مقارنة التفاسير
الشعراء · الآية 125
﴿١٢٥﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الشعراء · الآية 125
﴿١٢٥﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
يفسّر المؤلف الآيات من 124 إلى 127 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 124.
إذ قال لهم أخوهم هود: ألا تخشون الله فتخلصوا له العبادة؟ إني مرسَل إليكم لهدايتكم وإرشادكم، حفيظ على رسالة الله، أبلِّغها لكم كما أمرني ربي، فخافوا عقاب الله وأطيعوني فيما جئتكم به مِن عند الله. وما أطلب منكم على إرشادكم إلى التوحيد أيَّ نوع من أنواع الأجر، ما أجري إلا على رب العالمين.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ أي: أرسلني الله إليكم, رحمة بكم, واعتناء بكم، وأنا أمين, تعرفون ذلك مني.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف هذه الآية مع آيات قبلها أو بعدها في نص واحد.
وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ [اللَّهِ تَعَالَى عَنْ] [زيادة من ف، أ.] عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ هُودٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ دَعَا قَوْمَهُ عَادًا، وَكَانُوا قَوْمًا يَسْكُنُونَ الْأَحْقَافَ، وَهِيَ: جِبَالُ الرَّمَلِ قَرِيبًا مِنْ بِلَادِ حَضْرَمَوْتَ مُتَاخِمَةً [في ف: "متخمة".] لِبِلَادِ الْيَمَنِ، وَكَانَ زَمَانُهُمْ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ، [كَمَا قَالَ فِي "سُورَةِ الْأَعْرَافِ": ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ] وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [زيادة من ف، أ.] [الْأَعْرَافِ:٦٩] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي غَايَةٍ مِنْ قُوَّةِ التَّرْكِيبِ، وَالْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ الشَّدِيدِ، وَالطُّولِ الْمَدِيدِ، وَالْأَرْزَاقِ الدَّارَّةِ، وَالْأَمْوَالِ وَالْجَنَّاتِ [في أ: "والجنان".] وَالْعُيُونِ، وَالْأَبْنَاءِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ مَعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ رَسُولَا وَبَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَتَهُ وَعَذَابَهُ فِي مُخَالَفَتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ كَمَا قَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ، اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الرِّيعِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ عِنْدَ جَوَادِّ الطُّرُقِ الْمَشْهُورَةِ. تَبْنُونَ هُنَاكَ بِنَاءً مُحْكَمًا بَاهِرًا هَائِلًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ أَيْ: مَعْلَمًا بِنَاءً مَشْهُورًا، تَعْبَثُونَ، وَإِنَّمَا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَبَثًا لَا لِلِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ؛ بَلْ لِمُجَرَّدِ اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ وَإِظْهَارِ الْقُوَّةِ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمْ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلزَّمَانِ وَإِتْعَابٌ لِلْأَبْدَانِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَاشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُجْدِي فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَصَانِعُ: الْبُرُوجُ الْمُشَيَّدَةُ، وَالْبُنْيَانُ الْمُخَلَّدُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: بروج الحمام.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَأْخَذُ الْمَاءِ. قَالَ قَتَادَةُ: وَقَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ [في ف: "الكوفيين".] : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ كَأَنَّكُمْ خَالِدُونَ".
وَفِي الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أَيْ: لِكَيْ تُقِيمُوا فِيهَا أَبَدًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَاصِلٍ لَكُمْ، بَلْ زَائِلٌ عَنْكُمْ، كَمَا زَالَ عَمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلان، حَدَّثَنِي عَوْن بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَّا رَأَى مَا أَحْدَثَ الْمُسْلِمُونَ فِي الغُوطة مِنَ الْبُنْيَانِ وَنَصْبِ الشَّجَرِ، قَامَ فِي مَسْجِدِهِمْ فَنَادَى: يَا أَهْلَ دِمَشْقَ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ! أَلَا تَسْتَحْيُونَ! تَجْمَعُونَ مَا لَا تَأْكُلُونَ، وَتَبْنُونَ مَا لَا تَسْكُنُونَ، وَتَأْمُلُونَ مَا لَا تُدْرِكُونَ، إِنَّهُ كَانَتْ قَبْلَكُمْ [في ف: "قد كانت قبلكم" وفي أ: "قد كانت لكم".] قُرُونٌ، يَجْمَعُونَ فَيُرْعُونَ، وَيَبْنُونَ فَيُوثِقُونَ [في أ: "فيوبقون".] ، وَيَأْمُلُونَ فَيُطِيلُونَ، فَأَصْبَحَ أَمَلُهُمْ غُرُورًا، وَأَصْبَحَ جَمْعُهُمْ بُورًا، وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ [في ف: "منازلهم".] قُبُورًا، أَلَا إِنَّ عَادًا مَلَكَتْ مَا بَيْنَ عَدَنَ وَعُمَانَ خَيْلًا وَرِكَابًا، فَمَنْ يَشْتَرِي مِنِّي مِيرَاثَ عَادٍ بِدِرْهَمَيْنِ؟.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ وَصَفَهُمْ بِالْقُوَّةِ وَالْغِلْظَةِ وَالْجَبَرُوتِ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أَيِ: اعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَأَطِيعُوا رَسُولَكُمْ.
