مقارنة التفاسير
هود · الآية 17
كَانَ عَلَىٰ مِّن مِّنۡهُ بِهِۦۚ بِهِۦ مِنَ تَكُ فِي مِّنۡهُۚ إِنَّهُ مِن لَا ﴿١٧﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
هود · الآية 17
كَانَ عَلَىٰ مِّن مِّنۡهُ بِهِۦۚ بِهِۦ مِنَ تَكُ فِي مِّنۡهُۚ إِنَّهُ مِن لَا ﴿١٧﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
أفمَن كان على حجة وبصيرة من ربه فيما يؤمن به، ويدعو إليه بالوحي الذي أنزل الله فيه هذه البينة، ويتلوها برهان آخرُ يشهد على كونه من عند الله، وهو جبريل أو محمد عليهما السلام، ويؤيد ذلك برهان ثالث من قَبْل القرآن، وهو التوراة -الكتاب الذي أُنزل على موسى إمامًا ورحمة لمن آمن به-، كمن كان همه الحياة الفانية بزينتها؟ أولئك يصدِّقون بهذا القرآن ويعملون بأحكامه، ومن يكفر بهذا القرآن من الذين تحزَّبوا على رسول الله ﷺ فجزاؤه النار، يَرِدُها لا محالة، فلا تك -أيها الرسول- في شك من أمر القرآن وكونِه من عند الله تعالى، بعد ما شهدت بذلك الأدلة والحجج، واعلم أن هذا الدين هو الحق من ربك، ولكن أكثر الناس لا يصدِّقون ولا يعملون بما أُمروا به. وهذا توجيه عام لأمة محمد ﷺ.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يذكر تعالى، حال رسوله محمد ﷺ ومن قام مقامه من ورثته القائمين بدينه، وحججه الموقنين بذلك، وأنهم لا يوصف بهم غيرهم ولا يكون أحد مثلهم، فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ بالوحي الذي أنزل الله فيه المسائل المهمة، ودلائلها الظاهرة، فتيقن تلك البينة. ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ أي: يتلو هذه البينة والبرهان برهان آخر ﴿شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ وهو شاهد الفطرة المستقيمة، والعقل الصحيح، حين شهد حقيقة ما أوحاه الله وشرعه، وعلم بعقله حسنه، فازداد بذلك إيمانا إلى إيمانه. ﴿و﴾ ثم شاهد ثالث وهو ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ التوراة التي جعلها الله ﴿إِمَامًا﴾ للناس ﴿وَرَحْمَةً﴾ لهم، يشهد لهذا القرآن بالصدق، ويوافقه فيما جاء به من الحق. أي: أفمن كان بهذا الوصف قد تواردت عليه شواهد الإيمان، وقامت لديه أدلة اليقين، كمن هو في الظلمات والجهالات، ليس بخارج منها؟! لا يستوون عند الله، ولا عند عباد الله، ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الذين وفقوا لقيام الأدلة عندهم، ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بالقرآن حقيقة، فيثمر لهم إيمانهم كل خير في الدنيا والآخرة. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ أي: القرآن ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ أي: سائر طوائف أهل الأرض، المتحزبة على رد الحق، ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ لا بد من وروده إليها ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ منه﴾ أي: في أدنى شك ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إما جهلا منهم وضلالا، وإما ظلما وعنادا وبغيا، وإلا فمن كان قصده حسنا وفهمه مستقيما، فلا بد أن يؤمن به، لأنه يرى ما يدعوه إلى الإيمان من كل وجه.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى فِطْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي فَطَرَ عَلَيْهَا عِبَادَهُ، مِنَ الِاعْتِرَافِ لَهُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الرُّومِ: ٣٠] ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه، كَمَا تُولَدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاء، هَلْ تُحِسُّون فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ " [صحيح البخاري برقم (١٣٨٥) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٨) .] . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاء، فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ" [صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥) .] . وَفِي الْمُسْنَدِ وَالسُّنَنِ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، حَتَّى يُعرِب عَنْهُ لِسَانُهُ" [رواه الإمام أحمد في المسند (٣/٣٥٣) من طريق أبي جَعْفَرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ الْحَسَنِ عن جابر به.] الْحَدِيثَ، فَالْمُؤْمِنُ بَاقٍ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ. [وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ أَيْ] [زيادة من ت، أ.] : وَجَاءَهُ شَاهِدٌ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ مَا أَوْحَاهُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، مِنَ الشَّرَائِعِ المطهرَة المُكَمَّلَة المعظَّمة المُخْتَتَمَةِ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرِمة، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالضَّحَّاكُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، والسُّدِّي، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ إِنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَعَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ: هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَكُلَاهُمَا قَرِيبٌ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، بلَّغ رِسَالَةَ اللَّهِ تَعَالَى، فَجِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدٌ إِلَى الْأُمَّةِ [في أ: "أمته".] .
