مقارنة التفاسير
النحل · الآية 50
مِّن مَا ﴿٥٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
النحل · الآية 50
مِّن مَا ﴿٥٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
يخاف الملائكة ربهم الذي هو فوقهم بالذات والقهر وكمال الصفات، ويفعلون ما يُؤْمرون به من طاعة الله. وفي الآية إثبات صفة العلو والفوقية لله على جميع خلقه، كما يليق بجلاله وكماله.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ْ﴾ لما مدحهم بكثرة الطاعة والخضوع لله، مدحهم بالخوف من الله الذي هو فوقهم بالذات والقهر، وكمال الأوصاف، فهم أذلاء تحت قهره. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ْ﴾ أي: مهما أمرهم الله تعالى امتثلوا لأمره، طوعا واختيارا، وسجود المخلوقات لله تعالى قسمان: سجود اضطرار ودلالة على ما له من صفات الكمال، وهذا عام لكل مخلوق من مؤمن وكافر وبر وفاجر وحيوان ناطق وغيره، وسجود اختيار يختص بأوليائه وعباده المؤمنين من الملائكة وغيرهم من المخلوقات.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 48 إلى 50 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 48.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ الَّذِي خَضَعَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَدَانَتْ لَهُ الْأَشْيَاءُ وَالْمَخْلُوقَاتُ بِأَسْرِهَا: جَمَادُهَا وَحَيَوَانَاتُهَا، وَمُكَلَّفُوهَا مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ، فَأَخْبَرَ [في ت: "والمخبر".] أَنَّ كُلَّ مَا لَهُ ظل يتفيأ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، أَيْ: بُكْرَةً وَعَشِيًّا، فَإِنَّهُ سَاجِدٌ بِظِلِّهِ لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ سَجَدَ كلُّ شَيْءٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أَيْ: صَاغِرُونَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: سُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ. وَذَكَرَ الْجِبَالَ قَالَ: سُجُودُهَا فِيهَا.
وَقَالَ أَبُو غَالِبٍ الشَّيْبَانِيُّ: أَمْوَاجُ الْبَحْرِ صَلَاتُهُ.
وَنَزَّلَهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْقِلُ إِذْ أَسْنَدَ السُّجُودَ إِلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٥] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ: تَسْجُدُ لِلَّهِ أَيْ غَيْرَ مُسْتَكْبِرِينَ عَنْ عِبَادَتِهِ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أَيْ: يَسْجُدُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ مِنَ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أَيْ: مُثَابِرِينَ عَلَى طَاعَتِهِ [في ف: "طاعة الله".] تَعَالَى، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 50 إلى 52 معاً في نص واحد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: يخاف هؤلاء الملائكة التي في السموات، وما في الأرض من دابة، ربهم من فوقهم، أن يعذّبهم إن عَصَوا أمره،ويفعلون ما يؤمرون، يقول: ويفعلون ما أمرهم الله به، فيؤدّون حقوقه، ويجتنبون سُخْطه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) ﴾
يقول تعالى ذكره: وقال الله لعباده: لا تتخذوا لي شريكا أيها الناس، ولا تعبدوا معبودين، فإنكم إذا عبدتم معي غيري جعلتم لي شريكا، ولا شريك لي، إنما هو إله واحد ومعبود واحد، وأنا ذلك، ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ يقول: فإياي فاتقوا وخافوا عقابي بمعصيتكم إياي إن عصيتموني وعبدتم غيري، أو أشركتم في عبادتكم لي شريكا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: ولله ملك ما في السموات والأرض من شيء، لا شريك له في شيء من ذلك، هو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم، وبيده حياتهم وموتهم.
* *
وقوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾
يقول جلّ ثناؤه: وله الطاعة والإخلاص دائما ثابتا واجبا، يقال منه: وَصَبَ الدِّينُ يَصِبُ وُصُوبا ووَصْبا كما قال الدِّيلِيّ:
لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ ... يَوْما بِذَمّ الدَّهْرِ أجمَعَ وَاصِبا [البيت لأبي الأسود الدؤلي، ويقال فيه الديلي أيضا، استشهد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (١: ٣٦١) على أن معنى "واصبا": دائما. وروايته فيه كرواية المؤلف (الطبري) . واستشهد به كذلك القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٠: ١١٤) ورواه بروايتين: الأولى كرواية المؤلف، وقال قبلها، أنشد الغزنوي والثعلبي وغيرهما ... البيت. والأخرى باختلاف في الشطر الثاني. وهو: "بدم يكون الدهر أجمع واصبا" وظاهر أن هذه الرواية محرفة عن الأولى. وقال صاحب لسان العرب في "وصب". وفي التنزيل العزيز، "وله الدين واصبا" قال أبو إسحاق، قيل في معناه: دائبا: أي طاعته دائمة واجبة أبدا. قال: ويجوز، والله أعلم أن يكون "وله الدين واصبا": أي له الدين والطاعة، رضي العبد بما يؤمر به، أو لم يرض به، سهل عليه، أو لم يسهل، فله الدين وإن كان فيه الوصب، والوصب: شدة التعب، وفيه: "بعذاب واصب" أي دائم ثابت. وقيل: موجع.]
