَفَرَّقْنا بين المشركين ومعبوديهم، وتبرَّأ مَن عُبِدُوا مِن دون الله ممن كانوا يعبدونهم، وقالوا للمشركين: ما كنتم إيانا تعبدون في الدنيا.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ أي: نجمع جميع الخلائق، لميعاد يوم معلوم، ونحضر المشركين، وما كانوا يعبدون من دون الله. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ أي: الزموا مكانكم ليقع التحاكم والفصل بينكم وبينهم. ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي: فرقنا بينهم، بالبعد البدني والقلبي، وحصلت بينهم العداوة الشديدة، بعد أن بذلوا لهم في الدنيا خالص المحبة وصفو الوداد، فانقلبت تلك المحبة والولاية بغضًا وعداوة. وتبرأ شُرَكَاؤُهُمْ منهم وقالوا: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ فإننا ننزه الله أن يكون له شريك، أو نديد.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 28 إلى 30 معاً في نص واحد.
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أَيْ: أَهْلَ الْأَرْضِ كُلَّهُمْ، مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ [في ت، "من جن وإنس".] وَبَرٍّ وَفَاجِرٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٧] .
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ أَيْ: الْزَمُوا أَنْتُمْ وَهَمَ مَكَانًا مُعَيَّنًا، امْتَازُوا فِيهِ عَنْ مَقَامِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] ، وَقَالَ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٤] ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الرُّومِ: ٤٣] أَيْ: يَصِيرُونَ صِدعين، وَهَذَا يَكُونُ إِذَا جَاءَ الرَّبُّ تَعَالَى لِفَصْلِ الْقَضَاءِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: ذَلِكَ [وقع هنا بياض في هـ، ووصل في ت، أ. وحديث الاستشفاع رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٤٧٦) من حديث أنس رضي الله عنه.] يَسْتَشْفِعُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَأْتِيَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ وَيُرِيحَنَا مِنْ مَقَامِنَا هَذَا، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ على كَوْم فوق الناس. [في أ: "النار".] [رواه أحمد في المسند (٣/٣٤٥) من حديث جابر رضي الله عنه. والكوم: الموضع المشرف العال.] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِخْبَارًا عَمَّا يَأْمُرُ بِهِ الْمُشْرِكِينَ [في ت، أ: "المشركون".] وَأَوْثَانَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ أَنْكَرُوا عِبَادَتَهُمْ، وَتَبَرَّءُوا مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ [كَلا] سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ الْآيَةَ. [مَرْيَمَ: ٨٢] . [زيادة من ت، أ.] وَقَالَ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٦٦] ، وَقَالَ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٥، ٦] .
وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِخْبَارًا عَنْ قَوْلِ الشُّرَكَاءِ فِيمَا رَاجَعُوا فِيهِ عَابِدِيهِمْ عِنْدَ ادِّعَائِهِمْ عِبَادَتَهُمْ: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ أَيْ: مَا كُنَّا نَشْعُرُ بِهَا وَلَا نَعْلَمُ، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَنَا مِنْ حَيْثُ لَا نَدْرِي بِكُمْ، وَاللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنَّا مَا دَعَوْنَاكُمْ إِلَى عِبَادَتِنَا، وَلَا أَمَرْنَاكُمْ بِهَا، وَلَا رَضِينَا مِنْكُمْ بِذَلِكَ.
وَفِي هَذَا تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، مِمَّنْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبَصِّرُ، وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ وَلَا رَضِيَ بِهِ وَلَا أَرَادَهُ، بَلْ تَبْرَأُ مِنْهُمْ فِي وَقْتٍ أَحْوَجَ مَا يَكُونُونَ إِلَيْهِ، وَقَدْ تَرَكُوا [في ت: "يكون إليه وقد ترك".] عِبَادَةَ الْحَيِّ الْقَيُّومِ، السَّمِيعِ الْبَصِيرِ، الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْعَلِيمِ بِكُلِّ شَيْءٍ وَقَدْ أَرْسَلَ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ، آمِرًا بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، نَاهِيًا عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النَّحْلِ: ٣٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥] ، [في أ: "نوحي".] وَقَالَ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٥] .
وَالْمُشْرِكُونَ أَنْوَاعٌ وَأَقْسَامٌ كَثِيرُونَ، قَدْ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وبَيّن أَحْوَالَهُمْ وَأَقْوَالَهُمْ، ورَد عَلَيْهِمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ أَتَمَّ رَدٍّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ أَيْ: فِي مَوْقِفِ الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُخْتَبَرُ كُلُّ نَفْسٍ وَتَعْلَمُ مَا أَسْلَفَتْ مِنْ [عَمَلِهَا مِنْ] [زيادة من أ.] خَيْرٍ وَشَرٍّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطَّارِقِ: ٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٣، ١٤] .
وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿هُنَالِكَ تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ وفسَّرها بَعْضُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ، وَفَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِمَعْنَى تَتْبَعُ مَا قَدَّمَتْهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَفَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ: "تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تعبد، فيتبع من كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ" الْحَدِيثَ. [رواه مسلم في صحيحه برقم (١٨٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ أَيْ: وَرَجَعْتِ الْأُمُورُ كُلُّهَا إِلَى اللَّهِ الْحَكَمِ الْعَدْلِ، فَفَصَّلَهَا، وَأَدْخَلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: ذَهَبَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أَيْ: مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ افْتِرَاءً عَلَيْهِ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويوم نجمع الخلق لموقف الحساب جميعًا، [انظر تفسير " الحشر " فيما سلف ١٣: ٥٢٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك.] ثم نقول حينئذ للذين أشركوا بالله الآلهةَ والأندادَ: = ﴿مكانَكم﴾ ، أي: امكثوا مكانكم، وقفوا في موضعكم، أنتم، أيها المشركون، وشُركاؤكم الذين كنتم تعبدونهم من دون الله من الآلهة والأوثان = ﴿فزيّلنا بينهم﴾ ، يقول: ففرقنا بين المشركين بالله وما أشركوه به.
* *
= [من قولهم: "زِلْت الشيء أزيلُه "، إذا فرّقت بينه] وبين غيره وأبنته منه. [هذه الزيادة بين القوسين، استظهار من نص اللغة لا بد منه، وكان الكلام في المخطوطة سردًا واحدًا، وهو فساد من الناسخ. وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٩٢.] وقال: "فزيّلنا" إرادة تكثير الفعل وتكريره، ولم يقل: "فزِلْنا بينهم".
* *
وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقرؤه: ﴿فَزَايَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ ، كما قيل: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ ، [سورة لقمان: ١٨] ، والعرب تفعل ذلك كثيرًا في "فعَّلت"، يلحقون فيها أحيانًا ألفًا مكان التشديد، فيقولون: "فاعلت" إذا كان الفعل لواحدٍ. وأما إذا كان لاثنين، فلا تكاد تقول إلا "فاعلت". [انظر بيان هذا أيضًا في معاني القرآن للفراء ١: ٤٩٢، فهو نحو منه.]
* *
= ﴿وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون﴾ ، وذلك حين ﴿تبرَّأ الذين اتَّبعوا من الذين اتُّبعوا ورأوا العذاب وتقطَّعت بهم الأسباب، لما قيل للمشركين: "اتبعوا ما كنتم تعبدون من دون الله"، ونصبت لهم آلهتهم، قالوا: "كنا نعبد هؤلاء"!، فقالت الآلهة لهم: (ما كنتم إيانا تعبدون﴾ ، كما:-
١٧٦٤٨- حدثت عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: يكون يومَ القيامة ساعةٌ فيها شدة، تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدون، فيقال: "هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله"، فتقول الآلهة: "والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا"! فيقولون: "والله لإيّاكم كنا نعبد"! فتقول لهم الآلهة: ﴿فكفى بالله شهيدًا بيننا وبينكم إنْ كنا عن عبادتكم لغافلين﴾ .
١٧٦٤٩- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم﴾ ، قال: فرّقنا بينهم = ﴿وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون﴾ ! قالوا: بلى، قد كنا نعبدكم! فقالوا: ﴿كفى بالله شهيدًا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين﴾ ، ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نتكلم! فقال الله: ﴿هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت﴾ ، الآية.
* *
وروي عن مجاهد، أنه كان يتأول "الحشر" في هذا الموضع، الموت.
١٧٦٥٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الأعمش قال: سمعتهم يذكرون عن مجاهد في قوله: ﴿ويوم نحشرهم جميعًا﴾ ، قال: الحشر: الموت.
* *
قال أبو جعفر: والذي قلنا في ذلك أولى بتأويله، لأن الله تعالى ذكره أخبر أنه يقول يومئذ للذين أشركوا ما ذكر أنه يقول لهم، ومعلومٌ أن ذلك غير كائن في القبر، وأنه إنما هو خبَرٌ عما يقال لهم، ويقولون في الموقف بعد البعث.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أَيْ نَجْمَعُهُمْ، وَالْحَشْرُ الْجَمْعَ. "جَمِيعاً" حَالٌ.
(ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا) " أَيِ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا.
(مَكانَكُمْ) أَيِ الْزَمُوا وَاثْبُتُوا مَكَانَكُمْ، وَقِفُوا مَوَاضِعَكُمْ.
(أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ) وَهَذَا وَعِيدٌ.
(فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ) أَيْ فَرَّقْنَا وَقَطَّعْنَا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ التَّوَاصُلِ فِي الدُّنْيَا، يُقَالُ: زَيَّلْتُهُ فَتَزَيَّلَ، أَيْ فَرَّقْتُهُ فَتَفَرَّقَ، وَهُوَ فَعَّلْتُ، لِأَنَّكَ تَقُولُ فِي مَصْدَرِهِ تَزْيِيلًا، وَلَوْ كَانَ فَيْعَلْتُ لَقُلْتَ زَيْلَةً. وَالْمُزَايَلَةُ الْمُفَارَقَةُ، يُقَالُ: زَايَلَهُ اللَّهُ مُزَايَلَةً وَزِيَالًا إِذَا فَارَقَهُ. وَالتَّزَايُلُ التَّبَايُنُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ "فَزَايَلْنَا بَيْنَهُمْ"، يُقَالُ: لَا أُزَايِلُ فُلَانًا، أَيْ لَا أُفَارِقُهُ، فَإِنْ قُلْتَ: لَا أُزَاوِلُهُ فَهُوَ بِمَعْنًى آخَرَ، مَعْنَاهُ لَا أُخَاتِلُهُ.
(وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ) عُنِيَ بِالشُّرَكَاءِ الْمَلَائِكَةُ. وَقِيلَ: الشَّيَاطِينُ، وَقِيلَ: الْأَصْنَامُ، فَيُنْطِقُهَا اللَّهُ تَعَالَى فَتَكُونُ بَيْنَهُمْ هَذِهِ الْمُحَاوَرَةُ. وَذَلِكَ أَنَّهُمُ ادَّعَوْا عَلَى الشَّيَاطِينِ الذين أطاعوهم والأصنام التي عبد وها أَنَّهُمْ أَمَرُوهُمْ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَقُولُونَ مَا عَبَدْنَاكُمْ حَتَّى أَمَرْتُمُونَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: يُنْطِقُ اللَّهُ الْأَوْثَانَ فَتَقُولُ مَا كُنَّا نَشْعُرُ بِأَنَّكُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ، وَمَا أَمَرْنَاكُمْ بِعِبَادَتِنَا. وَإِنْ حُمِلَ الشُّرَكَاءُ عَلَى الشَّيَاطِينِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ دَهَشًا، أَوْ يَقُولُونَ كَذِبًا وَاحْتِيَالًا لِلْخَلَاصِ، وَقَدْ يَجْرِي مِثْلُ هَذَا غدا، وإن صارت المعارف ضرورية.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 27 إلى 30 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 27.
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ ١٦٩/ب أَيْ: لَهُمْ مَثْلُهَا، كَمَا قَالَ: " وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا " [الأنعام: ١٦٠] .
﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ وَ"مِنْ" صِلَةٌ، أَيْ: مَالَهُمْ مِنَ اللَّهِ عَاصِمٌ، ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ﴾ أُلْبِسَتْ، ﴿وُجُوهُهُمْ قِطَعًا﴾ جَمْعُ قِطْعَةٍ، ﴿مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ نُصِبَتْ عَلَى الْحَالِ دُونَ النَّعْتِ، وَلِذَلِكَ لَمَّ يَقُلْ: مُظْلِمَةٌ، تَقْدِيرُهُ: قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ فِي حَالِ ظُلْمَتِهِ، أَوْ قِطْعًا مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ: "قِطْعًا" سَاكِنَةَ الطَّاءِ، أَيْ بَعْضًا، كَقَوْلِهِ: "بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ" [هود: ٨١] .
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ﴾ [أَيِ: الْزَمُوا مَكَانَكُمْ] [ساقط من "أ".] ﴿أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ يَعْنِي: الْأَوْثَانَ، مَعْنَاهُ: ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينِ أَشْرَكُوا: الْزَمُوا أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ مَكَانَكُمْ، وَلَا تَبْرَحُوا.