وَقِيلَ: هُوَ عَلِيٌّ. وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَثْبُتُ لَهُ قَائِلٌ، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي هُوَ الْحَقُّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ عِنْدَهُ مِنَ الْفِطْرَةِ مَا يَشْهَدُ لِلشَّرِيعَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَالتَّفَاصِيلُ تُؤْخَذُ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَالْفِطْرَةُ تَصْدُقُهَا وَتُؤْمِنُ بِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ وَهُوَ الْقُرْآنُ، بَلَّغَهُ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ [مُحَمَّدٍ] [زيادة من ت، أ.] ﷺ، وَبَلَّغَهُ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ إِلَى أُمَّتِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ أَيْ: وَمِنْ قَبْلِ [هَذَا] [زيادة من أ.] الْقُرْآنِ كِتَابُ مُوسَى، وَهُوَ التَّوْرَاةُ، ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ أَيْ: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى تِلْكَ الْأُمَّةِ إِمَامًا لَهُمْ، وَقُدْوَةً [في ت: "وقد".] يَقْتَدُونَ بِهَا، وَرَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ. فَمَنْ آمَنَ بِهَا حَقَّ الْإِيمَانِ قَادَهُ ذَلِكَ إِلَى الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِمَنْ كَذَّبَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أَيْ: وَمَنْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْأَرْضِ مُشْرِكِيهِمْ: أَهْلِ [في ت: "وأهل".] الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، مِنْ سَائِرِ طَوَائِفَ بَنِي آدَمَ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ وَأَجْنَاسِهِمْ، مِمَّنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا دَخَلَ النَّارَ" [كذا، والحديث في صحيح مسلم برقم (١٥٣) من حديث أبي هريرة، وإنما رواه بهذا السند الطبري في تفسيره (١٥/٢٨١) وأحمد في مسنده (٤/٣٩٦) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/٢٦١) .] .
وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ لَا أَسْمَعُ بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا وَجَدْتُ مِصْدَاقَهُ -أَوْ قَالَ: تَصْدِيقَهُ -فِي الْقُرْآنِ، فَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، فَلَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا دَخَلَ النَّارَ". فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَيْنَ مِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَقَلَّمَا سَمِعْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَجَدْتُ لَهُ تَصْدِيقًا فِي الْقُرْآنِ، حَتَّى وَجَدْتُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ قَالَ: "مِنَ الْمِلَلِ كُلِّهَا" [رواه الطبري في تفسيره (١٥/٢٨٠) .] .
قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أَيِ: الْقُرْآنُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ، لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الم تَنزيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السَّجْدَةِ:١، ٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [هُدًى لِلْمُتَّقِينَ] ﴾ [الْبَقَرَةِ:١، ٢] [زيادة من ت، أ.] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الْأَنْعَامِ:١١٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سَبَأٍ: ٢٠] .
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن يكفر بهذا القرآن، فيجحد أنه من عند الله = ﴿من الأحزاب﴾ وهم المتحزّبة على مللهم [انظر تفسير " الحزب " فيما سلف ١: ٢٤٤ / ١٠: ٤٢٨.] = ﴿فالنار موعده﴾ ، أنه يصير إليها في الآخرة بتكذيبه. يقول الله لنبيه محمد ﷺ: ﴿فلا تك في مرية منه﴾ ، يقول: فلا تك في شك منه، [انظر تفسير " المرية " فيما سلف من فهارس اللغة (مري) .] من أن موعدَ من كفر بالقرآن من الأحزاب النارُ، وأن هذا القرآن الذي أنزلناه إليك من عند الله.
ثم ابتدأ جل ثناؤه الخبر عن القرآن فقال: إن هذا القرآن الذي أنزلناه إليك، يا محمد، الحقّ من ربك لا شك فيه، ولكنّ أكثر الناس لا يصدِّقون بأن ذلك كذلك.
