مقارنة التفاسير
يوسف · الآية 40
مَا مِن إِلَّآ مَّآ ٱللَّهُ بِهَا مِن إِنِ إِلَّا أَلَّا إِلَّآ ذَٰلِكَ لَا ﴿٤٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
يوسف · الآية 40
مَا مِن إِلَّآ مَّآ ٱللَّهُ بِهَا مِن إِنِ إِلَّا أَلَّا إِلَّآ ذَٰلِكَ لَا ﴿٤٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ما تعبدون من دون الله إلا أسماءً لا معاني وراءها، جعلتموها أنتم وآباؤكم أربابًا جهلًا منكم وضلالًا، ما أنزل الله من حجة أو برهان على صحتها، ما الحكم الحق إلا لله تعالى وحده، لا شريك له، أمر ألا تنقادوا ولا تخضعوا لغيره، وأن تعبدوه وحده، وهذا هو الدين القيم الذي لا عوج فيه، ولكن أكثر الناس يجهلون ذلك، فلا يعلمون حقيقته.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ أي: كسوتموها أسماء، سميتموها آلهة، وهي لا شيء، ولا فيها من صفات الألوهية شيء، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ بل أنزل الله السلطان بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها، وإذا لم ينزل الله بها سلطانا، لم يكن طريق ولا وسيلة ولا دليل لها. لأن الحكم لله وحده، فهو الذي يأمر وينهى، ويشرع الشرائع، ويسن الأحكام، وهو الذي أمركم ﴿أن لا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: المستقيم الموصل إلى كل خير، وما سواه من الأديان، فإنها غير مستقيمة، بل معوجة توصل إلى كل شر. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ حقائق الأشياء، وإلا فإن الفرق بين عبادة الله وحده لا شريك له، وبين الشرك به، أظهر الأشياء وأبينها. ولكن لعدم العلم من أكثر الناس بذلك، حصل منهم ما حصل من الشرك،.فيوسف عليه السلام دعا صاحبي السجن لعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، فيحتمل أنهما استجابا وانقادا، فتمت عليهما النعمة، ويحتمل أنهما لم يزالا على شركهما، فقامت عليهما -بذلك- الحجة، ثم إنه عليه السلام شرع يعبر رؤياهما، بعد ما وعدهما ذلك، فقال:
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 39 إلى 40 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 39.
ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَقْبَلَ عَلَى الْفَتَيَيْنِ بِالْمُخَاطَبَةِ، وَالدُّعَاءِ لَهُمَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَخَلْع مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ الَّتِي يَعْبُدُهَا قَوْمُهُمَا، فَقَالَ: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾
[أَيْ] [زيادة من ت، أ.] الَّذِي وَلِى [في ت، أ: "دل".] كُلَّ شَيْءٍ بِعزّ جَلَالِهِ، وَعَظَمَةِ [في ت، أ: "وعظيم".] سُلْطَانِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمَا أنَّ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا وَيُسَمُّونَهَا آلِهَةً، إِنَّمَا هُوَ جَهْلُ [في ت، أ: "جعل".] مِنْهُمْ، وَتَسْمِيَةٌ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، تَلَقَّاهَا خَلَفهم عَنْ سَلَفهم، وَلَيْسَ لِذَلِكَ مُسْتَنَدٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أَيْ: حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ.
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْحُكْمَ وَالتَّصَرُّفَ وَالْمَشِيئَةَ وَالْمُلْكَ كلَّه لِلَّهِ، وَقَدْ أَمَرَ عِبَادَهُ قَاطِبَةً أَلَّا يَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، ثُمَّ قَالَ: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوحيد اللَّهِ، وَإِخْلَاصِ الْعَمَلِ لَهُ، هُوَ الدِّينُ الْمُسْتَقِيمُ، الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وأَنْزَلَ بِهِ الْحُجَّةَ وَالْبُرْهَانَ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: فَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ. ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠٣] .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّمَا عَدَلَ بِهِمْ يُوسُفُ عَنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا إِلَى هَذَا، لِأَنَّهُ عَرَف أَنَّهَا ضَارَّةٌ لِأَحَدِهِمَا، فَأَحَبَّ أَنْ يَشْغَلَهُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، لِئَلَّا يُعَاوِدُوهُ فِيهَا، فَعَاوَدُوهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهِمُ الْمَوْعِظَةَ. [تفسير الطبري (١٦/١٠٢) .]
وَفِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَعَدَهما أَوَّلًا بِتَعْبِيرِهَا [في أ: "بتعبيرهما".] وَلَكِنْ جَعَلَ سُؤَالَهُمَا لَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالِاحْتِرَامِ وُصْلة وَسَبَبًا إِلَى دُعَائِهِمَا إِلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِسْلَامِ، لِمَا رَأَى فِي سَجِيَّتِهِمَا مِنْ قَبُولِ الْخَيْرِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَالْإِنْصَاتِ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَمَّا فَرَغَ مِنْ دَعْوَتِهِمَا، شَرَعَ فِي تَعْبِيرِ رُؤْيَاهُمَا، مِنْ غَيْرِ تَكْرَارِ سؤال فقال:
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ﴿ما تعبدون من دونه﴾ ، ما تعبدون من دون الله.
وقال: ﴿ما تعبدون﴾ وقد ابتدأ الخطاب بخطاب اثنين فقال: ﴿يا صاحبي السجن﴾ لأنه قصد المخاطب به، ومن هو على الشرك بالله مقيمٌ من أهل مصر، فقال للمخاطَب بذلك: ما تعبد أنتَ ومن هو على مثل ما أنت عليه من عبادة الأوثان= ﴿إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾ ، وذلك تسميتهم أوثانهم آلهة أربابًا، شركًا منهم، وتشبيهًا لها في أسمائها التي سمَّوها بها بالله، تعالى عن أن يكون له مثل أو شبيه= ﴿ما أنزل الله بها من سلطان﴾ ، يقول: سموها بأسماء لم يأذن لهم بتسميتها، ولا وضع لهم على أن تلك الأسماء أسماؤها، دلالةً ولا حجةً، ولكنها اختلاق منهم لها وافتراء. [انظر تفسير" السلطان" فيما سلف ١٥: ٤٦٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]
* *
وقوله: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ ، يقول: وهو الذي أمر ألا تعبدوا أنتم وجميعُ خلقه، إلا الله الذي له الألوهة والعبادة خالصةً دون كل ما سواه من الأشياء، كما:-
١٩٢٩٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا أياه﴾ ، قال: أسَّسَ الدين على الإخلاص لله وحده لا شريك له.
* *
وقوله: ﴿ذلك الدين القيم﴾ ، يقول: هذا الذي دعوتكما إليه من البراءة من عبادة ما سوى الله من الأوثان، وأن تخلصا العبادة لله الواحد القهار، هو الدِّين القويم الذي لا اعوجاج فيه، والحقُّ الذي لا شك فيه [انظر تفسير" القيم" فيما سلف ١٤: ٢٣٧.] ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ ، يقول: ولكن أهل الشرك بالله يجهلون ذلك، فلا يعلمون حقيقته.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 39 إلى 40 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 39.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أَيْ يَا سَاكِنَيِ السِّجْنِ، وَذَكَرَ الصُّحْبَةَ لِطُولِ مَقَامِهِمَا فِيهِ، كقولك: أصحاب الجنة، وأصحاب النار.
(أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ) أَيْ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبْرِ وَالتَّوَسُّطِ، أَوْ مُتَفَرِّقُونَ فِي الْعَدَدِ.
(خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) وَقِيلَ: الْخِطَابُ لَهُمَا وَلِأَهْلِ السِّجْنِ، وَكَانَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أَصْنَامٌ يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ ذَلِكَ إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ، أَيْ آلِهَةٌ شَتَّى لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ. "خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ" الَّذِي قَهَرَ كُلَّ شي. نظيره: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [راجع ج ١٣ ص ٢١٩.] [النمل: ٥٩]. وَقِيلَ: أَشَارَ بِالتَّفَرُّقِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الْإِلَهُ لَتَفَرَّقُوا فِي الْإِرَادَةِ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا إِذَا تَفَرَّقَتْ لَمْ تَكُنْ آلِهَةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً﴾ بَيَّنَ عَجْزَ الْأَصْنَامِ وَضَعْفَهَا فَقَالَ: "مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ" أَيْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَّا ذَوَاتِ أَسْمَاءٍ لَا مَعَانِيَ لَهَا.
(سَمَّيْتُمُوها) مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمْ. وَقِيلَ: عَنَى بِالْأَسْمَاءِ الْمُسَمَّيَاتِ، أَيْ مَا تَعْبُدُونَ إِلَّا أَصْنَامًا لَيْسَ لها من الإلهية شي إِلَّا الِاسْمُ، لِأَنَّهَا جَمَادَاتٌ. وَقَالَ: "مَا تَعْبُدُونَ" وَقَدِ ابْتَدَأَ بِخِطَابِ الِاثْنَيْنِ، لِأَنَّهُ قَصَدَ جَمِيعَ مَنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمَا مِنَ الشِّرْكِ.
(إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ)
فَحَذَفَ، الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ لِلدَّلَالَةِ، وَالْمَعْنَى: سَمَّيْتُمُوهَا آلِهَةً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ.
(مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) ذَلِكَ فِي كِتَابٍ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: (مِنْ سُلْطانٍ) أَيْ مِنْ حُجَّةٍ.
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) الَّذِي هُوَ خَالِقُ الْكُلِّ.
(أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ).
(ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ). أَيِ الْقَوِيمُ.
(وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 40 إلى 42 معاً في نص واحد.
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَقَدِ ابْتَدَأَ الْخِطَابَ لِلِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ أَهْلِ السِّجْنِ، وَكُلَّ مَنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمَا مِنْ [أَهْلِ] [ساقط من "ب".] الشِّرْكِ، ﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ آلِهَةً وَأَرْبَابًا خَالِيَةً عَنِ الْمَعْنَى لَا حَقِيقَةَ لِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ، ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ مَا الْقَضَاءُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، ﴿إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ الْمُسْتَقِيمُ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ رُؤْيَاهُمَا فَقَالَ: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ .
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ وَهُوَ صَاحِبُ الشَّرَابِ، ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ [يَعْنِي الْمَلِكَ] [ما بين القوسين ساقط من "ب".] ﴿خَمْرًا﴾ وَالْعَنَاقِيدُ الثَّلَاثَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يَبْقَى فِي السِّجْنِ ثُمَّ يَدْعُوهُ الْمَلِكُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ [في "ب": ثلاثة.] أَيَّامٍ، وَيَرُدُّهُ إِلَى مَنْزِلَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ يَعْنِي: صَاحِبَ الطَّعَامِ فَيَدْعُوهُ الْمَلِكُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ، وَالسِّلَالُ الثَّلَاثُ الثَّلَاثَةُ [في "ب": ثلاثة.] أَيَّامٍ يَبْقَى فِي السِّجْنِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ، ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ .
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمَّا سَمِعَا قَوْلَ يُوسُفَ قَالَا مَا رَأَيْنَا شَيْئًا إِنَّمَا كُنَّا نَلْعَبُ، قَالَ يُوسُفُ: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [عزاه السيوطي في الدر المنثور: (٤ / ٥٤٠) لابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.] ، أَيْ: فُرِغَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي عَنْهُ تَسْأَلَانِ، وَوَجَبَ حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْكُمَا الَّذِي أَخْبَرْتُكُمَا بِهِ، رَأَيْتُمَا أَوْ لَمْ تَرَيَا.
