مقارنة التفاسير
هود · الآية 10
إِنَّهُۥ ﴿١٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
هود · الآية 10
إِنَّهُۥ ﴿١٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ولئن بسطنا للإنسان في دنياه ووسَّعنا عليه في رزقه بعد ضيق من العيش، ليقولَنَّ عند ذلك: ذهب الضيق عني وزالت الشدائد، إنه لبَطِر بالنعم، مبالغ في الفخر والتعالي على الناس.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يفسّر المؤلف الآيات من 10 إلى 11 معاً في نص واحد.
:ـ وأنه إذا أذاقه رحمة من بعد ضراء مسته، أنه يفرح ويبطر، ويظن أنه سيدوم له ذلك الخير، ويقول: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ أي: فرح بما أوتي مما يوافق هوى نفسه، فخور بنعم الله على عباد الله، وذلك يحمله على الأشر والبطر والإعجاب بالنفس، والتكبر على الخلق، واحتقارهم وازدرائهم، وأي عيب أشد من هذا؟" وهذه طبيعة الإنسان من حيث هو، إلا من وفقه الله وأخرجه من هذا الخلق الذميم إلى ضده، وهم الذين صبروا أنفسهم عند الضراء فلم ييأسوا، وعند السراء فلم يبطروا، وعملوا الصالحات من واجبات ومستحبات. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم، يزول بها عنهم كل محذور. ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وهو: الفوز بجنات النعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 9 إلى 11 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 9.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْإِنْسَانِ وَمَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا أَصَابَتْهُ شِدَّةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ، حَصَلَ لَهُ يَأْسٌ [في ت: "إياس".] وَقُنُوطٌ مِنَ الْخَيْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَكُفْرٌ وَجُحُودٌ لِمَاضِي الْحَالِ، كَأَنَّهُ لَمْ يَرَ خَيْرًا، وَلَمْ يَرْج [في ت، أ: "ولا يرجوا".] بَعْدَ ذَلِكَ فَرَجًا. وَهَكَذَا إِنْ [في ت: "إذا".] أَصَابَتْهُ نِعْمَةٌ بَعْدَ نِقْمَةٍ ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ أَيْ: يَقُولُ: مَا بَقِيَ يَنَالُنِي بَعْدَ هَذَا ضَيْمٌ وَلَا سُوءٌ، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ أَيْ: فَرِحٌ بِمَا فِي يَدِهِ، بَطِرٌ فَخُورٌ عَلَى غَيْرِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أَيْ: فِي الشَّدَائِدِ وَالْمَكَارِهِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: فِي الرَّخَاءِ وَالْعَافِيَةِ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أَيْ: بِمَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الضَّرَّاءِ، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ بِمَا أَسْلَفُوهُ فِي زَمَنِ الرَّخَاءِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ هَمٌّ وَلَا غَمٌّ، وَلَا نَصَب وَلَا وَصَب، وَلَا حَزَن حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ عَنْهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ [في ت، أ: "ولا حزن إلا كفر الله بها من خطاياه حتى الشوكة يشاكها".] [روى مسلم نحوه في صحيحه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد (٢٥٧٣) ومن حديث أبي هريرة وحده (٢٥٧٤) .] ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ كَانَ [في ت: "فكان".] خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ" [صحيح مسلم برقم (٢٩٩) بلفظ: "عجبا للمؤمن إن أمره كله خير" من حديث صهيب الرومي رضي الله عنه وليس في صحيح البخاري.] وَهَكَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سُورَةُ الْعَصْرِ] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلا الْمُصَلِّينَ﴾ الآية [المعارج:١٩ -٢٢] .
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 10 إلى 11 معاً في نص واحد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولئن نحن بسطنا للإنسان في دنياه، ورزقناه رخاءً في عيشه، ووسعنا عليه في رزقه، وذلك هي النّعم التي قال الله جل ثناؤه: ﴿ولئن أذقناه نعماء﴾ [انظر تفسير " النعماء " فيما سلف من فهارس اللغة (نعم) .] = وقوله: ﴿بعد ضراء مسته﴾ ، يقول: بعد ضيق من العيش كان فيه، وعسرة كان يعالجها [انظر تفسير " المس " فيما سلف ص: ٢١٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك. = وتفسير " الضراء " فيما سلف ص: ٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.] ﴿ليقولنّ ذهب السيئات عني﴾ ، يقول تعالى ذكره: ليقولن عند ذلك: ذهب الضيق والعسرة عني، وزالت الشدائد والمكاره = ﴿إنه لفرح فخور﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن الإنسان لفرح بالنعم التي يعطاها مسرور بها [انظر تفسير " فرح " فيما سلف ١٤: ٢٨٩.]
