مقارنة التفاسير
الرعد · الآية 8
ٱللَّهُ مَا كُلُّ وَمَا وَمَا شَيۡءٍ عِندَهُۥ ﴿٨﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الرعد · الآية 8
ٱللَّهُ مَا كُلُّ وَمَا وَمَا شَيۡءٍ عِندَهُۥ ﴿٨﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
الله تعالى يعلم ما تحمل كلُّ أنثى في بطنها، أذكر هو أم أنثى؟ وشقي هو أم سعيد؟ ويعلم ما تنقصه الأرحام، فيسقط أو يولد قبل تسعة أشهر، وما يزيد حمله عليها. وكل شيء مقدَّر عند الله بمقدار من النقصان أو الزيادة لا يتجاوزه.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يخبر تعالى بعموم علمه وسعة اطلاعه وإحاطته بكل شيء فقال: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ من بني آدم وغيرهم، ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ أي: تنقص مما فيها إما أن يهلك الحمل أو يتضاءل أو يضمحل ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ الأرحام وتكبر الأجنة التي فيها، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ لا يتقدم عليه ولا يتأخر ولا يزيد ولا ينقص إلا بما تقتضيه حكمته وعلمه.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 8 إلى 9 معاً في نص واحد.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَمَامِ عِلْمِهِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ مُحِيطٌ بِمَا تَحْمِلُهُ الْحَوَامِلُ مِنْ كُلِّ إِنَاثِ الْحَيَوَانَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ﴾ [لُقْمَانَ: ٣٤] أَيْ: مَا حَمَلَتْ مِنْ ذِكْرٍ أَوْ أُنْثَى، أَوْ حَسَنٍ أَوْ قَبِيحٍ، أَوْ شَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، أَوْ طَوِيلِ الْعُمُرِ أَوْ قَصِيرُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزُّمَرِ:٦] أَيْ: خَلَقَكُمْ طَوْرًا مِنْ بَعْدِ طَوْرٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٢: ١٤] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ [في ت: "النبي".] ﷺ: "إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: يَكْتب رِزْقَهُ، وَعُمُرَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشِقِّيٌ أَوْ سَعِيدٌ" [صحيح البخاري برقم (٣٢٠٨) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٣) .] .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "فَيَقُولُ الْمَلَكُ: أيْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَيْ رَبِّ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ" [رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٤٥) من حديث حذيفة بن أسيد، رضي الله عنه.] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْن، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا [في ت: "لا يعلمهن".] إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تقوم الساعة إلا الله" [صحيح البخاري برقم (٤٦٩٧) .] .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ﴾ يَعْنِي: السَقْط ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ يَقُولُ: مَا زَادَتِ الرَّحِمَ فِي الْحَمْلِ عَلَى مَا غَاضَتْ حَتَّى وَلَدَتْهُ تَمَامًا. وَذَلِكَ أَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ تَحْمِلُ عَشْرَةَ أَشْهُرَ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَحْمِلُ تِسْعَةَ أَشْهُرَ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَزِيدُ فِي الْحَمْلِ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَنْقُصُ، فَذَلِكَ الْغَيْضُ [في ت: "الغيظ".] وَالزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكُلُّ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ تَعَالَى.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قَالَ: مَا نَقَصَتْ مِنْ تِسْعَةٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَضَعَتْنِي أُمِّي وَقَدْ حَمَلَتْنِي فِي بَطْنِهَا سَنَتَيْنِ، وَوَلَدَتْنِي وَقَدْ نَبَتَتْ ثنيَّتي.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ جَمِيلَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَا يَكُونُ الْحَمْلُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ، قَدْرَ مَا يَتَحَرَّكُ ظِل مغْزَل.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قَالَ: مَا تَرَى مِنَ الدَّمِ فِي حَمْلِهَا، وَمَا تَزْدَادُ عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ. وَبِهِ قَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَقَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: إِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ دُونَ التِّسْعَةِ زَادَ عَلَى التِّسْعَةِ، مِثْلَ أَيَّامِ الْحَيْضِ. وَقَالَهُ عِكْرِمة، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَابْنُ زَيْدٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ﴾ إِرَاقَةُ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَخِسَّ الْوَلَدُ ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ إِنْ لَمْ تُهْرِقِ الْمَرْأَةُ تَمَّ الْوَلَدُ وَعَظُمَ.
