مقارنة التفاسير
هود · الآية 118
شَآءَ وَلَا ﴿١١٨﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
هود · الآية 118
شَآءَ وَلَا ﴿١١٨﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ولو شاء ربك لجعل الناس كلهم جماعة واحدة على دين واحد وهو دين الإسلام، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك، فلا يزال الناس مختلفين في أديانهم؛ وذلك مقتضى حكمته.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الدين الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء، ولكنه اقتضت حكمته، أن لا يزالوا مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم, متبعين للسبل الموصلة إلى النار، كل يرى الحق، فيما قاله، والضلال في قول غيره.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 118 إلى 119 معاً في نص واحد.
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى جَعْلِ النَّاسِ كُلِّهم أُمَّةً وَاحِدَةً، مِنْ إِيمَانٍ أَوْ كُفْرَانٍ [في ت، أ: "وكفران".] كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يُونُسَ: ٩٩] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: وَلَا يَزَالُ الخُلْفُ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَدْيَانِهِمْ وَاعْتِقَادَاتِ مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ وَآرَائِهِمْ.
قَالَ [في ت، أ: "وقال".] عِكْرِمَةُ: ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾ فِي الْهُدَى [في ت، أ: "الهوى".] . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾ فِي الرِّزْقِ، يُسخّر بَعْضُهُمْ بَعْضًا، والمشهورُ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أَيْ: إِلَّا الْمَرْحُومِينَ مِنْ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ، الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الدِّينِ [في ت: "الذي"، وفي أ: "الذين".] . أَخْبَرَتْهُمْ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُمْ، حَتَّى كَانَ النَّبِيُّ ﷺ الْأُمِّيُّ خَاتَمَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، فَاتَّبَعُوهُ وَصَدَّقُوهُ، وَنَصَرُوهُ وَوَازَرُوهُ، فَفَازُوا بِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ، مِنْ طَرْقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا: "إِنَّ الْيَهُودَ افترقت على إِحْدَى [في أ: "اثنين".] وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإِنَّ النَّصَارَى افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي [في أ: "هذه الأمة".] عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةَ وَاحِدَةً". قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي".
رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ [سبق تخريجه عند تفسير الآية: ٩٣ من سورة يونس.]
وَقَالَ عَطَاءٌ: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ ﴿إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ يَعْنِي: الحنَيفيَّة.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أهلُ رَحْمَةِ اللَّهِ أَهْلُ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ تَفَرَّقَتْ دِيَارُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ، وَأَهْلُ مَعْصِيَتِهِ أَهْلُ فِرْقَةٍ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ دِيَارُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ -: وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقهم.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: خَلَقَهُمْ فَرِيقَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُودٍ:١٠٥] .
وَقِيلَ: لِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ طَاوُسٍ؛ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فَأَكْثَرَا [في ت: "فأكثروا".] فَقَالَ طَاوُسٌ: اخْتَلَفْتُمَا فَأَكْثَرْتُمَا [في ت: "وأكثرتما".] ! فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: لِذَلِكَ خُلِقْنَا. فَقَالَ طَاوُسٌ: كَذَبْتَ. فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قَالَ: لَمْ يَخْلُقْهُمْ لِيَخْتَلِفُوا، وَلَكِنْ خَلَقَهُمْ لِلْجَمَاعَةِ وَالرَّحْمَةَ. كَمَا قال الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ لِلْعَذَابِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ. وَيَرْجِعُ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذَّارِيَاتِ:٥٦] .
وَقِيلَ: بَلِ الْمُرَادُ: وَلِلرَّحْمَةِ وَالِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قَالَ: النَّاسُ مُخْتَلِفُونَ عَلَى أَدْيَانٍ شَتَّى، ﴿إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فَمِنْ رَحِمَ رَبُّكَ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ. قِيلَ لَهُ: فَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ؟ [قَالَ] [زيادة من ت.] خَلَقَ هَؤُلَاءِ لَجَنَّتِهِ، وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِنَارِهِ، وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِرَحْمَتِهِ، وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِعَذَابِهِ.
وَكَذَا [في ت: "وكذلك".] قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاح، وَالْأَعْمَشُ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْب: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قَالَ: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
وَقَدِ اخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ [في ت، أ: "وأبو عبيد".] وَالْفَرَّاءُ.