= ﴿فخور﴾ ، يقول: ذو فخر بما نال من السعة في الدنيا، وما بسط له فيها من العيش، [انظر تفسير " فخور " فيما سلف ٨: ٣٥٠.] وينسى صُرُوفها، ونكدَ العَوَائص فيها، [في المطبوعة: " نكد العوارض "، غير ما في المخطوطة، و " العوائص " جمع " عائص " أو " عائصة "، ومثله " العوصاء "، وكله معناه: الشدة والعسر والحاجة.] ويدع طلب النعيم الذي يبقى، والسرور الذي يدوم فلا يزول.
١٨٠٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿ذهب السيئات عني﴾ ، غِرَّةً بالله وجراءة عليه = ﴿إنه لفرح﴾ ، والله لا يحب الفرحين= ﴿فخور﴾ ، بعد ما أعطي، وهو لا يشكر الله.
* *
ثم استثنى جل ثناؤه من الإنسان الذي وصفه بهاتين الصفتين: "الذين صبروا وعملوا الصالحات". وإنما جاز استثناؤهم منه لأن "الإنسان" بمعنى الجنس ومعنى الجمع. وهو كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، [سورة العصر: ١-٣] ، [انظر معاني القرآن للفراء في تفسير الآية. ومن هنا سأرجع إلى النسخة المخطوطة من معاني القرآن، لأن بقية الكتاب لم تطبع بعد. والنسخة التي أرجع إليها هي المخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم: ب ٢٤٩٨٦، مصورة عن نسخة مكتبة " بغداد لي وهبي " بالمكتبة السليمانية، بالآستانة.]
فقال تعالى ذكره: ﴿إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات﴾ ، فإنهم إن تأتهم شدّة من الدنيا وعسرة فيها، لم يثنهم ذلك عن طاعة الله، ولكنهم صبروا لأمره وقضائه. فإن نالوا فيها رخاء وسعةً، شكروه وأدَّوا حقوقه بما آتاهم منها. يقول الله: ﴿أولئك لهم مغفرة﴾ يغفرها لهم، ولا يفضحهم بها في معادهم = ﴿وأجر كبير﴾ ، يقول: ولهم من الله مع مغفرة ذنوبهم، ثوابٌ على أعمالهم الصالحة التي عملوها في دار الدنيا، جزيلٌ، وجزاءٌ عظيم.
١٨٠٠٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿إلا الذين صبروا﴾ ، عند البلاء، ﴿وعملوا الصالحات﴾ ، عند النعمة = ﴿ألئك لهم مغفرة﴾ ، لذنوبهم = ﴿وأجر كبير﴾ ، قال: الجنة.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 9 إلى 11 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 9.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ الْإِنْسَانُ اسْمٌ شَائِعٌ [في ع: جامع.] لِلْجِنْسِ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ هُنَا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَفِيهِ نَزَلَتْ. وَقِيلَ: فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ. "رَحْمَةً" أَيْ نِعْمَةً.
(ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ) أي سلبناه إياها.
(إِنَّهُ لَيَؤُسٌ) أَيْ يَائِسٌ مِنَ الرَّحْمَةِ.
(كَفُورٌ) لِلنِّعَمِ جَاحِدٌ لها، قال ابن الأعرابي. النحاس: "لَيَؤُسٌ" مِنْ يَئِسَ يَيْأَسُ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ يَئِسَ يَيْئِسُ على فعل يفعل، ونظير حسب يحسب ونعم ينعم، ويأس ييئس [كذا في الأصول. ولعل الصواب: يبس ييبس: بالموحدة بعد الياء. وهو الحرف الرابع] ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: يَئِسَ يَيْئِسُ، وَلَا يُعْرَفُ فِي الْكَلَامِ [الْعَرَبِيِّ [من ع.] ] إِلَّا هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ الْأَحْرُفَ مِنَ السَّالِمِ جَاءَتْ عَلَى فَعِلَ يَفْعِلُ، وَفِي وَاحِدٍ مِنْهَا اخْتِلَافٌ. وَهُوَ يَئِسَ وَ "يَئُوسٌ" عَلَى التَّكْثِيرِ كَفَخُورٍ لِلْمُبَالَغَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ﴾ أَيْ صِحَّةً وَرَخَاءً وَسَعَةً فِي الرِّزْقِ.
(بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) أَيْ بَعْدَ ضُرٍّ وَفَقْرٍ وَشِدَّةٍ.
(لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي) أَيِ الْخَطَايَا الَّتِي تَسُوءُ صَاحِبَهَا مِنَ الضُّرِّ وَالْفَقْرِ.
(إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) أَيْ يَفْرَحُ وَيَفْخَرُ بِمَا نَالَهُ مِنَ السَّعَةِ وَيَنْسَى شُكْرَ اللَّهِ عَلَيْهِ، يُقَالُ: رَجُلٌ فَاخِرٌ إِذَا افْتَخَرَ- وَفَخُورٌ لِلْمُبَالَغَةِ- قَالَ يَعْقُوبُ الْقَارِئُ: وَقَرَأَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ "لَفَرُحٌ" بِضَمِّ الرَّاءِ كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ فَطُنٌّ وَحَذُرٌ وَنَدُسُّ. وَيَجُوزُ فِي كِلْتَا اللُّغَتَيْنِ [في ع: اللفظين.] الْإِسْكَانُ لِثِقَلِ الضَّمَّةِ وَالْكَسْرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، مَدَحَهُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى الشَّدَائِدِ. وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. قَالَ الْأَخْفَشُ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، أَيْ لَكِنِ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي حَالَتَيِ النِّعْمَةِ وَالْمِحْنَةِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ "وَلَئِنْ أَذَقْناهُ" أَيْ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ بِمَعْنَى النَّاسِ، وَالنَّاسُ يَشْمَلُ الْكَافِرَ وَالْمُؤْمِنَ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ وَهُوَ حَسَنٌ.
(أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ.
(وَأَجْرٌ) معطوف.
(كَبِيرٌ) صفة.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 10 إلى 12 معاً في نص واحد.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ بَعْدَ بَلَاءٍ أَصَابَهُ، ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ زَالَتِ الشَّدَائِدُ عَنِّي، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ أَشِرٌ بَطِرٌ، وَالْفَرَحُ: لَذَّةٌ فِي الْقَلْبِ بِنَيْلِ الْمُشْتَهَى، وَالْفَخْرُ: هُوَ التَّطَاوُلُ عَلَى النَّاسِ بِتَعْدِيدِ الْمَنَاقِبِ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، مَعْنَاهُ: لَكِنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فَإِنَّهُمْ إِنْ نَالَتْهُمْ شِدَّةٌ صَبَرُوا، وَإِنْ نَالُوا نِعْمَةً شَكَرُوا، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وَهُوَ الْجَنَّةُ.
﴿فَلَعَلَّكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ فُلَا تُبَلِّغُهُ إِيَّاهُمْ. وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ لَمَّا قَالُوا: " ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا " [يونس: ١٥] لَيْسَ فِيهِ سَبُّ آلِهَتِنَا، هَمَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَدَعَ آلِهَتُهُمْ ظَاهِرًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ٧ / ٢٤٩ - وقال بعد أن ذكر سبب النزول: "فخاطب الله تعالى نبيه ﷺ على هذه الصورة من المخاطبة، ووقفه بها توقيفا رادا على أقوالهم ومبطلا لها، وليس المعنى أنه ﷺ هم بشيء من هذا فزجر عنه. فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحي إليه، ولا ضاق صدره، وإنما كان يضيق صدره بأقوالهم وأفعالهم وبعدهم عن الإيمان". ثم قال بعد ذلك " ... ويحتمل أن يكون النبي ﷺ قد عظم عليه ما يلقى من الشدة فمال إلى أن يكون من الله تعالى إذن في مساهلة الكفار بعض المساهلة، ونحو ذلك من الاعتقادات التي تليق به ﷺ كما جاءت بذلك آيات الموادعة".] يَعْنِي: سَبَّ الْآلِهَةِ، ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أَيْ: فَلَعَلَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ أَيْ: لِأَنْ يَقُولُوا، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ يُنْفِقُهُ ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يُصَدِّقُهُ، قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ حَافِظٌ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم بين - سبحانه - حالة هذا الإِنسان اليؤوس الكفور ، عندما تأتيه السراء بعد الضراء فقال : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عني إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ) .والنعماء : النعمة التى يظهر أثرها على صاحبها ، واختبر لفظ النعماء لمقابلته للضراء .والضراء : ما يصيب الإِنسان من مصائب يظهر أثرها السئ عليه .والمراد بالسيئات : الأضرار التى لحقته كالفقر والمرض .والمعنى : ولئن أذقنا هذا الإِنسان اليؤوس الكفور ( نعماء ) بعد ضراء مسته كصحة بعد مرض ، وغنى بعد فقر ، وأمن بعد خوف ، ونجاح بعد فشل .( لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عني ) أى : ليقولن فى هذه الحالة الجديدة ببطر وأشر ، وغرور وتكبر ، لقد ولت المصائب عنى الأدبار ، ولن تعود إلى .وعبر - سبحانه - فى جانب الضراء بالمس ، للإِشارة إلى أن الإِصابة بها أخف مما تذوقه من نعماء ، وأن لطف الله شامل لعباده فى كل الأحوال .وجملة ( إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ) جواب القسم .أى : إنه لشديد الفرح والبطر بالنعمة : كثير التباهى والتفاخر بما أعطى منها ، مشغول بذلك عن القيام بما يجب عليه نحو خالقه من شكر وثناء عليه - سبحانه - .وإنها - أيضا - لصورة صادقة لهذا الإِنسان العجول القاصر ، الذى يعيش فى لحظته الحاضرة ، فلا يتذكر فيما مضى ، ولا يتفكر فيما سيكون عليه حاله بعد الموت ، ولا يعتبر بتقلبات الأيام ، فهو يؤوس كفور إذا نزعت منه النعمة ، وهو بطر فخور إذا عادت إليه ، وهذا من أسوأ ما تصاب به النفس الإِنسانية من أخلاق مرذولة .