ثُمَّ شَرَعَ يُذَكِّرُهُمْ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أَيْ: إِنْ كَذَّبْتُمْ وَخَالَفْتُمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، فَمَا نَفَعَ فِيهِمْ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 121 إلى 127 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 121.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلنا يا محمد بنوح ومن معه من المؤمنين في الفلك المشحون، حين أنزلنا بأسنا وسطوتنا، بقومه الذين كذبوه، لآية لك ولقومك المصدّقيك منهم والمكذّبيك، في أن سنتنا تنجية رسلنا وأتباعهم، إذا نزلت نقمتنا بالمكذبين بهم من قومهم، وإهلاك المكذبين بالله، وكذلك سنتي فيك وفي قومك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول: ولم يكن أكثر قومك بالذين يصدّقونك مما سبق في قضاء الله أنهم لن يؤمنوا. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه ممن كفر به، وخالف أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالتائب منهم، أن يعاقبه بعد توبته.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ رسل الله إليهم. ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ عقاب الله على كفركم به. ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من ربي يأمركم بطاعته، ويحذركم على كفركم بأسه، ﴿أَمِينٌ﴾ على وحيه ورسالته. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بطاعته والانتهاء إلى ما يأمركم وينهاكم ﴿وأطيعون﴾ فيما آمركم به من اتقاء الله وتحذيركم سطوته. (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) يقول: وما أطلب منكم على أمري إياكم باتقاء الله جزاء ولا ثوابا. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: ما جزائي وثوابي على نصيحتي إياكم إلا على ربّ العالمين.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف هذه الآية مع آيات قبلها أو بعدها في نص واحد.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ التَّأْنِيثُ بِمَعْنَى الْقَبِيلَةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَتَكْذِيبُهُمُ الْمُرْسَلِينَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) بَيِّنٌ الْمَعْنَى وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ الرِّيعُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، جَمْعُ رِيعَةٍ. وَكَمْ رِيعُ أَرْضِكَ أَيْ كَمِ ارْتِفَاعُهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: الرِّيعُ الطَّرِيقُ. وهو قول الضحاك والكلبي ومقاتل والسدي. وقال ابن عباس أيضا. ومنه قول المسيب ابن عَلَسٍ:
فِي الْآلِ يَخْفِضُهَا وَيَرْفَعُهَا ... رِيعٌ يَلُوحُ كأنه سحل
شَبَّهَ الطَّرِيقَ بِثَوْبٍ أَبْيَضَ. النَّحَّاسُ: وَمَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ لِمَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ ريع وللطريق ريع. قال الشاعر [هو ذو الرمة يصف بازيا. وفي ديوانه- طبع أوربا- "واقع" بدل "مشرق".] :
طِرَاقُ الْخَوَافِي مَشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ ... نَدَى لَيْلِهِ فِي رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وَقَالَ عُمَارَةُ: الرِّيعُ الْجَبَلُ الْوَاحِدُ رِيعَةٌ وَالْجَمْعُ رِيَاعٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْفَجُّ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ. وَعَنْهُ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وَعَنْهُ: الْمَنْظَرَةُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ: كَانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ إِذَا سَافَرُوا، فَبَنَوْا عَلَى الطَّرِيقِ أَمْثَالًا طِوَالًا ليهتدوا بها: يدل عليه قوله "آيَةً" أَيْ عَلَامَةً. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيعُ بُنْيَانُ الْحَمَامِ دَلِيلُهُ "تَعْبَثُونَ" أَيْ تَلْعَبُونَ، أَيْ تَبْنُونَ بِكُلِّ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ آيَةً. عَلَمًا تَلْعَبُونَ بِهَا عَلَى مَعْنَى أَبْنِيَةِ الْحَمَامِ وَبُرُوجِهَا. وَقِيلَ: تَعْبَثُونَ بِمَنْ يَمُرُّ فِي الطَّرِيقِ أَيْ تَبْنُونَ بِكُلِّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ لِتُشْرِفُوا عَلَى السَّابِلَةِ فَتَسْخَرُوا مِنْهُمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّهُ عَبَثُ الْعَشَّارِينَ بِأَمْوَالِ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الربع الصَّوْمَعَةُ، وَالرِّيعُ الْبُرْجُ مِنَ الْحَمَامِ يَكُونُ فِي الصَّحْرَاءِ. وَالرِّيعُ التَّلُّ الْعَالِي. وَفِي الرِّيعِ لُغَتَانِ: كَسْرُ الرَّاءِ وَفَتْحُهَا وَجَمْعُهَا أَرْيَاعٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ﴾ أَيْ مَنَازِلَ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ. وَقِيلَ: حُصُونًا مُشَيَّدَةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تَرَكْنَا دِيَارَهُمْ مِنْهُمْ قِفَارًا ... وَهَدَّمْنَا الْمَصَانِعَ وَالْبُرُوجَا