ومنه قول الله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ ، وقول حسان:
غَيَّرَتْهُ الرِّيحُ تَسْفِي بِهِ ... وهَزِيمٌ رَعْدُهُ وَاصِبٌ [البيت لحسان بن ثابت (ديوانه طبع ليدن سنة ١٩١٠ ص ٦١) وقبله بيت وهو المطلع: قَدْ تَعَفَّى بَعْدَنا عاذِبُ ... ما بِهِ بادٍ وَلا قارِبُ وتسفى به: تحمل إليه التراب. والهزيم: السحاب المتشقق بالمطر. يقول: غير هذا المكان ما تسفيه الريح عليه من التراب، وما يأتي به السحاب من مطر رعده دائم.]
فأما من الألم، فإنما يقال: وصب الرجل يوصب وصبا، وذلك إذا أعيا وملّ، ومنه قول الشاعر:
لا يغْمِزُ السَّاقَ مِنْ أيْنِ ولا وَصَبٍ ... ولا يعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ [هذا البيت لأعشى باهلة، واسمه عامر بن الحارث جمهرة أشعار العرب لمحمد بن أبي الخطاب القرشي (١٣٥ - ١٣٧) من قصيدة يقولها في أخ له اسمه المنتشر، قتله بنو الحارث بن كعب وقطعوه إربا إربا (عضوا عضوا) برجل منهم كان فعل معه مثل ذلك. ورواية البيت فيه وفي اللسان (صفر) : لا يَتَأَسَّى لِمَا فِي الْقِدْرِ يَرْقبُهُ ... ولا يَعَضُّ عَلى شُرْسُوفِهِ الصَّفْرُ قال: والصفر دويية تكون في البطن، تدعيها الأعراب، ويكون منها الجوع. وخطأ رواية البيت الصاغاني، وأورده كرواية المؤلف. (انظر هامش اللسان: أرى) . والغمز: العصر باليد. والشرسوف: جمعه شراسيف، وهي أطراف أضلاع الصدر التي تشرف على البطن.] وقد اختلف أهل التأويل في تأويل الواصب، فقال بعضهم: معناه، ما قلنا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن الأغرّ بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نضرة، عن ابن عباس ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما.
⁕ حدثني إسماعيل بن موسى، قال: أخبرنا شريك، عن أبي حصين، عن عكرمة، في قوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما.
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن يعلى بن النعمان، عن عكرمة، قال: دائما.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما.
⁕ حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما.
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة وأبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما.
⁕ حدثني المثنى، قال: أخبرنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ : أي دائما، فإن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا من خلقه إلا عبده طائعا أو كارها.
⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَاصِبًا﴾ قال: دائما، ألا ترى أنه يقول ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي دائم.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: دائما، والواصب: الدائم.
وقال آخرون: الواصب في هذا الموضع: الواجب.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن قيس، عن يَعَلَى بن النعمان، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: واجبا.
وكان مجاهد يقول: معنى الدين في هذا الموضع: الإخلاص. وقد ذكرنا معنى الدين في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال: الإخلاص.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: الدين: الإخلاص.
* *
وقوله ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾
يقول تعالى ذكره: أفغير الله أيها الناس تتقون، أي ترهبون وتحذرون أن يسلبكم نعمة الله عليكم بإخلاصكم العبادة لربكم، وإفرادكم الطاعة له، وما لكم نافع سواه.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 49 إلى 50 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 49.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ أَيْ مِنْ كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ.
(وَالْمَلائِكَةُ) يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُمْ بِالذِّكْرِ لاختصاصهم بِشَرَفِ الْمَنْزِلَةِ، فَمَيَّزَهُمْ مِنْ صِفَةِ الدَّبِيبِ بِالذِّكْرِ وَإِنْ دَخَلُوا فِيهَا، كَقَوْلِهِ:" فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [راجع ج ١٧ ص ١٨٥.] ". وَقِيلَ: لِخُرُوجِهِمْ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَدِبُّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْأَجْنِحَةِ، فَلَمْ يَدْخُلُوا فِي الْجُمْلَةِ فَلِذَلِكَ ذُكِرُوا. وَقِيلَ: أَرَادَ "وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ" مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ، "وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ" وَتَسْجُدُ مَلَائِكَةُ الْأَرْضِ.
(وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِمْ. وَهَذَا رَدٌّ عَلَى قُرَيْشٍ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ. وَمَعْنَى (يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) أَيْ عِقَابَ رَبِّهِمْ وَعَذَابَهُ، لِأَنَّ الْعَذَابَ الْمُهْلِكَ إِنَّمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى يَخَافُونَ قُدْرَةَ رَبِّهِمُ الَّتِي هِيَ فَوْقَ قُدْرَتِهِمْ، فَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ. وَقِيلَ: مَعْنَى "يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ" يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، يَخَافُونَ رَبَّهُمْ وَهِيَ مِنْ فَوْقِ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَمَعَ ذَلِكَ يَخَافُونَ، فَلَأَنْ يَخَافَ مَنْ دُونَهُمْ أَوْلَى، دَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ يعنى الملائكة.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 50 إلى 52 معاً في نص واحد.
