مقارنة التفاسير
النمل · الآية 86
فِيهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ ﴿٨٦﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
النمل · الآية 86
فِيهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ ﴿٨٦﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ألم ير هؤلاء المكذبون بآياتنا أنا جعلنا الليل يستقرُّون فيه وينامون، والنهار يبصرون فيه للسعي في معاشهم؟ إن في تصريفهما لَدلالة لقوم يؤمنون بكمال قدرة الله ووحدانيَّته وعظيم نعمه.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
أي: ألم يشاهدوا هذه الآية العظيمة والنعمة الجسيمة وهو تسخير الله لهم الليل والنهار، هذا بظلمته ليسكنوا فيه ويستريحوا من التعب ويستعدوا للعمل، وهذا بضيائه لينتشروا فيه في معاشهم وتصرفاتهم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ على كمال وحدانية الله وسبوغ نعمته.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 83 إلى 86 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 83.
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَحَشْرِ الظَّالِمِينَ الْمُكَذِّبِينَ [في ف، أ: "الظالمين مع المكذبين".] بِآيَاتِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ إِلَى بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لِيَسْأَلَهُمْ عَمَّا فَعَلُوهُ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا، وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا فَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ قَوْمٍ وَقَرْنٍ [في ف: "قرن وقوم".] فَوْجًا، أَيْ: جَمَاعَةً، ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُدْفَعُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَزَعَةٌ تَرُدُّ [في ف، أ: "يرد".] أَوَّلَهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يُسَاقُونَ.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ أَيْ: أُوقِفُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فِي مَقَامِ الْمُسَاءَلَةِ، ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: وَيُسْأَلُونَ [في ف: "فيسألون".] عَنِ اعْتِقَادِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمْ فَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى. وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الْقِيَامَةِ: ٣١، ٣٢] ، فَحِينَئِذٍ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ يَعْتَذِرُونَ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٣٥، ٣٧] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ أَيْ: بُهِتُوا فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَوَابٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ظَلَمَةً لِأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ رُدُّوا إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الَّذِي لَا تَخْفَى [في ف: "لا يخفى".] عَلَيْهِ خَافِيَةٌ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ، وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، وَشَأْنِهِ الرَّفِيعِ الَّذِي تَجِبُ طَاعَتُهُ وَالِانْقِيَادُ لِأَوَامِرِهِ، وَتَصْدِيقِ أَنْبِيَائِهِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي لَا مَحيد عَنْهُ، فَقَالَ ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أَيْ: فِيهِ ظَلَامٌ تَسْكُنُ [في ف: "يسكن".] بِسَبَبِهِ حَرَكَاتُهُمْ، وَتَهْدَأُ أَنْفَاسُهُمْ، وَيَسْتَرِيحُونَ مِنْ نَصَب التَّعَبِ فِي نَهَارِهِمْ. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أَيْ: مُنِيرًا مُشْرِقًا، فَبِسَبَبِ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُونَ فِي الْمَعَايِشِ والمكاسب، والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شؤونهم الَّتِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 85 إلى 86 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 85.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ووجب السخط والغضب من الله على المكذّبين بآياته ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ يعني بتكذيبهم بآيات الله، يوم يحشرون ﴿فهم لا ينطقون﴾
يقول: فهم لا ينطقون بحجة يدفعون بها عن أنفسهم عظيم ما حلّ بهم ووقع عليهم من القول.