وَعَنْ مَالِكٍ فِيمَا رُوِّينَاهُ عَنْهُ فِي التَّفْسِيرِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قَالَ: لِلرَّحْمَةِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لِلِاخْتِلَافِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهُ، لِعِلْمِهِ التَّامِّ وَحِكْمَتِهِ النَّافِذَةِ، أَنَّ مِمَّنْ [في ت، أ: "من".] خَلَقَهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْجَنَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّارَ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَمْلَأَ جَهَنَّمَ مِنْ هَذَيْنَ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ الْجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضَعَفَةُ النَّاسِ وسَقطُهم؟ وَقَالَتِ النَّارَ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْجَنَّةِ، أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ. وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتَ عَذَابِي، أَنْتَقِمُ بِكِ مِمَّنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا. فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَلَا يَزَالُ فِيهَا فَضْلٌ، حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا يَسْكُنُ فَضْلَ الْجَنَّةِ، وَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَزَالُ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ رَبُّ الْعِزَّةِ قَدمه، فَتَقُولُ: قَطْ قَطٍ، وَعَزَّتِكُ" [صحيح البخاري برقم (٧٤٤٩) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٦) .] .
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 118 إلى 119 معاً في نص واحد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربك، يا محمد، لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة، ودين واحد، [انظر تفسير " الأمة " فيما سلف ص: ٣٥٣ تعليق: ٤، والمراجع هناك.] كما:-
١٨٦٩٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ ، يقول: لجعلهم مسلمين كلهم.
* *
وقوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، يقول تعالى ذكره: ولا يزال النَّاس مختلفين = ﴿إلا من رحم ربك﴾ .
* *
ثم اختلف أهل التأويل في "الاختلاف" الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به.
فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان = فتأويل ذلك على مذهب هؤلاء: ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى، من بين يهوديّ ونصرانيّ، ومجوسي، ونحو ذلك.
وقال قائلو هذه المقالة: استثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٠٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى والمجوس، والحنيفيَّة همُ الذين رحم ربُّك
١٨٧٠١- حدثني المثني قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى والمجوس، ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: هم الحنيفية.
١٨٧٠٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال، أخبرنا منصور بن عبد الرحمن قال: قلت للحسن قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: الناس مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلفين.
١٨٧٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحقّ.
١٨٧٠٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧٠٥- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
١٨٧٠٦-. . . . قال، حدثنا معلي بن أسد قال، حدثنا عبد العزيز، عن منصور بن عبد الرحمن قال: سئل الحسن عن هذه الآية: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: الناس كلهم مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلف. فقلت له: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ؟ فقال: خلق هؤلاء لجنته، وهؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه.
١٨٧٠٧-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧٠٨-. . . . قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد، قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الحقّ وأهل الباطل. ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧٠٩-. . . . قال، حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
١٨٧١٠-. . . . قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك: ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحقّ، ليس فيهم اختلاف.
١٨٧١١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عكرمة: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل القبلة.
١٨٧١٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ قال: أهل الباطل= ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧١٣- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: لا يزالون مختلفين في الهوى.
١٨٧١٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، فأهل رحمة الله أهل جماعة، وإن تفرقت دورهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت دورهم وأبدانهم.
١٨٧١٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: من جعله على الإسلام.
١٨٧١٦-. . . . قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا الحسن بن واصل، عن الحسن: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل، ﴿إلا من رحم ربك﴾ . [الأثر: ١٨٧١٦ - " الحسن بن واصل "، لم أجد له ذكرًا، وأخشى أن يكون فيه تحريف. وأن يكون صوابه: " الحسن، عن واصل "، وكأنه يعني: " واصل بن عبد الرحمن " " أبا حرة "، وهو يروي عن الحسن، مضى برقم: ٦٣٨٥، ١١٤٩٦، ١٢٦١٦.]
١٨٧١٧-. . . . قال، حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.
١٨٧١٨- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يزالون مختلفين في الرزق، فهذا فقير وهذا غنى.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧١٩- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر، عن أبيه، أن الحسن قال: مختلفين في الرزق، سخر بعضهم لبعض.
* *
وقال بعضهم: مختلفين في المغفرة والرحمة، أو كما قال.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك، بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك: "ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم وأهوائهم على أديان وملل وأهواء شتى، إلا من رحم ربك، فآمن بالله وصدق رسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله".
وإنما قلت ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك، لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك قوله: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين﴾ ، ففي ذلك دليلٌ واضح أن الذي قبله من ذكر خبره عن اختلاف الناس، إنما هو خبرٌ عن اختلاف مذموم يوجب لهم النار، ولو كان خبرًا عن اختلافهم في الرزق، لم يعقّب ذلك بالخبر عن عقابهم وعَذابهم.
* *
وأما قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله:
فقال بعضهم: معناه: وللاختلاف خلقهم.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٢٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للاختلاف.