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ كَقَوْلِهِ: "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ" [الأنعام: ١٨] .
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَمْعَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّعَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعَ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهَا مَلَكٌ يُمَجِّدُ اللَّهَ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ، وَلَصَعِدْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ"، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: "يَا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعَضَّدُ". رَوَاهُ أَبُو عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ وَقَالَ: "إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ" [أخرجه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في فضل البكاء من خشية الله: ٦ / ٦٠١، وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وابن ماجه في الزهد، باب الحزن والبكاء: ٢ / ١٤٠٢، وصححه الحاكم في المستدرك: ٢ / ٥١٠، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: ٥ / ١٧٣. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٦٩-٣٧٠.] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ﴾ الطَّاعَةُ وَالْإِخْلَاصُ ﴿وَاصِبًا﴾ دَائِمًا ثَابِتًا.
مَعْنَاهُ: لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يُدَانُ لَهُ وَيُطَاعُ إِلَّا انْقَطَعَ ذَلِكَ عَنْهُ بِزَوَالٍ أَوْ هَلَاكٍ، غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ الطَّاعَةَ تَدُومُ لَهُ وَلَا تَنْقَطِعُ.
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ أَيْ: تَخَافُونَ، اسْتِفْهَامٌ عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
يفسّر المؤلف الآيات من 48 إلى 50 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 48.
قرأ جمهور القراء ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ . . ) وقرأ حمزة والكسائى : ( أو لم تروا ) بالتاء ، على الخطاب ، على طريقة الالتفات .وقوله ( من شئ ) بيان للإِبهام الذى فى " ما " الموصولة فى قوله ( إلى مَا خَلَقَ الله ) .وقوله ( يتفيؤ ) من التفيؤ ، بمعنى الرجوع . يقال : فاء فلان يفئ إذا رجع وفاء الظل فيئا ، إذا عاد بعد إزالة ضوء الشمس له . وتفيؤ الظلال : تنقلها من جهة إلى أخرى بعد شروق الشمس ، وبعد زوالها .والظلال : جمع ظل ، وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور .و ( داخرون ) من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع ، يقال : دخر فلان يدخر دخورا ، ودخر - بزنة فرح - يدخر دخرا ، إذا انقاد لغيره وذل له .والمعنى : أعمى هؤلاء المشركون الذين مكروا السيئات ، ولم يروا ما خلق الله - تعالى - من الأشياء ذوات الظلال - كالجبال والأشجار وغيرها - وهى تتنقل ظلالها . من جانب إلى جانب ، ومن جهة إلى جهة ، باختلاف الأوقات وهى فى كل الأحوال والأوقات منقادة لأمر الله - تعالى - جارية على ما أراده لها من امتداد وتقلص وغير ذلك ، خاضعة كل الخضوع لما سخرت له .قال ابن كثير - رحمه الله - : يخبر - تعالى - عن عظمته وجلاله ، الذى خضع له كل شئ ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها ، جمادها وحيواناتها ومكلفوها من الإِنس والجن والملائكة ، فأخبر أن كل ماله ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال - أى بكرة وعشيا - ، فإنه ساجد بظله لله - تعالى - .والاستفهام فى قوله - تعالى - ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ . . ) للإنكار والتوبيخ ، والرؤية بصرية .أى : قد رأوا كل ذلك ، ولكنهم لم ينتفعوا بما رأوا ، ولم يتعظوا بما شاهدوا .والمراد بقوله : ( عَنِ اليمين والشمآئل ) جهتهما ، وليس المراد التقييد بذلك ، إذ أن الظل أحيانا يكون أمام الإِنسان وأحيانا يكون خلفه . وإنما ذكر اليمين والشمائل اختصارا للكلام .وأفرد اليمين ، لأن المراد به جنس الجهة ، كما يقال : المشرق ، أى جهة المشرق ، وجمع ( الشمائل ) - مفرده شمال - ، لأن المقصود تعدد هذه الجهة باعتبار تعدد أصحابها .قال الشوكانى : قال الفراء : وحد اليمين ، لأنه أراد واحدا من ذوات الأظلال ، وجمع الشمائل ، لأنه أراد كلها .وقال الواحدى : وحد اليمين والمراد به الجميع إيجازا فى اللفظ ، كقوله ( ويولون الدبر ) ودلت الشمائل على أن المراد به الجمع . وقيل : إن العرب إذا ذكرت صيغتى جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد ، كما فى قوله - تعالى - ( وَجَعَلَ الظلمات والنور . . . ) وقوله - سبحانه - : ( سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ) . حال من ( ظلاله ) أى : حال كون هذه الأشياء وظلالها سجدا لله - تعالى - ، وحال كون الجميع لا يمتنع عن أمر الله - تعالى - ، بل الكل خاضع له - سبحانه - كل الخضوع .