﴿وَقَالَ﴾ يَعْنِي: يُوسُفَ عِنْدَ ذَلِكَ، ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ عَلِمَ ﴿أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ وَهُوَ السَّاقِي، ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي: سَيِّدَكَ الْمَلِكَ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ فِي السِّجْنِ غُلَامًا مَحْبُوسًا ظُلْمًا طَالَ حَبْسُهُ.
﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ قِيلَ: أَنْسَى الشَّيْطَانُ السَّاقِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ، تَقْدِيرُهُ: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَهُ لِرَبِّهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنْسَى الشَّيْطَانُ يُوسُفَ ذِكْرَ رَبِّهِ حِينَ ابْتَغَى الْفَرَجَ، مِنْ غَيْرِهِ وَاسْتَعَانَ بِمَخْلُوقٍ، وَتِلْكَ غَفْلَةٌ عَرَضَتْ لِيُوسُفَ مِنَ الشَّيْطَانِ [رجح أبو حيان أن الضمير عائد على الساقي، وهو القول الأول، وهو أيضا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية من وجوه عديدة، فقال: " ... بل الشيطان أنسى الذي نجا منهما ذكر ربه، وهذا هو الصواب، فإنه مطابق لقوله: "اذكرني عند ربك" قال تعالى: "فأنساه الشيطان ذكر ربه"، والضمير يعود إلى القريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك، ولأن يوسف لم ينس ذكر ربه، بل كان ذاكرًا لربه ... ثم قال بعد وجوه عديدة: فتبين أن قوله "فأنساه الشيطان ذكر ربه" أي: أنسى الفتى ذكر ربه، أن يذكر هذا لربه، ونسي ذكر يوسف ربه، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول، ويوسف قد ذكر ربه ونسي الفتى ذكر يوسف ربه، وأنساه الشيطان أن يذكر ربه هذا الذكر الخاص، فإنه وإن كان يسقي ربه خمرا فقد لا يخطر هذا الذكر بقلبه، وأنساه الشيطان تذكير ربه، وإذكار ربه لما قال: "اذكرني" أمره بإذكار ربه فأنساه الشيطان إذكار ربه. فإذكار ربه أن يجعله ذاكرا فأنساه الشيطان أن يجعل ربه ذاكرا ليوسف، والذكر هو مصدر، وهو اسم فقد يضاف من جهة كونه اسما، فيعم هذا كله، أي: أنساه الذكر المتعلق بربه، والمضاف إليه". ومما يبين أن الذي نسي ربه هو الفتى لا يوسف قوله بعد ذلك: "وقال الذي نجا منهما، وادكر بعد أمة، أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون"، وقوله: "وادكر بعد أمة" دليل على أنه نسي فادكر. انظر: دقائق التفسير لابن تيمية: ٣ / ٢٥٩-٢٦٣، وراجع البحر المحيط لأبي حيان: ٥ / ٣١١-٣١٢.] .
﴿فَلَبِثَ﴾ فَمَكَثَ، ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْبِضْعِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى السَّبْعِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا دُونُ الْعَشَرَةِ.
وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْبِضْعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ سَبْعُ سِنِينَ، وَكَانَ قَدْ لَبِثَ قَبْلَهُ خَمْسَ سِنِينَ فَجُمْلَتُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقَالَ وَهْبٌ: أَصَابَ أَيُّوبَ الْبَلَاءُ سَبْعَ سِنِينَ، وَتُرِكَ يُوسُفُ فِي السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ، وَعُذِّبَ بُخْتَنَصَّرُ فَحُوِّلَ فِي السِّبَاعِ سَبْعَ سِنِينَ [قال الطبري في التفسير: (١٦ / ١١٥) : "والصواب في البضع" من الثلاث إلى التسع، إلى العشر، ولا يكون دون الثلاث. وكذلك ما زاد على العقد إلى المائة، وما زاد على المائة فلا يكون فيه "بضع".] .
قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: لَمَّا قَالَ يُوسُفُ لِلسَّاقِي اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، قِيلَ لَهُ: يَا يُوسُفُ اتَّخَذْتَ مِنْ دُونِي وَكِيلًا لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ، فَبَكَى يُوسُفُ، وَقَالَ: يَا رَبِّ أَنْسَى قَلْبِي كَثْرَةُ الْبَلْوَى فَقُلْتُ كَلِمَةً وَلَنْ أَعُودَ [أخرجه الطبري في التفسير: ١٦ / ١١١.] .
وَقَالَ الْحَسَنُ: دَخَلَ جِبْرِيلُ عَلَى يُوسُفَ فِي السِّجْنِ، فَلَمَّا رَآهُ يُوسُفُ عَرَفَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَخَا الْمُنْذِرِينَ مَالِي أَرَاكَ بَيْنَ الْخَاطِئِينَ؟ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا طَاهِرَ الطَّاهِرِينَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَيَقُولُ لَكَ: أَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنِّي أَنِ اسْتَشْفَعْتَ بِالْآدَمِيِّينَ، فَوَعِزَّتِي لَأُلْبِثَنَّكَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، قَالَ يُوسُفُ: وَهُوَ فِي ذَلِكَ عَنِّي رَاضٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إذًا لَا أُبَالِي.
وَقَالَ كَعْبٌ: قَالَ جِبْرِيلُ لِيُوسُفَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ مَنْ خَلَقَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ حَبَّبَكَ إِلَى أَبِيكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ نَجَّاكَ مِنْ كَرْبِ الْبِئْرِ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ عَلَّمَكَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ صَرْفَ عَنْكَ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَكَيْفَ اسْتَشْفَعَتْ بِآدَمِيٍّ مِثْلِكَ؟ [هذه الروايات عن الحسن ووهب ومالك بن دينار من الإسرائيليات، وهي بجملتها تعني أن يوسف عليه السلام لبث في السجن بضع سنين بسبب استشفاعه أو طلبه من الذي علم أنه ناج أن يذكره عند ربه، وكان الأولى أن يتوكل على الله ولا يقول اذكرني عند ربك، فلما نسي أن يتوكل على ربه جوزي بلبثه في السجن بضع سنين. وقد رَدَّ ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في "دقائق التفسير": (٣ / ٢٦١) : "ليس في قوله: (اذكرني عند ربك) ما يناقض التوكل، بل قد قال يوسف: (إن الحكم إلا لله) كما أن قول أبيه: (لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) لم يناقض توكله؛ بل قال: (وما أغني عنكم من الله من شيء، إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون) . وأيضا: فيوسف قد شهد الله له أنه من عباده المخلصين، والمخلص لا يكون مخلصا مع توكله على غير الله، فإن ذلك شرك، ويوسف لم يكن مشركا، لا في عبادته ولا في توكله، بل قد توكل على ربه في فعل نفسه بقوله: (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) ، فكيف لا يتوكل عليه في أفعال عباده؟! وقوله: (اذكرني عند ربك) مثل قوله لربه (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية لم يكن هذا مناقضا للتوكل، ولا هو من سؤال الإمارة المنهي عنه. فكيف يكون قوله للفتى: (اذكرني....) مناقضا للتوكل، وليس فيه إلا مجرد إخبار الملك به، ليعلم حاله ليتبين الحق، ويوسف كان من أثبت الناس. ولهذا بعد أن طلب (وقال الملك ائتوني به) قال: (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم) فيوسف يذكر ربه في هذه الحال، كما ذكره في تلك ... فلم يكن في قوله له: (اذكرني ... ) ترك لواجب، ولا فعل لمحرم، حتى يعاقبه الله على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين. وكان القوم قد عزموا على حبسه إلى حين قبل هذا، ظلما له، مع علمهم ببراءته من الذنب، ولبثه في السجن كان كرامة من الله في حقه ليتم بذلك صبره وتقواه، فإنه بالصبر والتقوى نال ما نال". وانظر: "الإسرائيليات والموضوعات" ص (٣٢٠-٣٢١) .] .