وَقَالَ مَكْحُولٌ: الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ لَا يَطْلُبُ، وَلَا يَحْزَنُ وَلَا يَغْتَمُّ، وَإِنَّمَا يَأْتِيهِ رِزْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ دَمِ حَيْضَتِهَا [في ت: "حيضها".] فَمِنْ ثَمَّ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ. فَإِذَا وَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ اسْتَهَلَّ، وَاسْتِهْلَالُهُ اسْتِنْكَارٌ [في ت: "استشكار".] لِمَكَانِهِ، فَإِذَا قُطِعَتْ سُرَّتُهُ حَوَّلَ اللَّهُ رِزْقَهُ إِلَى ثَدْيَيْ أُمِّهِ حَتَّى لَا يَطْلُبَ وَلَا يَحْزَنَ وَلَا يَغْتَمَّ، ثُمَّ يَصِيرُ طِفْلًا يَتَنَاوَلُ الشَّيْءَ بِكَفِّهِ فَيَأْكُلُهُ، فَإِذَا هُوَ بَلَغَ قَالَ: هُوَ الْمَوْتُ أَوِ الْقَتْلُ، أنَّى لِي بِالرِّزْقِ؟ فَيَقُولُ مَكْحُولٌ: يَا وَيْلَكَ [في ت: "يا ويحك".] ! غَذاك وَأَنْتَ فِي بَطْنِ أُمِّكَ، وَأَنْتَ طِفْلٌ صَغِيرٌ، حَتَّى إِذَا اشْتَدَدْتَ وَعَقَلْتَ قُلْتَ: هُوَ الْمَوْتُ أَوِ الْقَتْلُ، أَنَّى لِي بِالرِّزْقِ؟ ثُمَّ قَرَأَ مَكْحُولٌ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ أَيْ: بِأَجْلٍ، حَفِظَ أَرْزَاقَ خَلْقِهِ وَآجَالَهُمْ، وَجَعَلَ لِذَلِكَ أَجَلًا مَعْلُومًا.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ بَعَثَتْ إِلَيْهِ: أَنَّ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ، وَأَنَّهَا تُحِبُّ أَنْ يَحْضُرَهُ. فَبَعَثَ إِلَيْهَا يَقُولُ: "إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرُوهَا فَلْتَصْبِرْ وَلِتَحْتَسِبْ" الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ [زيادة من ت.]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أَيْ: يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا يُشَاهِدُهُ الْعِبَادُ وَمِمَّا يَغِيبُ عَنْهُمْ، وَلَا يَخْفَى [في ت: "لا يخفى".] عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ. ﴿الْكَبِيرُ﴾ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، ﴿الْمُتَعَالِ﴾ أَيْ: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَقَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ، فَخَضَعَتْ لَهُ الرِّقَابُ وَدَانَ لَهُ الْعِبَادُ، طَوْعًا وَكَرْهًا.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وإن تعجب فعجبٌ قولهم أئذا كنا ترابًا أئنا لفي خلق جديد﴾ منكرين قدرة الله على إعادتهم خلقًا جديدًا بعد فنائهم وبلائهم، ولا ينكرون قدرته على ابتدائهم وتصويرهم في الأرحام، وتدبيرهم وتصريفهم فيها حالا بعد حال= فابتدأ الخبر عن ذلك ابتداءً، والمعنى فيه ما وصفت، [في المطبوعة والمخطوطة:" ما وصف"، والصواب ما أثبت.] فقال جل ثناؤه: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ ، يقول: وما تنقص الأرحام من حملها في الأشهر التسعة بإرسالها دم الحيض [انظر تفسير" الغيض" فيما سلف ١٥: ٣٣٤، وما بعدها.] ﴿وما تزداد﴾ في حملها على الأشهر التسعة لتمام ما نقص من الحمل في الأشهر التسعة بإرسالها دم الحيض= ﴿وكل شي عنده بمقدار﴾ لا يجاوز شيء من قَدَره عن تقديره، ولا يقصر أمر أراده فَدَبَره عن تدبيره، كما لا يزداد حمل أنثى على ما قُدِّرَ له من الحمل، ولا يُقصِّر عما حُدّ له من القدر.
* *
و"المقدار"، مِفْعال من"القدر".
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٢٠١٦٣- حدثني يعقوب بن ماهان قال: حدثنا القاسم بن مالك، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام﴾ ، قال: ما رأت المرأة من يوم دمًا على حملها زاد في الحمل يومًا. [الأثر: ٢٠١٦٣ -" يعقوب بن ماهان البغدادي"، ثقة، مضى برقم: ٤٩٠١، ١٠٣٣٩، ١٩٩٠٨. و" القاسم بن مالك المزني"، ثقة من شيوخ أحمد، مضى برقم: ١٠٣٣٩.]
٢٠١٦٤- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام﴾ ، يعني السِّقْط= ﴿وما تزداد﴾ ، يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا. وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص. فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله، وكل ذلك بعلمه.
٢٠١٦٥- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال: حدثنا عبد السلام قال: حدثنا خصيف، عن مجاهد أو سعيد بن جبير في قول الله: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ قال: غَيْضُها، دون التسعة= والزيادة فوق التسعة.
٢٠١٦٦- حدثني يعقوب قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، أنه قال:"الغيض"، ما رأت الحامل من الدم في حملها فهو نقصان من الولد، و"الزيادة" ما زاد على التسعة أشهر، فهو تمام للنقصان وهو زيادة.
٢٠١٦٧- حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، في قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ قال: ما ترى من الدم، وما تزداد على تسعة أشهر.
٢٠١٦٨- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، أنه قال: ﴿يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ ، قال: ما زاد على التسعة الأشهر= ﴿وما تغيض الأرحام﴾ ، قال: الدم تراه المرأة في حملها.
٢٠١٦٩- حدثني المثنى حدثنا عمرو بن عون، والحجاج بن المنهال قالا حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن مجاهد، في قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ قال: الغيض: الحامل ترى الدم في حملها فهو"الغيض"، وهو نقصانٌ من الولد. وما زاد على تسعة أشهر فهو تمام لذلك النقصان، وهي الزيادة.
٢٠١٧٠- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عبد السلام، عن خصيف، عن مجاهد: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ قال: إذا رأت دون التسعة، زاد على التسعة مثل أيام الحيض.
٢٠١٧١- حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ قال: خروج الدم= ﴿وما تزداد﴾ قال: استمساك الدم.
٢٠١٧٢- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ إراقة المرأة حتى يخِسّ الولد= ﴿وما تزداد﴾ قال: إن لم تُهْرِق المرأةُ تَمَّ الولد وعَظُم.