* *
وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾
يقول تعالى ذكره: ألم ير هؤلاء المكذّبون بآياتنا تصريفنا الليل والنهار، ومخالفتنا بينهما بتصييرنا هذا سكنًا لهم يسكنون فيه ويهدءون، راحة أبدانهم من تعب التصرِّف والتقلب نهارا، وهذا مضيئا يبصرون فيه الأشياء ويعاينونها فيتقلبون فيه لمعايشهم، فيتفكروا في ذلك، ويتدبروا، ويعلموا أن مصرِّف ذلك كذلك هو الإله الذي لا يعجزه شيء، ولا يتعذر عليه إماتة الأحياء، وإحياء الأموات بعد الممات، كما لم يتعذر عليه الذهاب بالنهار والمجيء بالليل، والمجيء بالنهار والذهاب بالليل مع اختلاف أحوالهما ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: إن في تصييرنا الليل سكنا، والنهار مبصرا لدلالة لقوم يؤمنون بالله على قدرته على ما آمنوا به من البعث بعد الموت، وحجة لهم على توحيد الله.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 82 إلى 86 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 82.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى وَقَعَ الْقَوْلُ وَفِي الدَّابَّةِ، فَقِيلَ: مَعْنَى "وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ" وَجَبَ الْغَضَبُ عَلَيْهِمْ، قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِذَا لَمْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَجَبَ السَّخَطُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: وَقْعُ الْقَوْلِ يَكُونُ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ، وَذَهَابِ الْعِلْمِ، وَرَفْعِ الْقُرْآنِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَكْثِرُوا تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، قَالُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفُ تُرْفَعُ فَكَيْفَ بِمَا فِي صُدُورِ الرِّجَالِ؟ قَالَ: يُسْرَى عَلَيْهِ لَيْلًا فَيُصْبِحُونَ مِنْهُ قَفْرًا، وَيَنْسَوْنَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَقَعُونَ فِي قَوْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَشْعَارِهِمْ، وَذَلِكَ حِينَ يَقَعُ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: أَسْنَدَهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنِ ابْنٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ زِيَارَةِ هَذَا الْبَيْتِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُرْفَعَ وَيَنْسَى النَّاسُ مَكَانَهُ، وَأَكْثِرُوا تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُرْفَعَ، قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذِهِ الْمَصَاحِفُ تُرْفَعُ فَكَيْفَ بِمَا فِي صُدُورِ الرِّجَالِ؟ قَالَ: فَيُصْبِحُونَ فَيَقُولُونَ كُنَّا نَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ وَنَقُولُ قَوْلًا فَيَرْجِعُونَ إِلَى شِعْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَحَادِيثِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَذَلِكَ حِينَ يَقَعُ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: الْقَوْلُ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ فَوُقُوعُ الْقَوْلِ وُجُوبُ الْعِقَابِ عَلَى هَؤُلَاءِ، فَإِذَا صَارُوا إِلَى حَدٍّ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ وَلَا يُولَدُ لَهُمْ وَلَدٌ مُؤْمِنٌ فَحِينَئِذٍ تَقُومُ الْقِيَامَةُ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. وَقَوْلٌ سَادِسٌ: قَالَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: "وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ" فَقَالَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نُوحٍ "أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ" وَكَأَنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِي غِطَاءٌ فَكُشِفَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا مِنْ حَسَنِ الْجَوَابِ، لِأَنَّ النَّاسَ مُمْتَحَنُونَ وَمُؤَخَّرُونَ لِأَنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنِينَ وَصَالِحِينَ، وَمَنْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ سَيُؤْمِنُ وَيَتُوبُ، فَلِهَذَا أُمْهِلُوا وَأُمِرْنَا بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ، فَإِذَا زَالَ هَذَا وَجَبَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ، فَصَارُوا كَقَوْمِ نُوحٍ حِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ".