* *
فإن قال قائل: أوَ كان النبي ﷺ في شكٍّ من أن القرآن من عند الله، وأنه حق، حتى قيل له: "فلا تك في مرية منه"؟
قيل: هذا نظير قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ﴾ [سورة يونس: ٩٤] ، وقد بينا ذلك هنالك. [انظر ما سلف قريبًا ص: ٢٠٠ - ٢٠٣.]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٠٧٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب قال: نبئت أن سعيد بن جبير قال: ما بلغني حديثٌ عن رسول الله ﷺ، على وَجهه إلا وجدت مصداقَه في كتاب الله تعالى، حتى قال "لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة، ولا يهودي ولا نصرانيّ، ثم لا يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار". قال سعيد، فقلت: أين هذا في كتاب الله؟ حتى أتيت على هذه الآية: ﴿ومن قبله كتاب موسى إمامًا ورحمةً أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾ ، قال: من أهل الملل كُلّها.
١٨٠٧٤- حدثنا محمد بن عبد الله المخرّمي، وابن وكيع قالا حدثنا جعفر بن عون قال، حدثنا سفيان، عن أيوب، عن سعيد بن جبير في قوله: (ومن يكفُر به من الأحزاب) ، قال: من الملل كلها.
١٨٠٧٥- حدثني يعقوب، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير قال: كنت لا أسمع بحديث عن رسول الله ﷺ على وَجهه، إلا وجدت مصداقه = أو قال تصديقه = في القرآن، فبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، ولا يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار"، فجعلت أقول: أين مصداقُها؟ حتى أتيت على هذه: ﴿أفمن كان على بينة من ربه﴾ ، إلى قوله: ﴿فالنار موعده﴾ ، قال: فالأحزاب، الملل كلها.
١٨٠٧٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، حدثني أيوب، عن سعيد بن جبير قال، قال رسول الله ﷺ: "ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة، ولا يهودي ولا نصراني، فلا يؤمن بي إلا دخل النار"، فجعلت أقول: أين مصداقها في كتاب الله؟ قال: وقلَّما سمعت حديثًا عن النبي ﷺ إلا وجدتُ له تصديقًا في القرآن، حتى وجدت هذه الآيات: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾ ، الملل كلها. [الآثار: ١٨٠٧٣ - ١٨٠٧٧ - هذه الآثار عن سعيد بن جبير، والتي روى فيها الخبر مرسلا، رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٤٢، موصولا مرفوعًا من حديث ابن عباس. وذلك من طريق عبد الرازق، عن معمر، عن أبي عمرو البصري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقال الحاكم " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي. وانظر حديث أبي هريرة، في صحيح مسلم ٢: ١٨٦، وما سيأتي من حديث أبي موسى رقم: ١٨٠٧٩.]
١٨٠٧٧-. . .. قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾ ، قال: الكفارُ أحزابٌ كلهم على الكفر.
١٨٠٧٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ ، [سورة الرعد: ٣٦] ، أي: يكفر ببعضه، وهم اليهود والنصارى. قال: بلغنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: "لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، ولا يهودي ولا نصراني، ثم يموت قبل أن يؤمن بي، إلا دخل النار".
١٨٠٧٩- حدثني المثنى قال، حدثنا يوسف بن عدي النضري قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني، فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة. [الأثر: ١٨٠٧٩ - " يوسف بن عدي النصري "، هكذا في المخطوطة غير منقوط، وفي المطبوعة: " النضري " ولا أدري من أين أتى بإعجامه هذا. والذي مر بنا في الخبر رقم: ١٠٣٠٩، رواية المثنى، عن يوسف بن عدي، عن ابن المبارك " وظننت هناك أنه: " يوسف بن عدي بن رزيق التيمي "، فلا أدري ما هذه النسبة التي هنا، إلا أني أظن أنها " المصري "، لأن " يوسف بن عدي "، وإن يكن كوفيًا، إلا أنه سكن مصر، ومات بها سنة ٢٣٢.وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٤: ٣٩٦، عن طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي بشر، بهذا اللفظ. ومثله ٤: ٣٩٨، من طريق عفان، عن شعبة.وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٨: ٢٦١، ٢٦٢، مطولا، وفيه من قول أبي موسى الأشعري: " فقلت: ما قال رسول الله ﷺ، إلا في كتاب الله عز وجل، فقرأت فوجدت: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾ ، فهذا نحو ما قاله سعيد بن جبير في الآثار السالفة. وقال الهيثمي بعد: " رواه الطبراني، واللفظ له، وأحمد بنحوه في الروايتين، ورجال أحمد رجال الصحيح، والبزار أيضًا باختصار".]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيْ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ فِي اتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ مِنَ الْفَضْلِ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ كَغَيْرِهِ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا؟! عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنَّ الَّذِي عَلَى بينة هو [من ع.] من اتبع النبي محمد [من ع.] ﷺ.
(وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ" النَّبِيُّ ﷺ وَالْكَلَامُ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، أَيْ أَفَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ، وَمُعْجِزَةٌ كَالْقُرْآنِ، وَمَعَهُ شَاهِدٌ كَجِبْرِيلَ- عَلَى مَا يَأْتِي- وَقَدْ بَشَّرَتْ بِهِ الْكُتُبُ السَّالِفَةُ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِالْإِبْلَاغِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يسلمه. والهاء في "رَبِّهِ" تعود عليه، وقوله: "وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ". وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ. وَالْهَاءُ فِي "مِنْهُ" لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَيْ وَيَتْلُو الْبَيَانَ وَالْبُرْهَانَ شَاهِدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الشَّاهِدُ مَلَكٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَحْفَظُهُ وَيُسَدِّدُهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ: الشَّاهِدُ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قال محمد بن علي بن الْحَنَفِيَّةِ: قُلْتُ لِأَبِي أَنْتَ الشَّاهِدُ؟ فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، وَلَكِنَّهُ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقِيلَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا وَقَدْ أُنْزِلَتْ فِيهِ الْآيَةُ وَالْآيَتَانِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَيُّ شي نَزَلَ فِيكَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: "وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ". وَقِيلَ: الشَّاهِدُ صُورَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَجْهُهُ وَمَخَائِلُهُ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ له فضل وعقل فنظر إلى النَّبِيِّ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَالْهَاءُ عَلَى هَذَا تَرْجِعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، عَلَى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: الشَّاهِدُ الْقُرْآنُ فِي نَظْمِهِ وَبَلَاغَتِهِ، وَالْمَعَانِي الكثيرة منه في اللفظ الواحد، قال الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ، فَالْهَاءُ فِي "مِنْهُ" لِلْقُرْآنِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ قَالَ بَعْضُهُمْ: "وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ" الْإِنْجِيلُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَهُوَ يَتْلُو الْقُرْآنَ فِي التَّصْدِيقِ، وَالْهَاءُ فِي "مِنْهُ" لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقِيلَ: الْبَيِّنَةُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ الَّتِي أَشْرَقَتْ لَهَا الْقُلُوبُ، وَالشَّاهِدُ الَّذِي يَتْلُوهُ الْعَقْلُ الَّذِي رُكِّبَ فِي دِمَاغِهِ وَأَشْرَقَ صَدْرُهُ بِنُورِهِ (وَمِنْ قَبْلِهِ) أَيْ مِنْ قَبْلِ الْإِنْجِيلِ.
(كِتابُ مُوسى) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: وَالْمَعْنَى وَيَتْلُوهُ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَوْصُوفٌ فِي كِتَابِ مُوسَى ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [راجع ج ٧ ص ٢٩٧] [الأعراف: ١٥٧] وَحَكَى أَبُو حَاتِمٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَ "وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى " بِالنَّصْبِ، وَحَكَاهَا الْمَهْدَوِيُّ عَنِ الْكَلْبِيِّ، يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى الْهَاءِ فِي "يَتْلُوهُ" وَالْمَعْنَى: وَيَتْلُو كِتَابَ مُوسَى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، الْمَعْنَى مِنْ قَبْلِهِ تَلَا جِبْرِيلُ كِتَابَ مُوسَى عَلَى مُوسَى. وَيَجُوزُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُرْفَعَ "كِتابُ" عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى كَذَلِكَ، أَيْ تَلَاهُ جِبْرِيلُ عَلَى مُوسَى كَمَا تَلَا الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ.
(إِماماً) نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ.
(وَرَحْمَةً) مَعْطُوفٌ.
(أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) إِشَارَةٌ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَيْ يُؤْمِنُونَ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْبِشَارَةِ بِكَ، وَإِنَّمَا كَفَرَ بِكَ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ فَهُمُ الَّذِينَ موعدهم النار، حكاه القشيري. والهاء في "رَبِّهِ" يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْقُرْآنِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
(وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) أي بالقرآن أو بالنبي أعليه السَّلَامُ.
(مِنَ الْأَحْزابِ) يَعْنِي مِنَ الْمِلَلِ كُلِّهَا، عَنْ قَتَادَةَ، وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "الْأَحْزابِ" أَهْلُ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُمْ يَتَحَازَبُونَ. وَقِيلَ: قُرَيْشٌ وَحُلَفَاؤُهُمْ.
(فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) أَيْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَأَنْشَدَ حَسَّانُ:
أُورِدْتُمُوهَا حِيَاضَ الْمَوْتِ ضاحية ... فالنار موعدها والموت لاقيها
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي يُونُسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:" وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ [ثُمَّ يَمُوتُ [زيادة عن صحيح مسلم.] ] وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ.
(فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ) أَيْ فِي شَكٍّ.
(مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْقُرْآنِ.
(إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أَيِ الْقُرْآنُ مِنَ اللَّهِ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْمَعْنَى فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ فِي أَنَّ الْكَافِرَ فِي النَّارِ. إِنَّهُ الْحَقُّ أَيِ الْقَوْلُ الْحَقُّ الْكَائِنُ، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ جميع المكلفين.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 16 إلى 17 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 16.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ [أَيْ: فِي الدُّنْيَا] [زيادة من "ب".] ﴿وَبَاطِلٌ﴾﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ [في "ب": (المعنى بهذه الآية) .] قَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ أَهْلُ الرِّيَاءِ. وَرُوِّينَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: "الرِّيَاءُ" [أخرجه الإمام أحمد في المسند: ٥ / ٤٢٨-٤٢٩، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٢٤. قال الهيثمي في المجمع: ١ / ١٠٢: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح" وقال المنذري في الترغيب والترهيب: ١ / ٦٩: "رواه أحمد بإسناد جيد، وابن أبي الدنيا والبيقي في الزهد وغيره" ثم قال: "وقد رواه الطبراني بإسناد جيد عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج. وقيل: إن حديث محمود هو الصواب دون ذكر رافع بن خديج فيه. والله أعلم". وانظر: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص (٤٦) .] .
قِيلَ: هَذَا فِي الْكُفَّارِ [انظر: الطبري: ١٥ / ٢٦٥.] ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ: فَيُرِيدُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَإِرَادَتُهُ الْآخِرَةَ غَالِبَةٌ فَيُجَازَى بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيُثَابُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ.
وَرُوِّينَا عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بِهَا خَيْرًا" [أخرجه مسلم في صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة برقم (٢٨٠٨) : ٤ / ٢١٦١، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣١٠.] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ بَيَانٍ، ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ قِيلَ: فِي الْآيَةِ حَذَفٌ، وَمَعْنَاهُ: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، أَوْ مَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ هُوَ فِي الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ، وَالْمُرَادُ بِالَّذِي هُوَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ: النَّبِيُّ ﷺ.
﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ أَيْ: يَتْبَعُهُ مَنْ يَشْهَدُ بِهِ بِصِدْقِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الشَّاهِدِ [انظر هذه الأقوال الآتية في: الطبري: ١٥ / ٢٧٠-٢٧٦.] فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَلْقَمَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إِنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: هُوَ لِسَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُوَ مَلَكٌ يَحْفَظُهُ وَيُسَدِّدُهُ.
وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: هُوَ الْقُرْآنُ وَنَظْمُهُ وَإِعْجَازُهُ.
وَقِيلَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ عَلِيٌّ: مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا وَقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَأَنْتَ أَيُّ شَيْءٍ نَزَلَ فِيكَ؟ قَالَ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [أخرجه الطبري بسند فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، وكان رافضيا من أتباع عبد الله بن سبأ، وكذلك ضعّف هذا القول ابن كثير في التفسير: ٢ / ٤٤١ وقال: "هو ضعيف لا يثبت له قائل".] .