٢٠١٧٣- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا شعبة، عن جعفر، عن مجاهد، في قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ قال: المرأة ترى الدم، وتحمل أكثر من تسعة أشهر.
٢٠١٧٤- حدثنا الحسن قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ ، قال: هي المرأة ترى الدم في حملها.
٢٠١٧٥-...... قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ إهراقُ الدم حتى يخسّ الولد= و"تزداد" إن لم تهرق المرأة تَمَّ الولد وعَظُم.
٢٠١٧٦-...... قال: حدثنا الحكم بن موسى قال: حدثنا هقل، عن عثمان بن الأسود قال: قلت لمجاهد: امرأتي رأت دمًا، وأرجو أن تكون حاملا! = قال أبو جعفر: هكذا هو في الكتاب [موضع الإشكال الذي شكك فيه أبو جعفر أن عثمان بن الأسود قال:" امرأتي رأت الدم"، وذلك يعني الطمث، وهي إذا رأت الدم لم تكن حاملا. ثم قال:" وأرجو أن تكون حاملا"، يوهم أنه من جل رؤية الدم، رجا أن تكون حاملا. ولكني أخالف أبا جعفر، وأجعل" أرجو" بمعنى التحقيق لا بمعنى الرجاء، كأنه قال:" امرأتي رأت الدم وهي حامل"، وهم يضعون" أرجو" بهذا المكان من التحقيق في كثير من كلامهم. هذا، وبعض النساء ترى الدم وهي حامل في ميقات طمثها، هكذا أخبرني النساء.] فقال مجاهد: ذاك غيضُ الأرحام: ﴿يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار﴾ ، الولد لا يزال يقع في النقصان ما رأت الدَّم، فإذا انقطعَ الدم وقع في الزيادة، فلا يزال حتى يتمّ، فذلك قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار﴾ . [الأثر: ٢٠١٧٦ -" الحكم بن موسى بن أبي زهير البغدادي"، ثقة، روى عنه البخاري تعليقًا ومسلم. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٣٤٢، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ١٢٨ و" هقل" هو:" الهقل بن زياد بن عبد الله الدمشقي"، كاتب الأوزاعي، و" هقل" لقب، قيل اسمه:" محمد"، وقيل:" عبد الله"، ثقة الثقات، من أعلى أصحاب الأوزاعي. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ٢٤٨، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٢٢. و" عثمان بن الأسود بن موسى المكي"، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا.]
٢٠١٧٧-...... قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، في قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ ، قال:"الغيض": الحامل ترى الدم في حملها، وهو"الغيض" وهو نقصان من الولد. فما زادت على التسعة الأشهر فهي الزيادة، وهو تمامٌ للولادة.
٢٠١٧٨- حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب قال: حدثنا داود، عن عكرمة في هذه الآية: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام﴾ ، قال: كلما غاضت بالدم، زاد ذلك في الحمل.
٢٠١٧٩-...... قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا داود، عن عكرمة نحوه.
٢٠١٨٠- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عباد بن العوّام، عن عاصم، عن عكرمة: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ قال: غيض الرحم: الدم على الحمل كلما غاض الرحم من الدم يومًا زاد في الحمل يومًا حتى تستكمل وهي طاهرةٌ.
٢٠١٨١-...... قال: حدثنا عباد، عن سعيد، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، مثله.
٢٠١٨٢- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا الوليد بن صالح قال: حدثنا أبو يزيد، عن عاصم، عن عكرمة في هذه الآية: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ ، قال: هو الحيض على الحمل= ﴿وما تزداد﴾ قال: فلها بكل يوم حاضت على حملها يوم تزداده في طهرها حتى تستكمل تسعة أشهر طاهرًا.
٢٠١٨٣-...... قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عمران بن حدير، عن عكرمة في قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ قال: ما رأت الدم في حملها زاد في حملها.
٢٠١٨٤- حدثنا عبد الحميد بن بيان قال: أخبرنا إسحاق، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ ما"تغيض": أقل من تسعة= وما تزداد: أكثر من تسعة.
٢٠١٨٥- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا ابن المبارك، عن الحسن بن يحيى قال: سمعت الضحاك يقول: قد يولد المولود لسنتين. قد كان الضحاك وُلد لسنتين، و"الغيض": ما دون التسعة= ﴿وما تزداد﴾ فوق تسعة أشهر.
٢٠١٨٦-...... قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ قال: دون التسعة، وما تزداد: قال: فوق التسعة.
٢٠١٨٧-...... قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان، عن جويبر، عن الضَّحاك قال: ولدت لسنتين.
٢٠١٨٨- حدثني المثنى قال: حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك، عن الحسن بن يحيى قال: حدثنا الضحاك: أن أمه حملته سنتين. قال: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ قال: ما تنقص من التسعة= ﴿وما تزداد﴾ قال: ما فوق التسعة. [الآثار: ٢٠١٨٥، ٢٠١٨٧، ٢٠١٨٨ -" الضحاك بن مزاحم"، صاحب التفسير، مضى مرارًا لا تحصى، ولكن يزاد هنا هذا الخبر في ترجمته أنه قال عن نفسه أنه ولد لسنتين. ثم انظر رقم: ٢٠١٩٩، أنه ولد وقد نبتت ثناياه.]
٢٠١٨٩- ... قال: حدثنا عمرو بن عون ؛ قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام﴾ ، قال: كل أنثى من خلق الله.
٢٠١٩٠- ... قال: حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك= ومنصور، عن الحسن قالا"الغيض" ما دون التسعة الأشهر.