قُلْتُ: وَجَمِيعُ الْأَقْوَالِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ تَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ آخِرُ الْآيَةِ "أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ" وقرى "أَنَّ" بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسَيَأْتِي. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا [لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إيمانها خير [الزيادة من صحيح مسلم.] ] طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَالدَّجَّالُ وَدَابَّةُ الْأَرْضِ "وَقَدْ مَضَى. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ هَذِهِ الدَّابَّةِ وَصِفَتِهَا وَمِنْ أَيْنَ تَخْرُجُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ" التَّذْكِرَةِ "وَنَذْكُرُهُ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُسْتَوْفًى. فَأَوَّلُ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ فَصِيلُ نَاقَةِ صَالِحٍ وَهُوَ أَصَحُّهَا- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّابَّةَ فَقَالَ:" لَهَا ثَلَاثُ خَرْجَاتٍ مِنَ الدَّهْرِ فَتَخْرُجُ فِي أَقْصَى الْبَادِيَةِ وَلَا يَدْخُلُ ذِكْرُهَا الْقَرْيَةَ- يَعْنِي مَكَّةَ- ثُمَّ تكمن زمانا طويلا ثم تحرج خَرْجَةً أُخْرَى دُونَ ذَلِكَ فَيَفْشُو ذِكْرُهَا فِي الْبَادِيَةِ وَيَدْخُلُ ذِكْرُهَا الْقَرْيَةَ "يَعْنِي مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" ثُمَّ بَيْنَمَا النَّاسُ فِي أَعْظَمِ الْمَسَاجِدِ عَلَى اللَّهِ حُرْمَةً خَيْرِهَا وَأَكْرَمِهَا عَلَى اللَّهِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا وَهِيَ تَرْغُو بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ تَنْفُضُ عَنْ رَأْسِهَا التُّرَابَ فَارْفَضَّ النَّاسُ منها شتى ومعا وثبتت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لم يُعْجِزُوا اللَّهَ فَبَدَأَتْ بِهِمْ فَجَلَتْ وُجُوهَهُمْ حَتَّى جَعَلَتْهَا كَأَنَّهَا الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ وَوَلَّتْ فِي الْأَرْضِ لَا يُدْرِكُهَا طَالِبٌ وَلَا يَنْجُو مِنْهَا هَارِبٌ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَعَوَّذُ مِنْهَا بِالصَّلَاةِ فَتَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِهِ فَتَقُولُ يَا فُلَانُ الْآنَ تُصَلِّي فَتُقْبِلُ عَلَيْهِ فَتَسِمُهُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ تَنْطَلِقُ وَيَشْتَرِكُ النَّاسُ فِي الْأَمْوَالِ وَيَصْطَلِحُونَ فِي الْأَمْصَارِ يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْكَافِرِ حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَقُولُ يَا كَافِرُ اقْضِ حَقِّي". وَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ من هذا الحديث أنه الفصيل قول: "وَهِيَ تَرْغُو" وَالرُّغَاءُ إِنَّمَا هُوَ لِلْإِبِلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَصِيلَ لَمَّا قُتِلَتِ النَّاقَةُ هَرَبَ فَانْفَتَحَ لَهُ حَجَرٌ فَدَخَلَ فِي جَوْفِهِ ثُمَّ انْطَبَقَ عَلَيْهِ، فَهُوَ فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَرُوِيَ أَنَّهَا دَابَّةٌ مُزَغَّبَةٌ شَعْرَاءُ، ذَاتُ قَوَائِمَ طُولُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا، وَيُقَالُ
إِنَّهَا الْجَسَّاسَةُ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا عَلَى خِلْقَةِ الْآدَمِيِّينَ، وَهِيَ فِي السَّحَابِ وَقَوَائِمُهَا فِي الْأَرْضِ. وروي أنها جمعت من خلق كُلِّ حَيَوَانٍ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ رَأْسُهَا رَأْسُ ثَوْرِ، وَعَيْنُهَا عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وَأُذُنُهَا أُذُنُ فِيلِ، وَقَرْنُهَا قَرْنُ أِيْلٍ، وَعُنُقُهَا عُنُقُ نَعَامَةٍ، وَصَدْرُهَا صَدْرُ أَسَدٍ، وَلَوْنُهَا لَوْنُ نَمِرٍ، وَخَاصِرَتُهَا خَاصِرَةُ هِرٍّ، وَذَنَبُهَا ذَنَبُ كَبْشٍ، وَقَوَائِمُهَا قَوَائِمُ بَعِيرٍ بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ وَمِفْصَلٍ اثْنَا