وَقِيلَ: شَاهِدٌ مِنْهُ هُوَ الْإِنْجِيلُ [ورجح الطبري رحمه الله أن أولى الأقوال في تأويل قوله تعالى: "ويتلوه شاهد منه" هو قول من قال: "هو جبريل" لدلالة قوله: "ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة" على صحة ذلك. التفسير: ١٥ / ٢٧٦. وقال ابن كثير رحمه الله: " هو ما أوحاه الله إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة المختتمة بشريعة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو العالية والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وغير واحد في قوله تعالى: "ويتلوه شاهد منه": إنه جبريل عليه السلام وعن علي رضي الله عنه والحسن وقتادة هو محمد ﷺ. وكلاهما قريب في المعنى لأن كلا من جبريل ومحمد صلوات الله عليهما بلَّغ رسالة الله تعالى، فجبريل إلى محمد، ومحمد إلى الأمة" التفسير: ٢ / ٤٤١.] .
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ أَيْ: وَمِنْ قَبْلِ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقِيلَ: مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْقُرْآنِ.
﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ أَيْ: كَانَ كِتَابُ مُوسَى، ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ لِمَنِ اتَّبَعَهَا، يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، وَهِيَ مُصَدِّقَةٌ لِلْقُرْآنِ، شَاهِدَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي: أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقِيلَ: أَرَادَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ أَيْ: بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وَقِيلَ: بِالْقُرْآنِ، ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ كُلِّهَا، ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ .
أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَا يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ" [أخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة، بلفظ " ... من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ... " كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ، برقم (١٥٣) : ١ / ١٣٤، والمصنف باللفظ أعلاه، شرح السنة: ١ / ١٠٤ وهو كذلك عند أبي عوانة: ١ / ١٠٤ والإمام أحمد في المسند برقم (٨١٨٨) طبعة الحلبي، وهمام بن منبه في الصحيفة برقم (٩١) ص (٤٠٩) . والمراد بالأمة في هذا الحديث: كل من أُرسل إليه محمد ﷺ ولزمته حجته، سواء صدقه أو لم يصدقه. وعلى هذا يتناول اللفظ جميع أمة الدعوة، من هو موجود في زمنه ﷺ، ومن يتجدد وجوده بعده إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته ﷺ. وقوله: ولا يهودي ولا نصراني: من عطف الخاص على العام، وإنما ذكر تنبيها على من سواهما ... وقال القرطبي: إذا كانت الرواية من غير عطف "يهودي" و"نصراني" فهما بدل من الأمة. أما بالعطف -كما في رواية البغوي هنا- فلا يدخل اليهودي ولا النصراني في الأمة المذكورة. وقال العراقي: ويحتمل أن يراد بهذه الأمة: العرب الذين هم عبدة الأوثان، وحينئذ فعطف اليهودي والنصراني على بابه، لعدم دخولهما فيما تقدم، وقوله في روايتنا: "ولا يهودي ولا نصراني" يوافق ذلك. انظر: صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه، بتحقيق وشرح الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب ص (٤٠٩-٤١٠) والمراجع مشار إليها.] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ أَيْ: فِي شَكٍّ مِنْهُ، ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
وبعد أن بين - سبحانه - حال الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها ، أتبع ذلك بيان حال الذين يريدون الحق والصواب فيما يفعلون ويتركون فقال - تعالى - :( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ . . . ) .قال صاحب المنار ما ملخصه : البينة ما تبين به الحق من كل شئ بحسبه كالبرهان فى العقليات والنصوص فى النقليات ، والخوارق فى الإِلهيات ، والتجارب فى الحسيات ، والشهادات فى القضائيات ، والاستقراء فى إثبات الكليات ، وقد نطق القرآن بأن الرسل قد جاءوا أقوامهم بالبينات وأن كل نبى منهم كان يحتج على قومه بأنه على بينة من ربه وأنه جاءهم ببينة من ربهم ، كما ترى فى قصصهم فى هذه السورة وفى غيرها . .وقوله : ( وَيَتْلُوهُ . . . ) من التلو بمعنى الاقتفاء والاتباع . يقال : تلا فلان فلانا إذا كان تابعا له ومقتفيا أثره . والمراد به هنا : التأييد والتقوية .وللمفسرين أقوال متعددة فى المقصود بقوله - تعالى - ( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) وبقوله - سبحانه - ( وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ) .وفى مرجع الضمائر فى قوله " ربه - ويتلوه - ومنه " . . .وأقرب هذه الأقوال إلى الصواب أن يكون المقصود بقوله - تعالى - ( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) الرسول - ﷺ - وأتباعه المؤمنون .وبقوله تعالى - ( وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ) القرآن الكريم الذى أنزله الله - تعالى - على نبيه - ﷺ - ليكون معجزة له شاهدة بصدقه .والضمير فى قوله من ربه يعود إلى النبى - ﷺ - وفى قوله ( وَيَتْلُوهُ ) يعود إلى القرآن الكريم ، وفى قوله ( منه ) يعود إلى الله - تعالى - .وعلى هذا القول يكون المعنى : أفمن كان على حجة واضحة من عند ربه تهديه إلى الحق والصواب فى كل أقواله وأفعاله ، وهو هذا الرسول الكريم وأتباعه ويؤيده ويقويه فى دعوته شاهد من ربه هو هذا القرآن الكريم المعجز لسائر البشر . .أفمن كان هذا شأنه كمن ليس كذلك؟أو أفمن كان هذا شأنه كمن استحوذ عليه الشيطان فجعله لا يريد إلا الحياة الدنيا وزينتها؟ كلا إنهما لا يستويان .وشهادة القرآن الكريم بصدق الرسول - ﷺ - فى دعوته ، تتجلى فى إعجازه ، فقد تحدى النبى - ﷺ - أعداءه أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا مع فصاحتهم وبلاغتهم ، فثبت بذلك أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .وإنما جعلنا هذا القول أقرب الأقوال إلى الصواب ، لأنه هو الذى يتسق مع ما يفيده ظاهر الآية الكريمة ، ولأننا عندما نقرأ هذه السورة الكريمة وغيرها ، نجد الرسل الكرام كثيرا ما يؤكدون لأقوامهم - أنهم - أى الرسل على بينة من ربهم .فهذا نوح - عليه السلام - يقول لقومه : ( قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ )وهذا صالح - عليه السلام - يقول لقومه : ( قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِنْ عَصَيْتُهُ . . . ) وهذا شعيب - عليه السلام - يقول لقومه : ( قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً . . . ) وهكذا نجد كل نبى يؤكد لقومه أنه جاءهم على بينة من ربه وما دام الأمر كذلك فسيدنا رسول الله - ﷺ - هو أفضل من جاء قومه على بينة من ربه ، والمؤمنون به - ﷺ - يقتدون به فى ذلك .ويرى بعضهم أن المراد بالبينة القرآن الكريم ، وبالشاهد إعجازه ، وبالموصول مؤمنوا أهل الكتاب ، وأن الضمير فى قوله " ويتلوه - ومنه " يعودان إلى القرآن الكريم وإعجازه .وعلى هذا الرأى يكون المعنى : أفمن كان على برهان جلى من ربه يدل على حقية الإِسلام وهو القرآن ، ويؤيده ويقويه - أى القرآن - شاهد منه على كونه من عند الله وهذا الشاهد هو إعجازه للبشر عن أن يأتوا بسورة من مثله .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) : أصل البينة الدالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة ، وتطلق على الدليل مطلقا . . والتنوين فيها للتعظيم ، أى : بينة عظيمة الشأن والمراد بها القرآن ، وباعتبار ذلك أو البرهان جاء الضمير الراجع إليها فى قوله ( وَيَتْلُوهُ ) أى يتبعه ( شَاهِدٌ ) عظيم يشهد بكونه من عند الله وهو إعجازه . .ومعنى كون ذلك الشاهد تابعا له : أنه وصف له لا ينفك عنه . . وكذا الضمير فى " منه " - يعود إلى القرآن - وهو متعلق بمحذوف وقع صفته لشاهد ومعنى كونه منه أنه غير خارج عنه . .