٢٠١٩١- ... قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك، عن داود بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن جميلة بنت سعد، عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين، قدر ما يتحوَّل ظِلُّ مِغْزَل.
٢٠١٩٢- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ قال: هو الحمل لتسعة أشهر وما دون التسعة= ﴿وما تزداد﴾ قال: على التسعة.
٢٠١٩٣- ... قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ قال: حيضُ المرأة على ولدها.
٢٠١٩٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ . قال:"الغيض"، السَّقْط= ﴿وما تزداد﴾ ، فوق التسعة الأشهر.
٢٠١٩٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن سعيد بن جبير: إذا رأت المرأة الدمَ على الحمل، فهو"الغيض" للولد. يقول: نقصانٌ في غذاء الولد، وهو زيادة في الحمل.
٢٠١٩٦- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ قال: كان الحسن يقول:"الغيضوضة"، [" الغيضوضة"، مصدر" غاض"، لم تذكره كتب اللغة، وهو حقيق أن يثبت فيها، لأنه من كلام الحسن البصري، وناهيك به فصيحًا وحجة في العربية.] أن تضع المرأة لستة أشهر أو لسبعة أشهر، أو لما دون الحدّ= قال قتادة: وأما الزيادة، فما زاد على تسعة أشهر.
٢٠١٩٧- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا قيس، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: غيض الرحم: أن ترى الدم على حملها. فكل شيء رأت فيه الدم على حملها، ازدادت على حملها مثل ذلك.
٢٠١٩٨-....قال حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال: إذا رأت الحاملُ الدمَ كان أعظمَ للولد.
٢٠١٩٩- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ ،"الغيض": النقصان من الأجل،"والزيادة": ما زاد على الأجل. وذلك أن النساء لا يلدن لعدّةٍ واحدة، يولد المولود لستة أشهر فيعيش، ويولد لسنتين فيعيش، وفيما بين ذلك. قال: وسمعت الضحاك يقول: ولدت لسنتين، وقد نبتت ثناياي.
٢٠٢٠٠- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ قال: غيض الأرحام: الإهراقة التي تأخذ النساء على الحمل، وإذا جاءت تلك الإهراقة لم يعتدَّ بها من الحمل، ونقص ذلك حملها حتى يرتفع ذلك. وإذا ارتفع استقبلت عِدّةً مستقبلةً تسعة أشهر. وأما ما دامت ترى الدم، فإن الأرحام تغيض وتنقص، والولد يرقّ. فإذا ارتفع ذلك الدم رَبَا الولد واعتدّت حين يرتفع عنها ذلك الدم عدّة الحمل تسعة أشهر، وما كان قبله فلا تعتدُّ به، هو هِرَاقةٌ، يبطل ذلك أجمع أكتع.
* *
وقوله: ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ .
٢٠٢٠١- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ إي والله، لقد حفظ عليهم رزقهم وآجالهم، وجعل لهم أجلا معلومًا.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 8 إلى 9 معاً في نص واحد.
فِيهِ ثَمَانُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ أَيْ مِنْ ذِكْرِ وَأُنْثَى، صَبِيحٍ وَقَبِيحٍ، صَالِحٍ وَطَالِحٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الْأَنْعَامِ" [راجع ج ٧ ص ١ فما بعد.] أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مُنْفَرِدٌ بِعِلْمِ الْغَيْبِ وحده لَا شَرِيكَ لَهُ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ" الْحَدِيثَ. وَفِيهِ "لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ". واختلف العلماء في تأويل قول: (وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ) فَقَالَ قَتَادَةُ: الْمَعْنَى مَا تَسْقُطُ قَبْلَ التِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ، وَمَا تَزْدَادُ فَوْقَ التِّسْعَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي حَمْلِهَا كَانَ ذَلِكَ نُقْصَانًا فِي وَلَدِهَا، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى التِّسْعَةِ كَانَ تَمَامًا لِمَا نَقَصَ، وَعَنْهُ: الْغَيْضُ مَا تُنْقِصُهُ الْأَرْحَامُ مِنَ الدَّمِ، وَالزِّيَادَةُ ما تزداد منه. وقيل: الغيض والزياد. يَرْجِعَانِ إِلَى الْوَلَدِ، كَنُقْصَانِ إِصْبَعٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَزِيَادَةِ إِصْبَعٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَقِيلَ: الْغَيْضُ انْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ. "وَما تَزْدادُ" بِدَمِ النِّفَاسِ بَعْدَ الْوَضْعِ. الثَّانِيَةُ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُمَا: لَا تَحِيضُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَدَلِيلُهُ الْآيَةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِهَا: إِنَّهُ حَيْضُ الْحَبَالَى، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ، وَأَنَّهَا كَانَتْ تُفْتِي النِّسَاءَ الْحَوَامِلَ إِذَا حِضْنَ أَنْ يَتْرُكْنَ الصَّلَاةَ، وَالصَّحَابَةُ إِذْ ذَاكَ مُتَوَافِرُونَ، وَلَمْ يُنْكِرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَلَيْهَا، فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ، قَالَهُ [في الطبعة الأولى: قاله ابن عباس قال ابن القصار. وليست عبارة الأصول كذلك لهذا حذفناها.] ابْنُ الْقَصَّارِ. وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَنَازَعَا وَلَدًا، فَتَرَافَعَا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَرَضَهُ عَلَى الْقَافَةِ، فَأَلْحَقَهُ الْقَافَةُ بِهِمَا، فَعَلَاهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ، وَسَأَلَ نِسْوَةً مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: انْظُرْنَ مَا شَأْنُ هَذَا الْوَلَدِ؟ فَقُلْنَ: إِنَّ الْأَوَّلَ خَلَا بِهَا وَخَلَّاهَا، فَحَاضَتْ عَلَى الْحَمْلِ، فَظَنَّتْ أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ، فَدَخَلَ بِهَا الثَّانِي، فَانْتَعَشَ الْوَلَدُ بِمَاءِ الثَّانِي، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ! وَأَلْحَقَهُ بِالْأَوَّلِ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ، وَلَا قَالَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ، والله أعلم. احتج المخالف بأن قال لو كان الْحَامِلُ تَحِيضُ، وَكَانَ مَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الدَّمِ حَيْضًا لَمَا صَحَّ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ بِحَيْضٍ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ. الثَّالِثَةُ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ قَدْ تَضَعُ حَمْلَهَا لِأَقَلِّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَأَكْثَرَ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ولد لستة أشهر.