فَلَمَّا انْقَضَتْ سَبْعُ سِنِينَ -قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَهَذَا السَّبْعُ سِوَى الْخَمْسَةِ [ظاهر الآيات لا يدل على أن هناك خمسا قبل ذلك، والله أعلم.] الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ-وَدَنَا فَرَجُ يُوسُفَ، رَأَى مَلِكُ مِصْرَ الْأَكْبَرُ رُؤْيَا عَجِيبَةً هَالَتْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ، خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، ثُمَّ خَرَجَ عَقِبَهُنَّ سَبْعُ بَقَرَاتٍ عِجَافٌ فِي غَايَةِ الْهُزَالِ، فَابْتَلَعَتِ الْعِجَافُ السِّمَانَ فَدَخَلْنَ فِي بُطُونِهِنَّ، وَلَمْ يُرَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ عَلَى الْعِجَافِ مِنْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ رَأَى سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّهُا، [وَسَبْعًا أُخْرَى] [في "ب": وسبع أخر.] يَابِسَاتٍ قَدِ اسْتُحْصِدَتْ، فَالْتَوَتِ الْيَابِسَاتُ عَلَى الْخُضْرِ حَتَّى غَلَبْنَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ خُضْرَتِهَا شَيْءٌ، فَجَمَعَ السَّحَرَةَ وَالْكَهَنَةَ وَالْحَازَةَ [في هامش "أ": الحازة: المنجمون.] وَالْمُعَبِّرِينَ وَقَصَّ عَلَيْهِمْ رُؤْيَاهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم انتقل يوسف - عليه السلام - إلى تفنيد العقائد الباطلة والأوهام الكاذبة فقال : ( مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ) أى من دون الله - تعالى - المستحق للعبادة .( إِلاَّ أَسْمَآءً ) أى ألفاظا فارغة لا قيمة لها .( سَمَّيْتُمُوهَآ ) آلهة بزعمكم ( أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ ) أما هى فليس لها من هذا الاسم المزعوم ظل من الحقيقة ، لأنها مخلوقة وليست خالقة ، ومرزوقة وليست رازقة ، وزائلة وليست باقية ، وما كان كذلك لا يستحق أن يكون إلها .ومفعول ( سَمَّيْتُمُوهَآ ) الثانى محذوف . والتقدير سميتموها آلهة .وقوله ( وَآبَآؤُكُمْ ) لقطع عذرهم ، حتى لا يقولوا : إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ، فكأنه - تعالى - يقول لهم : إن آباءكم كانوا أشد من كم جهلا وضلالا ، فلا يصح لكم أن تقتدوا بهم .والمراد بالسلطان فى قوله - تعالى - ( مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) الحجة والبرهان .أى : ما أنزل الله - تعالى - بتسميتها أربابا - كما سميتموها بزعمكم - من برهان أو دليل يشعر بتسميتها بذلك ، وإنما أنتم الذين خلعتم عليها هذه الأسماء .وقوله : ( إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ ) إبطال لجميع التصرفات المزعومة لآلهتهم . .أى : ما الحكم فى شأن العقائد والعبادات والمعاملات وفى صحتها أو عدم صحتها إلا الله - تعالى - وحده ، لأنه الخالق لكل شئ ، والعليم بكل شئ .وقوله ( أَمَرَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ ) انتقال من الأدلة الدالة على وحدانيته - سبحانه - إلى الأمر بإخلاص العبادة له وحده .أى : أمر - سبحانه - عباده أن لا يجعلوا عبادتهم إلا له وحده ، لأنه هو خالقهم ورازقهم ، وهو يحييهم ويمييتهم .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( ذلك الدين القيم ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ ) .أى : ذلك الذى أمرناكم به من وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، هو الدين القيم .أى : الحق المستقيم الثابت ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك حق العلم ، لاستيلاء الشهوات والمطامع على نفوسهم .وبعد أن عرف يوسف صاحبيه فى السجن بنفسه ، وأقام لهما الأدلة على أن عبادة الله - تعالى - وحده هى الدين الحق ودعاهما إلى الدخول فيه ..