١٨٧٢١- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا منصور بن عبد الرحمن، قال: قلت للحسن: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ؟ فقال: خلق هؤلاء لجنته وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه.
١٨٧٢٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عليه، عن منصور، عن الحسن، مثله.
١٨٧٢٣- حدثني المثني قال، حدثنا المعلى بن أسد قال، حدثنا عبد العزيز، عن منصور بن عبد الرحمن، عن الحسن. بنحوه.
١٨٧٢٤-. . . . قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، أن الحسن قال في هذه الآية: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلق هؤلاء لهذه، وخلق هؤلاء لهذه.
١٨٧٢٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا هوذة بن خليفة قال، حدثنا عوف، عن الحسن قال: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافًا يضرُّهم.
١٨٧٢٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلقهم فريقين: فريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا لا يرحم يختلف، وذلك قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ، [سورة هود: ١٠٥] .
١٨٧٢٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: يهود ونصارى ومجوس= ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: من جعله على الإسلام = ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: مؤمن وكافر.
١٨٧٢٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، قال، حدثنا الأعمش: "ولذلك خلقهم "، قال: مؤمن وكافر.
١٨٧٢٩- حدثني يونس قال، أخبرنا أشهب قال: سئل مالك عن قول الله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلقهم ليكونوا فريقين: فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وللرحمة خلقهم.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٣٠- حدثني أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة.
١٨٧٣١- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال للرحمة.
١٨٧٣٢- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد، مثله.
١٨٧٣٣- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله.
١٨٧٣٤-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو حفص، عن ليث، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: للرحمة خلقهم.
١٨٧٣٥- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة خلقهم.
١٨٧٣٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عمن ذكره عن ثابت، عن الضحاك: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة.
١٨٧٣٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: أهل الحقّ ومن اتبعه لرحمته.
١٨٧٣٨- حدثني سعد بن عبد الله قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك﴾ ، قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم، لأن الله جل ذكره ذكر صنفين من خلقه: أحدهما أهل اختلاف وباطل، والآخر أهل حق، ثم عقَّب ذلك بقوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، فعمّ بقوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، صفة الصنفين، فأخبر عن كل فريق منهما أنه ميَسَّر لما خلق له.
* *
فإن قال قائل: فإن كان تأويل ذلك كما ذكرت، فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم، إذ كان لذلك خلقهم ربُّهم، وأن يكون المتمتِّعون هم الملومين؟
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم، ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، فهداه للحقّ ولعلمه، وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم أنه يكون فيهم المؤمن والكافر، والشقي والسعيد خلقهم = فمعنى اللام في قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ بمعنى "على" كقولك للرجل: أكرمتك على برك بي، وأكرمتك لبرك بي.
* *
وأما قوله: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ ، لعلمه السابق فيهم أنهم يستوجبون صليها بكفرهم بالله، وخلافهم أمره.
* *
وقوله: ﴿وتمت كلمة ربك﴾ ، قسم كقول القائل: حلفي لأزورنك، وبدًا لي لآتينك، ولذلك تُلُقِّيَت بلام اليمين.
* *
وقوله: ﴿من الجنة﴾ ، وهي ما اجتَنَّ عن أبصار بني آدم = ﴿والناس﴾ ، يعني: وبنى آدم.
* *
وقيل: إنهم سموا "الجنة"، لأنهم كانوا على الجنان.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٣٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك: وإنما سموا "الجنة " أنهم كانوا على الجنان، والملائكة كلهم "جنة"
١٨٧٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك قال: "الجنة": الملائكة.
* *
وأما معنى قول أبى مالك هذا: أن إبليس كان من الملائكة، والجن ذريته، وأن الملائكة تسمى عنده الجن، لما قد بينت فيما مضى من كتابنا هذا. [انظر تفسير " الجن " فيما سلف ١: ٥٠٢ - ٥٠٨.]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 117 إلى 119 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 117.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى﴾ أَيْ أَهْلَ الْقُرَى.
(بِظُلْمٍ) أَيْ بِشِرْكٍ وَكُفْرٍ.
(وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) أَيْ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي تَعَاطِي الْحُقُوقِ، أَيْ لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَهُمْ بِالْكُفْرِ وَحْدَهُ حَتَّى يَنْضَافَ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، كَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ شُعَيْبٍ بِبَخْسِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، وَقَوْمَ لُوطٍ بِاللِّوَاطِ، وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ أَقْرَبُ إِلَى عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشِّرْكِ، وَإِنْ كَانَ عَذَابُ الشِّرْكِ فِي الْآخِرَةِ أَصْعَبَ. وَفِي صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ". وَقَدْ تَقَدَّمَ [راجع ج ٦ ص ٣٤٢ فما بعدها.] . وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَمَا كَانَ رَبّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُسْلِمُونَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهُمْ وَنَقْصًا مِنْ حَقِّهِمْ، أَيْ مَا أَهْلَكَ قَوْمًا إِلَّا بَعْدَ إِعْذَارٍ وَإِنْذَارٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَا كَانَ رَبُّكُ لِيُهْلِكَ أَحَدًا وَهُوَ يَظْلِمُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى نِهَايَةِ الصَّلَاحِ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مُلْكِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ [راجع ج ٨ ص ٣٤٦.] [يونس: ٤٤]. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُهْلِكَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَهُمْ مُصْلِحُونَ، أَيْ مُخْلِصُونَ فِي الْإِيمَانِ. فَالظُّلْمُ الْمَعَاصِي عَلَى هَذَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَحْدَهَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَهْلُ دِينٍ وَاحِدٍ، أَهْلُ ضَلَالَةٍ أَوْ أَهْلُ هُدًى.
(وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) أَيْ عَلَى أَدْيَانٍ شَتَّى، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ.
(إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنْ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ بِالْإِيمَانِ وَالْهُدَى فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ. وقيل: مختلفين في الرزق، فهذا غَنِيٌّ وَهَذَا فَقِيرٌ. "إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ" بِالْقَنَاعَةِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.
(وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ، وَعَطَاءٌ [وَيَمَانٌ [من ع، ا، و، ى.] ]: الْإِشَارَةُ لِلِاخْتِلَافِ، أَيْ وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: وَلِرَحْمَتِهِ خَلَقَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ: "وَلِذلِكَ" وَلَمْ يَقُلْ وَلِتِلْكَ، وَالرَّحْمَةُ مُؤَنَّثَةٌ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ تَأْنِيثَ الرَّحْمَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَحُمِلَتْ عَلَى مَعْنَى الْفَضْلِ. وَقِيلَ. الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ وَالرَّحْمَةِ، وَقَدْ يشار ب "لِذلِكَ" إِلَى شَيْئَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ [راجع ج ١ ص ٤٤٨.] [البقرة: ٦٨] وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَ ذَيْنِكَ وَلَا تَيْنِكَ، وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ [راجع ج ١٣ ص ٧٢.] [الفرقان: ٦٧] وَقَالَ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾ [راجع ج ١٠ ص ٣٤٣.] [الإسراء: ١١٠] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [راجع ج ٨ ص ٣٥٣.] [يونس: ٥٨] وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّهُ يَعُمُّ، أَيْ وَلِمَا ذُكِرَ خَلَقَهُمْ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ، قَالَ أَشْهَبُ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، أَيْ خَلَقَ أَهْلَ الِاخْتِلَافِ لِلِاخْتِلَافِ، وَأَهْلَ الرَّحْمَةِ لِلرَّحْمَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ: خَلَقَهُمْ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقًا يَرْحَمُهُ وَفَرِيقًا لَا يَرْحَمُهُ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَفِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، الْمَعْنَى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ. مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وَالْمَعْنَى: وَلِشُهُودِ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَلَقَهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ متعلق بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] أَيْ لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ خَلَقَهُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ مَعْنَى "تَمَّتْ" ثَبَتَ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ وَقَدَّرَ فِي أَزَلِهِ، وَتَمَامُ الْكَلِمَةِ امْتِنَاعُهَا عَنْ قَبُولِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ.
(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) "مَنْ" لِبَيَانِ الْجِنْسِ، أَيْ مِنْ جِنْسِ الْجِنَّةِ وَجِنْسِ النَّاسِ. "أَجْمَعِينَ" تَأْكِيدٌ، وَكَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَمْلَأُ نَارَهُ كَذَلِكَ أَخْبَرَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ [صَلَّى اللَّهُ [من ع.] عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] أَنَّهُ يَمْلَأُ جَنَّتَهُ بِقَوْلِهِ: "وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا". خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وقد تقدم.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 116 إلى 119 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 116.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَوْلَا﴾ فَهَلَّا ﴿كَانَ مِنَ الْقُرُونِ﴾ الَّتِي أَهْلَكْنَاهُمْ، ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وَالْآيَةُ لِلتَّوْبِيخِ ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أَيْ: أُولُو تَمْيِيزٍ. وَقِيلَ: أُولُو طَاعَةٍ. وَقِيلَ: أُولُو خَيْرٍ. يُقَالُ: فُلَانٌ ذُو بَقِيَّةٍ إِذَا كَانَ فِيهِ خَيْرٌ. مَعْنَاهُ: فَهَلَّا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ مَنْ فِيهِ خَيْرٌ يَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ؟ [وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أُولُو بَقِيَّةٍ مِنْ خَيْرٍ. يُقَالُ: فُلَانٌ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنَ الْخَيْرِ إِذَا كَانَ عَلَى خَصْلَةٍ مَحْمُودَةٍ] [ساقط من "ب".] .
﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ يَقُومُونَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْفَسَادِ، وَمَعْنَاهُ جَحَدَ، أَيْ: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أُولُو بَقِيَّةٍ.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْنَاهُ: لَكِنَّ قَلِيلًا ﴿مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ وَهُمْ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ.
﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا﴾ نُعِّمُوا، ﴿فِيهِ﴾ وَالْمُتْرَفُ: الْمُنَعَّمُ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: خُوِّلُوا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: [عُوِّدُوا مِنَ النَّعِيمِ وَاللَّذَّاتِ وَإِيثَارِ الدُّنْيَا] [ساقط من "ب".] أَيْ: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا عُوِّدُوا مِنَ النَّعِيمِ وَاللَّذَّاتِ وَإِيثَارِ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ.
﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ كَافِرِينَ.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ أَيْ: لَا يُهْلِكُهُمْ بِشِرْكِهِمْ، ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ فِيمَا بَيْنَهُمْ يَتَعَاطَوْنَ الْإِنْصَافَ وَلَا يَظْلِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَإِنَّمَا يُهْلِكُهُمْ إِذَا تَظَالَمُوا، وَقِيلَ: لَا يُهْلِكُهُمْ بِظُلْمٍ مِنْهُ وَهُمْ مُصْلِحُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَلَكِنْ يُهْلِكُهُمْ بِكُفْرِهِمْ وَرُكُوبِهِمُ السَّيِّئَاتِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ﴾ كُلَّهُمْ ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ.
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ عَلَى أَدْيَانٍ شَتَّى مِنْ بَيْنِ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ، وَمَجُوسِيٍّ، وَمُشْرِكٍ.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ مَعْنَاهُ: لَكِنَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ فَهَدَاهُمْ إِلَى الْحَقِّ، فَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ، ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: وَلِلِاخْتِلَافِ خَلْقَهُمْ. وَقَالَ أَشْهَبُ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الَّذِي أَخْتَارُهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: خَلَقَ فَرِيقًا لِرَحْمَتِهِ وَفَرِيقًا لِعَذَابِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: وَلِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ، يَعْنِي الَّذِينَ رَحِمَهُمْ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: خَلَقَ أَهْلَ الرَّحْمَةِ لِلرَّحْمَةِ، وَأَهْلَ الِاخْتِلَافِ لِلِاخْتِلَافِ.
وَحَاصِلُ [في "ب" (ومحصول ... ) .] الْآيَةِ: أَنَّ أَهْلَ الْبَاطِلِ مُخْتَلِفُونَ، وَأَهْلَ الْحَقِّ مُتَّفِقُونَ، فَخَلَقَ اللَّهُ أَهْلَ الْحَقِّ لِلِاتِّفَاقِ، وَأَهْلَ الْبَاطِلِ لِلِاخْتِلَافِ.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وَتَمَّ حُكْمُ رَبِّكَ، ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم أخبر - سبحانه - بأن قدرته لا يعجزها شئ فقال : ( وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً ) .والأمة : القوم المجتمعون على أمر واحد؛ يقتدى فيه بعضهم ببعض ، وهذا اللفظ مأخوذ من " أم " بمعنى قصد ، لأن كل واحد من أفراد القوم يؤم المجموع ويقصده فى مختلف شئونه .ولو شرطية امتناعية ، ومفعول فعل المشيئة محذوف والتقدير :ولو شاء ربك - أيها الرسول الكريم الحريص على إيمان قومه - أن يجعل الناس جميعاً أمة واحدة مجتمعة على الدين الحق لجعلهم ، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، ليتميز الخبيث من الطيب ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ( وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً . . . ) وقوله - سبحانه - ( وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى . . . ) وقوله ( وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ) تأكيد لما اقتضته سنته من اختلاف الناس .أى : ولا يزالون ما بقيت الدنيا مختلفين فى شأن الدين الحق ، فمنهم من دخل فيه وآمن به ، ومنهم من أعرض عنه ، إلا الذين رحمهم ربك منهم بهدايتهم إلى الصراط المستقيم من أول الأمر ، فإنهم لم يختلفوا ، بل اتفقوا على الإِيمان بالدين الحق فعصمهم الله - تعالى - من الاختلاف المذموم .