عَشَرَ ذِرَاعًا- الزَّمَخْشَرِيُّ: بِذِرَاعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَيَخْرُجُ مَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ، فَتَنْكُتُ فِي وَجْهِ الْمُسْلِمِ بِعَصَا مُوسَى نُكْتَةً بَيْضَاءَ فَيَبْيَضُّ وَجْهُهُ، وَتَنْكُتُ فِي وَجْهِ الْكَافِرِ بِخَاتَمِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَسْوَدُّ وَجْهُهُ، قَالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَفِي كِتَابِ النَّقَّاشِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ الدَّابَّةَ الثُّعْبَانُ الْمُشْرِفُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَتْهَا الْعُقَابُ حِينَ أَرَادَتْ قُرَيْشُ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الدَّابَّةِ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا لَهَا ذَنَبٌ وَإِنَّ لَهَا لَلِحْيَةً. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَفِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْإِنْسِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ. قُلْتُ: وَلِهَذَا- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْأَقْرَبَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الدَّابَّةُ إِنْسَانًا مُتَكَلِّمًا يُنَاظِرُ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالْكُفْرِ وَيُجَادِلُهُمْ لِيَنْقَطِعُوا، فَيَهْلِكُ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ: وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ. قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي كِتَابِ الْمُفْهِمِ له: وإنما كَانَ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ الْأَقْرَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "تُكَلِّمُهُمْ" وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الدَّابَّةِ آيَةٌ خَاصَّةٌ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ، وَلَا يَكُونُ مِنَ الْعَشْرِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ، لِأَنَّ وُجُودَ الْمُنَاظِرِينَ وَالْمُحْتَجِّينَ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ كَثِيرٌ، فَلَا آيَةٌ خَاصَّةٌ بِهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُذْكَرَ مَعَ الْعَشْرِ، وَتَرْتَقِعُ خُصُوصِيَّةُ وُجُودِهَا إِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ، ثُمَّ فِيهِ الْعُدُولُ عَنْ تَسْمِيَةِ هَذَا الْإِنْسَانِ الْمُنَاظِرِ الْفَاضِلِ الْعَالِمِ الَّذِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يُسَمُّوهُ بِاسْمِ الْإِنْسَانِ أَوْ بِالْعَالِمِ أَوْ بِالْإِمَامِ إِلَى أَنْ يُسَمَّى بِدَابَّةٍ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ عَادَةِ الْفُصَحَاءِ، وَعَنْ تَعْظِيمِ الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ دَأْبَ الْعُقَلَاءِ، فَالْأَوْلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ. قُلْتُ: قَدْ رَفَعَ الْإِشْكَالَ فِي هَذِهِ الدَّابَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فَلْيُعْتَمَدْ عَلَيْهِ. وَاخْتُلِفَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: تَخْرُجُ مِنْ جَبَلِ الصَّفَا بِمَكَّةَ، يَتَصَدَّعُ فَتَخْرُجُ مِنْهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابن عَمْرٍو نَحْوَهُ وَقَالَ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَضَعَ قَدَمِي عَلَى مَوْضِعِ خُرُوجِهَا لَفَعَلْتُ وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "أَنَّ الْأَرْضَ تَنْشَقُّ عَنِ الدَّابَّةِ وَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَسْعَى وَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنِ الصَّفَا فَتَسِمُ بَيْنَ عَيْنَيِ الْمُؤْمِنِ هُوَ مُؤْمِنٌ سِمَةً كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ وَتَسِمُ بَيْنَ عَيْنَيِ الْكَافِرِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ كَافِرٌ" وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهَا ذَاتُ وَبَرٍ وَرِيشٍ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ شِعْبٍ فَتَمَسُّ رَأْسُهَا السَّحَابَ وَرِجْلَاهَا فِي الْأَرْضِ لَمْ تَخْرُجَا، وَتَخْرُجُ وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ: تَخْرُجُ ثَلَاثَ خَرْجَاتٍ، خَرْجَةً فِي بَعْضِ الْبَوَادِي ثُمَّ تَكْمُنُ، وَخَرْجَةً فِي الْقُرَى يَتَقَاتَلُ فِيهَا الْأُمَرَاءُ حَتَّى تَكْثُرَ الدِّمَاءُ، وَخَرْجَةً مِنْ أَعْظَمِ الْمَسَاجِدِ وَأَكْرَمِهَا وَأَشْرَفِهَا وَأَفْضَلِهَا الزَّمَخْشَرِيُّ: تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الرُّكْنِ حِذَاءَ دَارِ بَنِي مَخْزُومٍ عَنْ يَمِينِ الْخَارِجِ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَوْمٌ يَهْرُبُونَ، وَقَوْمٌ يَقِفُونَ نَظَّارَةً. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا تَخْرُجُ فِي تِهَامَةَ. وَرُوِيَ أَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ مِنْ حَيْثُ فَارَ تَنُّورُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقِيلَ: مِنْ أَرْضِ الطَّائِفِ، قَالَ أَبُو قَبِيلٍ: ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَرْضَ الطَّائِفِ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: مِنْ هُنَا تَخْرُجُ الدَّابَّةُ الَّتِي تُكَلِّمُ النَّاسَ. وَقِيلَ: من بعض أودية تهامة، قال ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: مِنْ صَخْرَةٍ مِنْ شِعْبِ أجياد، قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو. وَقِيلَ: مِنْ بَحْرِ سَدُومَ، قَالَهُ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ الْأَخِيرَةَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ. وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَبُو الْقَاسِمُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ الرَّقَاشِيِّ الْأَغَرِّ- وسيل عَنْهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَقَالَ ثِقَةٌ- عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنْ صَدْعٍ فِي الْكَعْبَةِ كَجَرْيِ الْفَرَسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَخْرُجُ ثُلُثُهَا. قُلْتُ: فَهَذِهِ أقوال الصحابة والتابعي فِي خُرُوجِ الدَّابَّةِ وَصِفَتِهَا، وَهِيَ تَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الدَّابَّةَ إِنَّمَا هِيَ إِنْسَانٌ مُتَكَلِّمٌ يُنَاظِرُ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالْكُفْرَ وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "تَخْرُجُ الدَّابَّةُ فَتَسِمُ النَّاسَ عَلَى خَرَاطِيمِهِمْ" ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. "تُكَلِّمُهُمْ" بِضَمِّ
التَّاءِ وَشَدِّ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ- مِنَ الْكَلَامِ- قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ "تُنَبِّئُهُمْ". وَقَالَ السُّدِّيُّ: تُكَلِّمُهُمْ بِبُطْلَانِ الْأَدْيَانِ سِوَى دِينِ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: تُكَلِّمُهُمْ بِمَا يَسُوءُهُمْ. وَقِيلَ: تكلمهم بلسان ذلق فتقول بصوت يسمعه عن قَرُبَ وَبَعُدَ "أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لَا يُوقِنُونَ" أَيْ بِخُرُوجِي، لِأَنَّ خُرُوجَهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَتَقُولُ: أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. وَقَرَأَ أَبُو زُرْعَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَأَبُو رَجَاءٍ: "تَكْلِمُهُمْ" بِفَتْحِ التَّاءِ مِنَ الْكَلْمِ وَهُوَ الْجَرْحُ قَالَ عِكْرِمَةُ: أَيْ تَسِمُهُمْ. وَقَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ "تُكَلِّمُهُمْ" أو "تكلمهم"؟ فقال: هي والله تكلمهم وتكلمهم، تُكَلِّمُ الْمُؤْمِنَ وَتَكْلِمُ الْكَافِرَ وَالْفَاجِرَ أَيْ تَجْرَحُهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: "تُكَلِّمُهُمْ" كَمَا تَقُولُ تُجَرِّحُهُمْ، يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ تَكْثِيرٌ مِنْ "تَكْلِمُهُمْ".
(أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لَا يُوقِنُونَ) وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَيَحْيَى: "أَنَّ" بِالْفَتْحِ. وَقَرَأَ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ وَأَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ: "إِنَّ" بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. قَالَ النَّحَّاسُ: فِي الْمَفْتُوحَةِ قَوْلَانِ وَكَذَا الْمَكْسُورَةُ، قَالَ الْأَخْفَشُ: الْمَعْنَى بِأَنَّ وَكَذَا قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ "بِأَنَّ" وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَوْضِعُهَا نَصْبٌ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ عَلَيْهَا، أَيْ تُخْبِرُهُمْ أَنَّ النَّاسَ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: "إِنَّ النَّاسَ" بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ بِمَعْنَى تَقُولُ إِنَّ النَّاسَ، يَعْنِي الْكُفَّارَ. "بِآياتِنا لَا يُوقِنُونَ" يَعْنِي بِالْقُرْآنِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَذَلِكَ حِيْنَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ كَافِرٍ إِيمَانًا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مُؤْمِنُونَ وَكَافِرُونَ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَبْلَ خُرُوجِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾ أَيْ زُمْرَةً وَجَمَاعَةً.
(مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا) يَعْنِي بِالْقُرْآنِ وَبِأَعْلَامِنَا الدَّالَّةِ عَلَى الْحَقِّ.
(فَهُمْ يُوزَعُونَ) أَيْ يُدْفَعُونَ وَيُسَاقُونَ إِلَى مَوْضِعِ الْحِسَابِ. قَالَ الشَّمَّاخُ:
وَكَمْ وَزَعْنَا مِنْ خَمِيسٍ جَحْفَلٍ ... وَكَمْ حَبَوْنَا مِنْ رَئِيسٍ مِسْحَلِ
وَقَالَ قَتَادَةُ: "يُوزَعُونَ" أَيْ يُرَدُّ أَوَّلُهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ.
(حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ) أي قال اللَّهُ (أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي) الَّتِي أَنْزَلْتُهَا عَلَى رُسُلِي، وَبِالْآيَاتِ الَّتِي أَقَمْتُهَا دَلَالَةً عَلَى تَوْحِيدِي.
(وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً) أَيْ بِبُطْلَانِهَا حَتَّى تُعْرِضُوا عنها، بل كذبتهم جاهلين غير مستدلين.
(أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ أَيْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حِيْنَ لَمْ تَبْحَثُوا عَنْهَا وَلَمْ تَتَفَكَّرُوا مَا فِيهَا.
(وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا) أَيْ وَجَبَ الْعَذَابُ عَلَيْهِمْ بِظُلْمِهِمْ أَيْ بِشِرْكِهِمْ.
(فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ) أَيْ لَيْسَ لَهُمْ عُذْرٌ وَلَا حُجَّةٌ. وَقِيلَ: يُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَلَا يَنْطِقُونَ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أَيْ يَسْتَقِرُّونَ فَيَنَامُونَ.
(وَالنَّهارَ مُبْصِراً) أَيْ يُبْصَرُ فِيهِ لِسَعْيِ الرِّزْقِ.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) بِاللَّهِ. ذَكَرَ الدَّلَالَةَ عَلَى إِلَهِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ أي ألم يعلموا كمال قدرتنا فيؤمنوا.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 85 إلى 87 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 85.
﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ وَجَبَ الْعَذَابُ، ﴿عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ بِمَا أَشْرَكُوا، ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: كَيْفَ يَنْطِقُونَ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] ، وَقِيلَ: لَا يَنْطِقُونَ لِأَنَّ أَفْوَاهَهُمْ مَخْتُومَةٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا﴾ خَلَقْنَا [ساقط من "أ".] ﴿اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ مضيا [ساقط من "أ".] يُبْصَرُ فِيهِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقُونَ فَيَعْتَبِرُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وَالصُّورُ قَرْنٌ ينفخ فيه ٦٠/أإِسْرَافِيلُ، وَقَالَ الحسن: الصور هي الْقَرْنُ، وَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ كَلَامَهُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ تُجْمَعُ فِي الْقَرْنِ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ فَتَذْهَبُ الْأَرْوَاحُ إِلَى الْأَجْسَادِ فَتَحْيَا الْأَجْسَادُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ: فَصَعِقَ، كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: "فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ" [الزمر: ٦٨] ، أَيْ: مَاتُوا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُلْقَى عَلَيْهِمُ الْفَزَعُ إِلَى أَنْ يَمُوتُوا. وَقِيلَ: يَنْفُخُ إِسْرَافِيلُ [فِي الصُّورِ] [ما بين القوسين ساقط من "أ".] . ثَلَاثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَةَ الْفَزَعِ، وَنَفْخَةَ الصَّعْقِ، وَنَفْخَةَ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [روى الطبري في ذلك حديثا مطولا مرفوعا: ٢٠ / ١٩.] . قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قَالَ: هُمُ الشُّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أَسْيَافَهُمْ حَوْلَ الْعَرْشِ [عزاه السيوطي في الدر (٧ / ٢٤٩) لأبي يعلى، والدارقطني في "الأفراد"، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في "البعث".] .
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الشُّهَدَاءُ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَا يَصِلُ الْفَزَعُ إِلَيْهِمْ [انظر: الدر المنثور: ٧ / ٢٥٠، زاد المسير: ٦ / ١٩٥.] . وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: "الشُّهَدَاءُ ثَنِيَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" [عزاه السيوطي (٧ / ٢٥٠) لسعيد بن منصور وعبد بن حميد، عن أبي هريرة موقوفا. وهو مروي أيضا عن سعيد بن جبير، انظر أيضا: معاني القرآن للنحاس: ٥ / ١٤٩.] أَيِ: الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ، وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، وَمَلَكَ الْمَوْتِ، فَلَا يَبْقِى بَعْدَ النَّفْخَةِ إِلَّا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ، ثُمَّ يَقْبِضُ اللَّهُ رُوحَ مِيكَائِيلَ، ثُمَّ رُوحَ إِسْرَافِيلَ، ثُمَّ رُوحَ مَلَكِ الْمَوْتِ، ثُمَّ رُوحَ جِبْرِيلَ فَيَكُونُ آخِرُهُمْ مُوتًا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. [انظر: زاد المسير: ٦ / ١٩٥، الدر المنثور: ٧ / ٢٥٠.] .
وَيُرْوَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِمَلِكِ الْمَوْتِ: خُذْ نَفْسَ إِسْرَافِيلَ، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ بَقِيَ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ؟ فَيَقُولُ: سُبْحَانَكَ رَبِّي تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، بَقِيَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ، فَيَقُولُ: خُذْ نَفْسَ مِيكَائِيلَ، فَيَأْخُذُ نَفْسَهُ، فَيَقَعُ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، فَيَقُولُ: مَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: سُبْحَانَكَ رَبِّي تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، بَقِيَ جِبْرِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ، فَيَقُولُ: مُتْ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، فَيَمُوتُ، فَيَقُولُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَجْهُكَ الْبَاقِي الدَّائِمُ وَجِبْرِيلُ الْمَيِّتُ الْفَانِي، قَالَ: فَيَقُولُ يَا جِبْرِيلُ لَا بُدَّ مِنْ مَوْتِكَ، فَيَقَعُ سَاجِدًا يُخْفِقُ بِجَنَاحَيْهِ فَيُرْوَى أَنَّ فَضْلَ خَلْقِهِ عَلَى فَضْلِ مِيكَائِيلَ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ عَلَى ظَرْبٍ مِنَ الظِّرَابِ [رواه الفريابي، وعبد بن حميد، وأبو نصر السجزي في "الإبانة" وابن مردويه عن أنس. انظر: الدر المنثور: ٧ / ٢٥٠.] . وَيُرْوَى أَنَّهُ يَبْقَى مَعَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ حَمَلَةُ الْعَرْشِ [استثناء حملة العرش مروي عن عكرمة في الدر المنثور: ٧ / ٢٥١.] فَيَقْبِضُ رُوحَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، ثُمَّ أَرْوَاحَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، ثُمَّ رُوحَ إِسْرَافِيلَ، ثُمَّ رُوحَ مَلَكِ الْمَوْتِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيُصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أدري أكان من اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَمْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبَلِي؟ وَمَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ" [أخرجه البخاري في مواضع كثيرة منها، تفسير سورة الزمر، وفي الأنبياء، ومسلم في الفضائل، باب من فضائل موسى عليه السلام، برقم (٢٣٧٣) : ٤ / ١٨٤٣-١٨٤٤، والمصنف في شرح السنة: ١٥ / ١٠٥. وقال: "هذا حديث متفق على صحته، أخرجاه من أوجه عن أبي هريرة".] قَالَ الضَّحَّاكُ: هُمْ رِضْوَانُ، وَالْحَوَرُ، وَمَالِكٌ، وَالزَّبَانِيَةُ. وَقِيلَ: عَقَارِبُ النَّارِ وَحَيَّاتُهَا [ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير": ٦ / ١٩٥ عن ابن شاقلا من الحنابلة، ونقل القرطبي: (١٣ / ٢٤١) وأبو حيان: (٧ / ١٠٠) عن بعض العلماء أن الصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل، والله أعلم. والذي اعتمده الطبري وابن كثير أن المراد بهم الشهداء، لأحاديث أخرى وردت في ذلك، إذ الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَكُلٌّ﴾ أَيْ: الَّذِينَ أُحْيُوا بَعْدَ الْمَوْتِ، ﴿أَتَوْهُ﴾ قَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَحَمْزَةُ، وَحَفْصٌ: "أَتَوْهُ" مَقْصُورًا بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْفِعْلِ، أَيْ: جَاءُوهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْمَدِّ وَضَمِّ التَّاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] ، ﴿دَاخِرِينَ﴾ صَاغِرِينَ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
وبعد هذا التوبيخ لهم وهم فى ساحة الحشر ، انتقلت السورة إلى توبيخهم على فعلتهم حين كانوا فى الدنيا . فتقول : ( أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا الليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً ) .أى : أبلغت الغفلة والجهالة بهؤلاء المكذبين - أنهم يعيشون - فى هذا الكون ليأكلوا ويشربوا ويتمتعوا ، دون أن يعتبروا أو يتفكروا .لقد أوجدنا لهم ليلا يسكنون فيه ، وأوجدنا لهم نهارا يبتغون فيه أرزاقهم ، وجعلنا الليل والنهار بهذا المقدار ، لتتيسر لهم أسباب الحياة والراحة ، فكيف لم يهتدوا إلى أن لهذا الكون خالقا حكيما قادرا؟( إِنَّ فِي ذَلِكَ ) الذى جعلناه ، لهم ، من وجود الليل والنهار بهذه الطريقة ( لآيَاتٍ ) بينات واضحات على وحدانيتنا وقدرتنا ( لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) بأن الله - تعالى - هو الخالق لكل شىء وهو الإله الحق لا إله سواه .وذلك ، لأن من تأمل فى تعاقب الليل والنهار بتلك الصورة البديعة المطردة ، وفى اختلافهما طولا وقصرا ، وظلمة وضياء . . . أيقن بأن لهذا الكون إلها واحدا قادرا على إعادة الحياة إلى الأموات ، ليحاسبهم على أعمالهم .قال الآلوسى : وقوله : ( والنهار مُبْصِراً ) أى : ليبصروا بما فيه من الإضاءة ، وطرق التقلب فى أمور معاشهم ، فبولغ حيث جعل الإبصار الذى هو حال الناس حالا له ، ووصفا من أوصافه التى جعل عليها بحيث لم ينفك عنها ، ولم يسلك فى الليل هذا المسلك . لما أن تأثير ظلام الليل فى السكون ، ليس بمثابة تأثير ضوء النهار فى الإبصار .