الرَّابِعَةُ- وَهَذِهِ السِّتَّةُ الْأَشْهُرُ هِيَ بِالْأَهِلَّةِ كَسَائِرِ أَشْهُرِ الشَّرِيعَةِ، وَلِذَلِكَ قَدْ رُوِيَ فِي الْمَذْهَبِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَظُنُّهُ فِي كِتَابِ ابْنِ حَارِثٍ أَنَّهُ إِنْ نَقَصَ عَنِ الْأَشْهُرِ السِّتَّةِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ لِعِلَّةِ نَقْصِ الْأَشْهُرِ وَزِيَادَتِهَا، حَكَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. الْخَامِسَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَكْثَرِ الْحَمْلِ، فَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ جَمِيلَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَكُونُ الْحَمْلُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ قَدْرَ مَا يَتَحَوَّلُ ظِلُّ الْمِغْزَلِ، ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَالَتْ جَمِيلَةُ بِنْتُ سَعْدٍ- أُخْتُ عُبَيْدِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ-: إِنَّ أَكْثَرَهُ ثَلَاثُ سِنِينَ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعُ سِنِينَ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَرُوِيَ عَنْهُ لَا حَدَّ لَهُ، وَلَوْ زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْهُ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ سِتٌّ وَسَبْعٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَمِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ يَجْعَلُهُ إِلَى سَبْعٍ، وَالشَّافِعِيُّ: مُدَّةُ الْغَايَةِ مِنْهَا أَرْبَعُ سِنِينَ. وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ: سَنَتَانِ لَا غَيْرَ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ: سَنَةٌ لَا أَكْثَرَ. وَدَاوُدُ يَقُولُ: تِسْعَةُ أَشْهُرٍ، لَا يَكُونُ عِنْدَهُ حَمْلٌ أَكْثَرَ مِنْهَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا إِلَّا الِاجْتِهَادُ، وَالرَّدُّ إِلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: قُلْتُ لمالك ابن أَنَسٍ إِنِّي حُدِّثْتُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ فِي حَمْلِهَا عَلَى سَنَتَيْنِ قَدْرَ ظِلِّ الْمِغْزَلِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَنْ يَقُولُ هَذَا؟! هَذِهِ جَارَتُنَا امْرَأَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، تَحْمِلُ وَتَضَعُ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ، امْرَأَةُ صِدْقٍ، وَزَوْجُهَا رَجُلُ صِدْقٍ، حَمَلَتْ ثَلَاثَةَ أَبْطُنٍ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةٍ، تَحْمِلُ كُلَّ بَطْنٍ أربع سنين. وذكره عن [من ا. وفى و: ابن المبارك.] المبارك ابن مُجَاهِدٍ قَالَ: مَشْهُورٌ عِنْدَنَا كَانَتِ امْرَأَةُ مُحَمَّدِ ابن عَجْلَانَ تَحْمِلُ وَتَضَعُ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ تُسَمَّى حَامِلَةُ الْفِيلِ. وَرَوَى أَيْضًا قَالَ: بَيْنَمَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَوْمًا جَالِسٌ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا يَحْيَى! ادْعُ لِامْرَأَةٍ حُبْلَى مُنْذُ أَرْبَعِ سِنِينَ قَدْ أَصْبَحَتْ فِي كَرْبٍ شَدِيدٍ، فَغَضِبَ مَالِكٌ وَأَطْبَقَ الْمُصْحَفَ ثُمَّ قَالَ: مَا يَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ إِلَّا أَنَّا أَنْبِيَاءُ! ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ الْمَرْأَةُ إِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا رِيحٌ فَأَخْرِجْهُ عَنْهَا السَّاعَةَ، وَإِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا جَارِيَةً فَأَبْدِلْهَا [بِهَا] [من ا. وفى و: ابن المبارك.] غُلَامًا، فَإِنَّكَ تَمْحُو ما تشاء وتثبت، وعندك أُمُّ الْكِتَابِ، وَرَفَعَ مَالِكٌ يَدَهُ، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ، وَجَاءَ الرَّسُولُ إِلَى الرَّجُلِ فَقَالَ: أَدْرِكِ امْرَأَتَكَ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَمَا حَطَّ مَالِكٌ يَدَهُ حَتَّى طَلَعَ الرَّجُلُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ عَلَى رَقَبَتِهِ غُلَامٌ جَعْدٌ قَطَطٌ [جعد قطط، شديد الجعودة.] ، ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ، قَدِ اسْتَوَتْ أَسْنَانُهُ، مَا قُطِعَتْ سِرَارُهُ [سرر الصبى: ما تقطعه القابلة.] ، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنِّي غِبْتُ عَنِ امْرَأَتِي سَنَتَيْنِ فَجِئْتُ وَهِيَ حُبْلَى، فَشَاوَرَ عُمَرُ النَّاسَ فِي رَجْمِهَا، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنْ كَانَ لَكَ عَلَيْهَا سَبِيلٌ فَلَيْسَ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا سَبِيلٌ، فَاتْرُكْهَا حَتَّى تَضَعَ، فَتَرَكَهَا، فَوَضَعَتْ غُلَامًا قَدْ خَرَجَتْ ثَنِيَّتَاهُ، فَعَرَفَ الرَّجُلُ الشَّبَهَ فَقَالَ: ابْنِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ!، فَقَالَ عُمَرُ: عَجَزَتِ النِّسَاءُ أَنْ يَلِدْنَ مِثْلَ مُعَاذٍ، لَوْلَا مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَضَعْتِنِي أُمِّي وَقَدْ حَمَلَتْ بِي فِي بَطْنِهَا سَنَتَيْنِ، فَوَلَدَتْنِي وَقَدْ خَرَجَتْ سِنِّي. وَيُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ حُمِلَ بِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ سَنَتَيْنِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَ سِنِينَ. وَيُقَالُ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ مَكَثَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ثَلَاثَ سِنِينَ، فَمَاتَتْ بِهِ وَهُوَ يَضْطَرِبُ اضْطِرَابًا شَدِيدًا، فَشُقَّ بَطْنُهَا وَأُخْرِجَ وَقَدْ نَبَتَتْ أَسْنَانُهُ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: إِنَّمَا سُمِّيَ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ هَرِمًا لِأَنَّهُ بَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ. وَذَكَرَ الْغَزْنَوِيُّ أَنَّ الضَّحَّاكَ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ، وَقَدْ طَلَعَتْ سنه فسمي ضحاكا. عَبَّادُ بْنُ الْعَوَامِّ: وَلَدَتْ جَارَةٌ لَنَا لِأَرْبَعِ سِنِينَ غُلَامًا شَعْرُهُ إِلَى مَنْكِبَيْهِ، فَمَرَّ بِهِ طَيْرٌ فَقَالَ: كَشَّ. السَّادِسَةُ- قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: أَقَلُّ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَأَكْثَرُهُ وَأَقَلُّ الْحَمْلِ وَأَكْثَرُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يحكم في شي مِنْهُ إِلَّا بِقَدْرِ مَا أَظْهَرُهُ لَنَا، وَوُجِدَ ظَاهِرًا فِي النِّسَاءِ نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا، وَلَمَّا وَجَدْنَا امْرَأَةً قَدْ حَمَلَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ وَخَمْسَ سِنِينَ حَكَمْنَا بِذَلِكَ، وَالنِّفَاسُ وَالْحَيْضُ لَمَّا لَمْ نَجِدْ فِيهِ أَمْرًا مُسْتَقْرَأً رَجَعْنَا فِيهِ إِلَى مَا يُوجَدُ فِي النَّادِرِ مِنْهُنَّ [قال محققه: ورد في الحديث أقل الحيض وأكثره، روى الطبراني عن أبى أمامة عنه ﷺ "أقل الحيض ثلاث وأكثره عشرة" ورواه بن الربيع بن حبيب في مسنده عن أنس.] . السَّابِعَةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: نَقَلَ بَعْضُ الْمُتَسَاهِلِينَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ أَنَّ أَكْثَرَ الْحَمْلِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَهَذَا مَا لم ينطق به قط إلا هالكي، وَهُمُ الطَّبَائِعِيُّونَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ مُدَبِّرَ الْحَمْلِ فِي الرَّحِمِ الْكَوَاكِبُ السَّبْعَةُ، تَأْخُذُهُ شَهْرًا شَهْرًا، وَيَكُونُ الشَّهْرُ الرَّابِعُ مِنْهَا لِلشَّمْسِ، وَلِذَلِكَ يَتَحَرَّكُ وَيَضْطَرِبُ، وَإِذَا تَكَامَلَ التَّدَاوُلُ فِي السَّبْعَةِ الْأَشْهُرِ بَيْنَ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ عَادَ فِي الشَّهْرِ الثَّامِنِ إِلَى زُحَلَ، فَيُبْقِلُهُ بِبَرْدِهِ، فَيَا لَيْتَنِي تَمَكَّنْتُ مِنْ مُنَاظَرَتِهِمْ أَوْ مُقَاتَلَتِهِمْ! مَا بَالُ الْمَرْجِعِ بَعْدَ تَمَامِ الدَّوْرِ يَكُونُ إِلَى زُحَلَ دُونَ غَيْرِهِ؟ اللَّهُ أَخْبَرَكُمْ بِهَذَا أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ؟! وَإِذَا جَازَ أَنْ يَعُودَ إِلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ التَّدْبِيرُ إِلَى ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ، أَوْ يَعُودُ إِلَى جَمِيعِهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟! مَا هَذَا التَّحَكُّمُ بِالظُّنُونِ الْبَاطِلَةِ عَلَى الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ!. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ يَعْنِي مِنَ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ. وَيُقَالُ: "بِمِقْدارٍ" قَدْرِ خُرُوجِ الْوَلَدِ من بطن أمه، وقد مُكْثِهِ فِي بَطْنِهَا إِلَى خُرُوجِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي الرِّزْقِ وَالْأَجَلِ. وَالْمِقْدَارُ الْقَدْرُ، وَعُمُومُ الْآيَةِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ ذَلِكَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: هَذِهِ الْآيَةُ تَمَدَّحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَا بِأَنَّهُ (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِمَا غَابَ عَنِ الْخَلْقِ، وَبِمَا شَهِدُوهُ. فَالْغَيْبُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْغَائِبِ. وَالشَّهَادَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الشَّاهِدِ، فَنَبَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى انْفِرَادِهِ بِعِلْمِ الْغَيْبِ، وَالْإِحَاطَةِ بِالْبَاطِنِ الَّذِي يَخْفَى عَلَى الْخَلْقِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، فَأَمَّا أَهْلُ الطِّبِّ الَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ فَإِنْ قَطَعُوا بِذَلِكَ فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِنْ قَالُوا إِنَّهَا تَجْرِبَةٌ تُرِكُوا وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي الْمَمْدُوحِ، فَإِنَّ الْعَادَةَ يَجُوزُ انْكِسَارُهَا، وَالْعِلْمُ لَا يَجُوزُ تَبَدُّلُهُ. وَ (الْكَبِيرُ) الَّذِي كُلُّ شي دُونَهُ.