ومن المفسرين من يرى أن المراد بالبينة القرآن الكريم - أيضا - ويرى أن المراد بالشاهد جبريل - عليه السلام - وأن قوله - سبحانه - ( وَيَتْلُوهُ ) من التلاوة بمعنى القراءة لا من التَّلْوِ بمعنى الاتباع .وعلى هذا الرأى يكون المعنى : أفمن كان على برهان جلى من ربه يدل على حقية الإِسلام وهو القرآن ويتلوا هذا القرآن على الرسول - ﷺ - شاهد من الله - تعالى - هو جبريل - عليه السلام - .فالضمير فى ( وَيَتْلُوهُ ) على هذا الرأى يعود إلى جبريل - عليه السلام - وفى " منه " يعود على الله تعالى - .وهناك أقوال أخرى فى تفسير الآية الكريمة رأينا من الخير أن نضرب عنها صفحا لضعفها .وقوله ( وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَاماً وَرَحْمَةً ) دليل آخر على صدق النبى - ﷺ - فى دعوته . وهو معطوف على شاهد والضمير فى قوله ( وَمِن قَبْلِهِ .. . ) يعود على شاهد - أيضا - .وقوله ( إِمَاماً وَرَحْمَةً ) منصوبان على الحالية من قوله ( كِتَابُ ) .والمعنى ومن قبل هذا الشاهد على صدق الرسول - ﷺ - وهو القرآن الكريم أنزل الله - تعالى - على موسى كتابه التوراة مشتملا على صفات الرسول - ﷺ - و ( إِمَاماً ) يؤتم به فى أمور الدين والدنيا ورحمة لبنى إسرائيل من العذاب إذا ما آمنوا به واتبعوا تعاليمه .قال الشوكانى : وإنما قدم الشاهد على كتاب موسى مع كونه متأخرا فى الوجود لكونه - أى الشاهد بمعنى المعجز - وصفا لازما غير مفارق ، فكان أغرق فى الوصفية من كتاب موسى .وهى شهادة كتاب موسى وهو التوراة أنه بشر بمحمد - ﷺ - وأخبر بأنه رسول من الله - تعالى - .واسم الإِشارة فى قوله ( أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ ) يعود إلى الموصوفين بأنهم على بينة من ربهم وهم النبى - ﷺ - وأتباعه المؤمنون الصادقون .أى : أولئك الموصوفون بأنهم على بينة من ربهم يؤمنون بأن الإسلام هو الدين الحق ، وبأن رسول الله - ﷺ - رسول صدق وبأن القرآن من عند الله - تعالى - وحده .فالضمير فى قوله ( به ) يعود على كل ما جاء به الرسول - ﷺ - من عند ربه ويدخل فى ذلك دخولا أوليا القرآن الكريم .وقوله : ( وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب فالنار مَوْعِدُهُ ) بيان لسوء عاقبة الكافرين بما جاء به الرسول - ﷺ - بعد بيان حسن عاقبة المؤمنين به .والأحزاب جمع حزب وهم الذين تخربوا وتجمعو من أهل مكة وغيرهم لمحاربة الرسول - ﷺ - ودعوته .أى : ومن يكفر بهذا القرآن وبما جاء به الرسول - ﷺ - من هدايات فإن نار جهنم هى المكان الذى ينتظره وينتظر كل متحزب ضد دعوته - ﷺ - .وفى جعل النار موعدا لهذا الكافر بالقرآن إشعار بأن فيها ما لا يحيط به الوصف من ألوان العذاب الذى يجعله لا يموت فيها ولا يحيا .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالحض على النظر الصحيح الذى يؤدى إلى اليقين بن ما جاء به الرسول - ﷺ - هو الحق الذى لا يشو به باطل فقال - تعالى - : ( فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ ) .أى : فلا تك - أيها العاقل - فى شك من أن هذا القرآن من عند الله ومن أن ما جاء به الرسول - ﷺ - هو الصدق ، بل عليك أن تعتقد اعتقادا جازما فى صحة ذلك ، لأن ما جاء به - ﷺ - هو الحق الثابت من عند ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بذلك لا نطماس بصائرهم ، ولتقليدهم لآبائهم ، ولإِيثارهم الغى على الرشد .وبذلك نرى الآية الكريمة قد ميزت بين من كان على الحق ومن كان على الباطل وساقت حشودا من الأدلة الدالة على صدق الرسول - ﷺ - فى دعوته ، وعلى صحة ما عليه أتباعه ، وأمرتهم بالثبات على الحق الذى آمنوا به ، وتوعدت المتحزبين ضد دعوة الإِسلام بنار جهنم التى هى بئس القرار .هذا ، وهذه الآية الكريمة هى من الآيات التى قيل بأنها مدنية ، وبمراجعتنا لتفسيرها لم نجد ما يؤيد ذلك ، بل الذى نراه أن السورة كلها مكية كما سبق أن أشرنا إلى ذلك فى المقدمة .