﴿فَزَيَّلْنَا﴾ مَيَّزْنَا وَفَرَّقْنَا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أَيْ: بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَشُرَكَائِهِمْ، وَقَطَعْنَا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ التَّوَاصُلِ فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ حِينَ يَتَبَرَّأُ كُلُّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِمَّنْ عَبَدَهُ، ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ يَعْنِي: الْأَصْنَامَ، ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ بِطِلْبَتِنَا فَيَقُولُونَ: بَلَى، كُنَّا نَعْبُدُكُمْ، فَتَقُولُ الْأَصْنَامُ:
﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ أَيْ: مَا كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ إِيَّانَا إِلَّا غَافِلِينَ، مَا كُنَّا نَسْمَعُ وَلَا نُبْصِرُ وَلَا نَعْقِلُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو﴾ أَيْ: تُخْتَبَرُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: تَعْلَمُ وَتَقِفُ عَلَيْهِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ: "تَتْلُو" بِتَاءَيْنِ، أَيْ: تَقْرَأُ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ صَحِيفَتَهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ ﴿مَا أَسْلَفَتْ﴾
مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تُعَايِنُ، ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ إِلَى حُكْمِهِ فَيَتَفَرَّدُ فِيهِمْ بِالْحُكْمِ، ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ الَّذِي يَتَوَلَّى وَيَمْلِكُ أُمُورَهُمْ: فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ: " وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ " [محمد: ١١] ؟ قِيلَ: الْمَوْلَى هُنَاكَ بمعنى الناصر، وها هنا بِمَعْنَى: الْمَالِكِ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ زَالَ عَنْهُمْ وَبَطَلَ، ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فِي الدُّنْيَا مِنَ التَّكْذِيبِ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم حكى - سبحانه - جانبا من الأقوال التى تدور بين المشركين وبين شركائهم يوم القيامة ، فقال - تعالى - :( وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ . . . ) .قوله : ( نَحْشُرُهُمْ ) أي نجمعهم يوم القيامة للحساب ، يقال : حشر القائد جنده ، إذا جمعهم للحرب أو لأمر من الأمور .ويوم ظرف زمان منصوب بفعل مقدر .والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم أو أيها الإنسان العاقل ، يوم نجمع الناس كافة ، لنحاسبهم على أعمالهم فى الدنيا .( ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُم ) أي : ثم نقول للمشركين منهم فى هذا اليوم العصيب ، الزموا مكانكم أنتم وشركاؤكم فلا تبرحوه حتى يقضى الله قضاءه ، فيكم ، فقوله : ( مكانكم ) ظرف مكان منصوب بفعل مقدر ، وقوله ( وَشُرَكَآؤُكُمْ ) معطوف على ضمير الفعل المقدر ، وقوله ( أنتم ) تأكيد له . أى قفوا مكانكم أنتم وشركاؤكم .وجاء العطف بثم ، للإِشارة إلى أن بين حشرهم وبين ما يقال لهم ، مواقف أخرى فيها من الأهوال ما فيها ، فثم هنا للتراخي النسبي .وقال - سبحانه - ( مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ) مع أن المشركين كانوا يعتبرون معبوداتهم شركاء الله - من باب التهكم بهم . وللإِشارة إلى أن ما عبدوهم لم يكونوا فى يوم من الأيام شركاء لله ، وإنما المشركون هم الذين وصفوهم بذلك افتراء وكذاب .وجاء وصفهم بالشرك فى حيز الصلة ، للإِيذان بأنه أكبر جناياتهم؛ وأن شركهم بالله - تعالى - هو الذى أدى بهم إلى هذا المصير المؤلم .وقوله : ( فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ) أى : ففرقنا بينهم ، وقطعنا ما بينهم من صلات ، وميزنا بعضهم عن بعض كما يميز بين الخصوم عند التقاضى والمساءلة .وزيلنا : من التزييل بمعنى التمييز والتفريق ، يقال : زيلت الشيء أزيله إذا نحيته وأبعدته ، ومنه قوله - تعالى - : ( لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) أى : لو تميزوا وتفرقوا .وعبر بإلفاء للدلالة على أن هذا التفريق والتمييز؛ قد حدث عقب الخطاب من غير مهلة وجاء الأسلوب بصيغة الماضى مع أن هذا التذييل سيكون فى الآخرة ، للإِيذان بتحقيق الوقوع ، وإلى زيادة التوبيخ والتحسير لهم .وقوله : ( وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ) معطوف على ما قبله .والمراد بالشركاء؛ كل ما عبد من دون الله من إنس وجن وأوثان وغير ذلك .أى : وقال شركاؤهم الذين أشركوهم فى العبادة مع الله - تعالى - : إنكم إيها المشركون لم تكونوا لنا عابدين فى الدنيا ، وإنما كنتم تعبدون أشياء أخرى زينها الشيطان لكم؛ فانقدتم له بدون تدبر أو تعقل .والمقصود بقولهم هذا - التبري من المشركين ، وتوبيخهم على أفكارهم الفاسدة .