(الْمُتَعالِ) عَمَّا يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ، الْمُسْتَعْلِي عَلَى كل شي بِقُدْرَتِهِ وَقَهْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ مستوفى، والحمد لله.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، سَوِيَّ الْخَلْقِ أَوْ نَاقِصَ الْخَلْقِ، وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ أَيْ مَا تَنْقُصُ ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ .
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ [انظر في هذه الأقوال وتخريجها: الدر المنثور: ٤ / ٦٠٨-٦١٠، تفسير الطبري: ١٦ / ٣٥٩-٣٦٥. واقرأ كتاب "خلق الإنسان بين الطب والقرآن" للدكتور محمد علي البار، فصل دورة الأرحام ص (٦٩-٨٢) .] غَيْضُ الْأَرْحَامِ: الْحَيْضُ عَلَى الْحَمْلِ؛ فَإِذَا حَاضَتِ الْحَامِلُ كَانَ نُقْصَانًا فِي الْوَلَدِ، لِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ غِذَاءُ الْوَلَدِ فِي الرَّحِمِ، فَإِذَا أَهْرَقَتِ الدَّمَ يَنْقُصُ الْغِذَاءُ فَيَنْتَقِصُ الْوَلَدُ، وَإِذَا لَمْ تَحِضْ يَزْدَادُ الْوَلَدُ وَيَتِمُّ، فَالنُّقْصَانُ نُقْصَانُ خِلْقَةِ الْوَلَدِ بِخُرُوجِ الدَّمِ، وَالزِّيَادَةُ تَمَامُ خِلْقَتِهِ بِاسْتِمْسَاكِ الدَّمِ.
وَقِيلَ: إِذَا حَاضَتْ يَنْتَقِصُ [في "ب": ينقص.] الْغِذَاءُ وَتَزْدَادُ مُدَّةُ الْحَمْلِ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ تِسْعَةَ [في "ب": بسبعة.] أَشْهُرٍ ظَاهِرًا، فَإِنْ رَأَتْ [في "ب": زادت.] خَمْسَةَ أَيَّامٍ دَمًا وَضَعَتْ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَالنُّقْصَانُ فِي الْغِذَاءِ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْمُدَّةِ [هذه الأقوال في تفسير الآية بناء على أن الحامل تحيض، وهو مذهب مالك والشافعي في أحد قوليه. وقال عطاء والشعبي وغيرهما: لا تحيض. وبه قال أبو حنيفة، ودليله الآية. قال ابن عباس في تأويل الآية: إنه حيض الحبالى، وكذلك روي عن عكرمة ومجاهد، وهو قول عائشة، وأنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حضن أن يتركن الصلاة؛ والصحابة إذ ذاك متوافرون، ولم ينكر منهم أحد عليها، فصار كالإجماع. وقال أبو حنيفة: لو كانت الحامل تحيض، وكان ما تراه المرأة من الدم حيضا لما صح استبراء الأمة بحيض، وهو إجماع. وروي عن مالك في كتاب محمد ما يقتضي أنه ليس بحيض. انظر: تفسير القرطبي: ٩ / ٢٨٦. أحكام القرآن للجصاص: ٤ / ٣٩٧-٣٩٩، تفسير ابن عطية: ٨ / ١٣٠-١٣١، أحكام القرآن لابن العربي: ٣ / ١١١٠.] .
وَقَالَ الْحَسَنُ: غَيْضُهَا: نُقْصَانُهَا مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَالزِّيَادَةُ، زِيَادَتُهَا عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ النُّقْصَانُ: السَّقْطُ، وَالزِّيَادَةُ: تَمَامُ الْخَلْقِ. وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَقَدْ يُولَدُ الْمَوْلُودُ لِهَذِهِ الْمُدَّةِ وَيَعِيشُ [وذلك منتزع من قوله تعالى: "وحمله وفصاله ثلاثون شهرا" [الأحقاف: ١٥] مع قوله تعالى: "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة" (البقرة ٢٣٣) فبقي عن مدة الفصال من الثلاثين شهرا لمدة الحمل ستة أشهر. وكلام الأطباء يتفق مع هذا، فالطب يقرر أن أقل الحمل الذي يمكنه العيش بعده ستة أشهر، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: "وأما أقل مدة الحمل: فقد تظاهرت الشريعة والطبيعة على أنها ستة أشهر". انظر: تفسير القرطبي: ٩ / ٢٨٨، التبيان في إقسام القرآن لابن القيم ص (٣٣٩) ، خلق الإنسان بين الطب والقرآن، د. محمد علي البار ص (٤٥١-٤٥٢) .] .