وَقِيلَ: قُصُورًا مُشَيَّدَةً، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا. وَعَنْهُ: بُرُوجُ الْحَمَامِ، وَقَالَهُ السُّدِّيُّ. قُلْتُ: وَفِيهِ بُعْدٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الرِّيعِ أَنَّهُ بُنْيَانُ الْحَمَامِ فَيَكُونُ تَكْرَارًا فِي الْكَلَامِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَآجِلُ لِلْمَاءِ تَحْتَ الْأَرْضِ. وَكَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّهَا مَصَانِعُ الْمَاءِ، وَاحِدَتُهَا مُصْنَعَةٌ وَمَصْنَعٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
بَلِينَا وَمَا تَبْلَى النُّجُومُ الطَّوَالِعُ ... وَتَبْقَى الجبال بعدنا والمصانع
الْجَوْهَرِيُّ: الْمُصْنَعَةُ كَالْحَوْضِ يَجْتَمِعُ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ، وَكَذَلِكَ الْمُصْنُعَةُ بِضَمِّ النُّونِ. وَالْمَصَانِعُ الْحُصُونُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ لِكُلِّ بِنَاءٍ مُصْنُعَةٌ. حَكَاهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: الْمَصَانِعُ عِنْدَنَا بِلُغَةِ الْيَمَنِ الْقُصُورُ الْعَادِيَّةُ.
(لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) أَيْ كَيْ تَخْلُدُوا. وَقِيلَ: لَعَلَّ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ أَيْ فَهَلْ "تَخْلُدُونَ" كَقَوْلِكَ: لَعَلَّكَ تَشْتُمُنِي أَيْ هَلْ تَشْتُمُنِي. رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَيْمَا تَخْلُدُونَ لَا تَتَفَكَّرُونَ فِي الْمَوْتِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: كَأَنَّكُمْ خَالِدُونَ بَاقُونَ فِيهَا. وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ "كَأَنَّكُمْ تَخْلُدُونَ" [مبنى للمفعول مخففا ومشددا.] ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. وَحَكَى قَتَادَةُ: أَنَّهَا كَانَتْ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ "كَأَنَّكُمْ خَالِدُونَ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ الْبَطْشُ السَّطْوَةُ وَالْأَخْذُ بِالْعُنْفِ. وَقَدْ بَطَشَ بِهِ يَبْطُشُ وَيَبْطِشُ بَطْشًا. وَبَاطَشَهُ مُبَاطَشَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: الْبَطْشُ الْعَسْفُ قَتْلًا بِالسَّيْفِ وَضَرْبًا بِالسَّوْطِ. وَمَعْنَى ذَلِكَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ظُلْمًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: هُوَ ضَرْبٌ بِالسِّيَاطِ، وَرَوَاهُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقِيلَ: هُوَ الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ فِي غَيْرِ حَقٍّ. حَكَاهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَالْحَسَنُ: هُوَ القتل على الغصب مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ. وَكُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ الْمُؤَاخَذَةُ عَلَى الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ مِنْ غَيْرِ عَفْوٍ وَلَا إِبْقَاءٍ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَ مَالِكٌ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مُوسَى: "فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يَا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ" وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَسُلَّ عَلَيْهِ سَيْفًا وَلَا طَعَنَهُ بِرُمْحٍ، وَإِنَّمَا وَكَزَهُ وَكَانَتْ مَنِيَّتُهُ فِي وَكْزَتِهِ. وَالْبَطْشُ يَكُونُ بِالْيَدِ وَأَقَلُّهُ الْوَكْزُ وَالدَّفْعُ، وَيَلِيهُ السَّوْطُ وَالْعَصَا، وَيَلِيهُ الْحَدِيدُ، وَالْكُلُّ مَذْمُومٌ إِلَّا بِحَقٍّ. وَالْآيَةُ نَزَلَتْ خَبَرًا عَمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَوَعْظًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَنَا فِي مُجَانَبَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي ذَمَّهُمْ بِهِ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ الْمَذْمُومَةُ قَدْ صَارَتْ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لَا سِيَّمَا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مُنْذُ وَلِيَتْهَا الْبَحْرِيَّةُ، فَيَبْطِشُونَ [البحرية: هم من المماليك الأتراك الذين استخدمهم الملك الصالح الايوبي، وأسكنهم جزيرة الروضة. وأول ملوكهم عز الدين أيبك. وكانت مدة حكمهم من سنة ٧٨٤ - ٦٤٨ هـ.] بِالنَّاسِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا فِي غَيْرِ حَقٍّ. وَقَدْ أخبر ﷺ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ. كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وكذا". وخرج أبو داود مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:" إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ [العينة أن تبيع مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ معلوم ثم تشتريها منه بأقل من الثمن الذي بعتها به.] وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ". "جَبَّارِينَ" قَتَّالِينَ. وَالْجَبَّارُ الْقَتَّالُ فِي غَيْرِ حَقٍّ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ﴾ قاله الهروي. وقيل: لجبار الْمُتَسَلِّطُ الْعَاتِي، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أَيْ بِمُسَلَّطٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
سَلَبْنَا مِنَ الْجَبَّارِ بِالسَّيْفِ مُلْكَهُ ... عَشِيًّا وَأَطْرَافُ الرِّمَاحِ شَوَارِعُ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ تَقَدَّمَ.
(وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ) أَيْ مِنَ الْخَيْرَاتِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ: "أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ" أَيْ سَخَّرَ ذَلِكَ لَكُمْ وَتَفَضَّلَ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَهُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْبَدَ وَيُشْكَرَ وَلَا يُكْفَرَ.
(إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) إِنْ كَفَرْتُمْ بِهِ وَأَصْرَرْتُمْ عَلَى ذَلِكَ.
(قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ) كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ لَا نَسْمَعُ مِنْكَ وَلَا نَلْوِي عَلَى مَا تَقُولُهُ. وَرَوَى الْعَبَّاسُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَبِشْرٍ عَنِ الْكِسَائِيِّ: "أَوَعَظْتَ" مُدْغَمَةٌ الظَّاءِ فِي التَّاءِ وَهُوَ بَعِيدٌ، لِأَنَّ الظَّاءَ حَرْفُ إِطْبَاقٍ إِنَّمَا يُدْغَمُ فِيمَا قَرُبَ مِنْهُ جِدًّا وَكَانَ مِثْلَهُ وَمَخْرَجَهُ.
(إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) أَيْ دِينُهُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: عَادَةُ الْأَوَّلِينَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ: "خَلْقُ الْأَوَّلِينَ". الْبَاقُونَ "خُلُقُ". قَالَ الْهَرَوِيُّ: وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأولين" أي اختلافهم وَكَذِبُهُمْ، وَمَنْ قَرَأَ: "خُلُقُ الْأَوَّلِينَ" فَمَعْنَاهُ عَادَتُهُمْ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ بِأَحَادِيثِ الْخُلُقِ أَيْ بالخرافات والأحاديث المفتعلة. وقال ابن الاعرابي: الْخُلُقُ الدِّينُ وَالْخُلُقُ الطَّبْعُ وَالْخُلُقُ الْمُرُوءَةُ. قَالَ النَّحَّاسُ: "خُلُقُ الْأَوَّلِينَ" عِنْدَ الْفَرَّاءِ يَعْنِي عَادَةَ الْأَوَّلِينَ. وَحَكَى لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: "خُلُقُ الْأَوَّلِينَ" مَذْهَبُهُمْ وَمَا جَرَى عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقَوْلَانِ مُتَقَارِبَانِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا "أَيْ أَحْسَنُهُمْ مَذْهَبًا وَعَادَةً وَمَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَانَ حَسَنَ الْخُلُقِ فَاجِرًا فَاضِلًا، وَلَا أَنْ يَكُونَ أَكْمَلَ إِيمَانًا مِنَ السَّيِّئِ الْخُلُقِ الَّذِي لَيْسَ بِفَاجِرٍ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حُكِيَ لَنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ مَعْنَى" خُلُقُ الْأَوَّلِينَ "تَكْذِيبُهُمْ وَتَخَرُّصُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَمِيلُ إِلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، لِأَنَّ فِيهَا مَدْحَ آبَائِهِمْ، وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ الْقُرْآنُ فِي صِفَتِهِمْ مَدْحُهُمْ لِآبَائِهِمْ، وَقَوْلِهِمْ:" إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ". وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّهُ قَرَأَ: "خُلْقُ" بِضَمِّ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ تَخْفِيفُ "خُلُقُ". وَرَوَاهَا ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَصْحَابِ نَافِعٍ عَنْ نَافِعٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى "خُلُقُ الْأَوَّلِينَ" دِينُ الْأَوَّلِينَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ أَيْ دِينَ اللَّهِ. وَ "خُلُقُ الْأَوَّلِينَ" عَادَةُ الْأَوَّلِينَ: حَيَاةٌ ثُمَّ مَوْتٌ وَلَا بَعْثَ. وَقِيلَ: مَا هَذَا الَّذِي أَنْكَرْتَ عَلَيْنَا مِنَ الْبُنْيَانِ وَالْبَطْشِ إِلَّا عَادَةُ مَنْ قَبْلَنَا فَنَحْنُ نَقْتَدِي بِهِمْ (وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) عَلَى مَا نَفْعَلُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى خَلْقُ أَجْسَامِ الْأَوَّلِينَ، أَيْ مَا خُلِقْنَا إِلَّا كَخَلْقِ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ خُلِقُوا قبلنا وماتوا، ولم ينزل بهم شي مِمَّا تُحَذِّرُنَا بِهِ مِنَ الْعَذَابِ.
(فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ) أَيْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي فِي "الْحَاقَّةِ".
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أَسْلَمَ مَعَهُ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ وَمِئُونَ وَهَلَكَ بَاقِيهِمْ.
(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 117 إلى 128 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 117.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ﴾ فَاحْكُمْ، ﴿بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ حُكْمًا، ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ الْمُوَقَّرِ الْمَمْلُوءِ مِنَ النَّاسِ وَالطَّيْرِ وَالْحَيَوَانِ كُلِّهَا.
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ أَيْ: أَغْرَقْنَا بَعْدَ إِنْجَاءِ نُوحٍ، وَأَهْلِهِ: مَنْ بَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ﴾ يَعْنِي فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ، ﴿أَلَّا تَتَّقُونَ﴾﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ عَلَى الرِّسَالَةِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: أَمِينٌ فِيكُمْ قَبْلَ الرسالة، فكيف تتهموني الْيَوْمَ؟.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ قَالَ الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ: بِكُلِّ شَرَفٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُوَ الْفَجُّ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ. وَعَنْهُ أَيْضًا: إِنَّهُ الْمَنْظَرَةُ.
﴿آيَةً﴾ أَيْ: عَلَامَةً، ﴿تَعْبَثُونَ﴾ بِمَنْ مَرَّ بِالطَّرِيقِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْنُونَ الْمَوَاضِعَ الْمُرْتَفِعَةَ لِيُشْرِفُوا عَلَى الْمَارَّةِ وَالسَّابِلَةِ فَيَسْخَرُوا مِنْهُمْ وَيَعْبَثُوا بِهِمْ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ: هَذَا فِي بُرُوجِ الْحَمَامِ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ هُودٌ اتِّخَاذَهَا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ أَيْ: تَلْعَبُونَ، وَهُمْ كَانُوا يَلْعَبُونَ بِالْحَمَامِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ: الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ [انظر هذه الأقوال في الطبري: ١٩ / ٩٣-٩٤، زاد المسير: ٦ / ١٣٥-١٣٦، وقال ابن كثير: (٣ / ٣٤٢) : "اختلف المفسرون في "الريع" بما حاصله: أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة، يبنون هناك بنيانا محكما هائلا باهرا، ولهذا قال: "أتبنون بكل ريع آية" أي: معلما بناء مشهورا، "تعبثون" أي: وإنما تفعلون ذلك عبثا، لا للاحتياج إليه، بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة، ولهذا أنكر عليهم نبيهم عليه السلام ذلك، لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان، في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة ".]
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
يفسّر المؤلف هذه الآية مع آيات قبلها أو بعدها في نص واحد.
وقد افتتح هود نصحه لقومه ، بحضهم على تقوى الله وإخلاص العبادة له وبيان أنه أمين فى تبليغ رسالة الله - تعالى - إليهم ، فهو لا يكذب عليهم ولا يخدعهم .