وَاخْتَلَفُوا فِي أَكْثَرِهَا: فَقَالَ قَوْمٌ: أَكْثَرُهَا سَنَتَانِ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ أَكْثَرَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. إِنَّمَا سُمِّيَ هَرَمُ بْنُ حَيَّانَ هَرَمًا لِأَنَّهُ بَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ [وقد أنكر بعض المالكية وابن حزم أن يكون هناك حمل أكثر من تسعة أشهر، فقال ابن حزم: " ... ولا يجوز أن يكون حمل أكثر من تسعة أشهر ولا أقل من ستة أشهر ... فمن ادعى أن حملا وفصالا يكون في أكثر من ثلاثين شهرا، فقد قال بالباطل والمحال ورد كلام الله عز وجل جهارا". وبعد أن ذكر جملة أخبار وقصص تشير إلى أنه قد يكون أكثر من تسعة أشهر، قال: "وكل هذه أخبار مكذوبة راجعة إلى من لا يصدق ولا يعرف من هو، ولا يجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا. وممن روي عنه مثل قولنا: عمر بن الخطاب -رضي الله عنه، فهو يقول: أيما رجل طلق امرأته فحاضت حيضة أو حيضتين ثم قعدت فلتجلس تسعة أشهر حتى تستبين حملها، فإن لم يستبن حملها في تسعة أشهر فلتعتد بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر عدة التي قعدت عن المحيض. فهذا عمر لا يرى الحمل أكثر من تسعة أشهر، وهو قول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وأبي سليمان، وأصحابنا. قال علي -ابن حزم-: إلا أن الولد قد يموت في بطن أمه فيتمادى بلا غاية حتى تلقيه متقطعا في سنين. فإن صح هذا فإنه حمل صحيح لا تنقضي عدتها إلا بوضعه كله ... ". وهذا الذي انتصر له ابن حزم هو الذي عليه الأطباء فلا يزيد الحمل عندهم عن شهر بعد موعده، وإلا لمات الجنين في بطن أمه. ويعتبرون ما زاد عن ذلك نتيجة خطأ في الحساب، وأما ما يحكى عن مولودين لسنوات بعد الحمل، أو أن الحمل عند امرأة استمر لسنوات ... فهو ما يسمونه "الحمل الكاذب" وهي حالة تصيب النساء اللاتي يبحثن عن الإنجاب دون أن ينجبن فينتفخ البطن بالغازات وتتوقف العادة الشهرية، وتعتقد المرأة بأنها حامل رغم تأكيد جميع الفحوصات المخبرية والطبية بأنها غير حامل. والله أعلم. انظر في هذا كله: تفسير القرطبي: ٩ / ٢٨٨-٢٨٩، أحكام القرآن لابن العربي: ٣ / ١١٠٩، الدر المنثور: ٤ / ٦٠٩. وقارن بـ: المحلى لابن حزم: ١٠ / ٣١٦-٣١٨، خلق الإنسان بين الطب والقرآن للدكتور محمد علي البار، ص (٤٥٢-٤٥٤) .] .
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ أَيْ: بِتَقْدِيرٍ وَحَدٍّ لَا يُجَاوِزُهُ وَلَا يُقَصِّرُ عَنْهُ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم صور - سبحانه - سبعة علمه تصويراً عميقاً ، تقشعر منه الجلود ، وترتجف له المشاعر ، وساق سنة من سننه التى لا تتغيير ولا تتبدل ، فقال - تعالى - :( لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ . . . ) .قوله - سبحانه - ( الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ ) كلام مستأنف مسوق لبيان كمال علمه وقدرته - سبحانه - .( وتغيض ) من الغيض النقص . يقال : غاض الماء إذا نقص .و ( ما ) موصولة والعائد محذوف . أى : الله وحده هو الذى يعلم ما تحمله كل أنثى فى بطنها من علقة أو مضغة ومن ذكر أو أنثى . . . وهو وحده - سبحانه - الذى يعلم ما يكون فى داخل الأرحام من نقص فى الخلقة أو زيادة فيها ، ومن نقص فى مدة الحمل أو زيادة فيها ، ومن نقص فى العدد أو زيادة فيه . . .قال ابن كثير : " قوله ( وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ ) قال البخاري : حدثنا إبراهيم بن المنذر . حدثنا معن ، حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر : أن رسول الله - ﷺ - قال : " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله : لا يعلم ما فى غد إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم متى يأتى المطر إلا الله ، ولا تدري نفس بأى أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله " .وقال العوفى عن ابن عباس ( وَمَا تَغِيضُ الأرحام ) يعنى السقط ( وَمَا تَزْدَادُ ) .يقول : ما زادت الرحم فى الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما . وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ، ومنهن من تحمل تسعة أشهر ، ومنهم من تزيد فى الحمل ومنهن من تنقص . فذلك الغيض والزيادة التى ذكر الله - تعالى - وكل ذلك بعلمه - سبحانه- .وقوله : ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ) أى : وكل شئ عنده - سبحانه - بقدر وحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه ، كما قال - تعالى - ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) وكما قال - تعالى - ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) فهو - سبحانه - يعلم كمية كل شئ وكيفيته وزمانه ومكانه وسائر أحواله .