مقارنة التفاسير
آل عمران · الآية 110
عَنِ ﴿١١٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
آل عمران · الآية 110
عَنِ ﴿١١٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
أنتم -يا أمة محمد ﷺ- خير الأُمم وأنفع الناس للناس، تأمرون بالمعروف، وهو ما عُرف حسنه شرعًا وعقلًا، وتنهون عن المنكر، وهو ما عُرف قبحه شرعًا وعقلًا، وتصدقون بالله تصديقًا جازمًا يؤيده العمل. ولو آمن أهل الكتاب من اليهود والنصارى بمحمد ﷺ وما جاءهم به من عند الله كما آمنتم، لكان خيرًا لهم في الدنيا والآخرة، منهم المؤمنون المصدقون برسالة محمد ﷺ العاملون بها، وهم قليل، وأكثرهم الخارجون عن دين الله وطاعته.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يمدح تعالى هذه الأمة ويخبر أنها خير الأمم التي أخرجها الله للناس، وذلك بتكميلهم لأنفسهم بالإيمان المستلزم للقيام بكل ما أمر الله به، وبتكميلهم لغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتضمن دعوة الخلق إلى الله وجهادهم على ذلك وبذل المستطاع في ردهم عن ضلالهم وغيهم وعصيانهم، فبهذا كانوا خير أمة أخرجت للناس، لما كانت الآية السابقة وهي قوله: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ أمرا منه تعالى لهذه الأمة، والأمر قد يمتثله المأمور ويقوم به، وقد لا يقوم به، أخبر في هذه الآية أن الأمة قد قامت بما أمرها الله بالقيام به، وامتثلت أمر ربها واستحقت الفضل على سائر الأمم ﴿ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم﴾ وفي هذا من دعوته بلطف الخطاب ما يدعوهم إلى الإيمان، ولكن لم يؤمن منهم إلا قليل، وأكثرهم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله المعادون لأولياء الله بأنواع العداوة، ولكن من لطف الله بعباده المؤمنين أنه رد كيدهم في نحورهم، فليس على المؤمنين منهم ضرر في أديانهم ولا أبدانهم، وإنما غاية ما يصلون إليه من الأذى أذية الكلام التي لا سبيل إلى السلامة منها من كل معادي، فلو قاتلوا المؤمنين لولوا الأدبار فرارا ثم تستمر هزيمتهم ويدوم ذلهم ولا هم ينصرون في وقت من الأوقات
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 110 إلى 112 معاً في نص واحد.
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ فَقَالَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَيْسَرة، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ [في جـ، ر، أ، و: "يأتون".] بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ [صحيح البخاري برقم (٤٥٥٧) .] .
وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ومُجاهد، وعِكْرِمة، وعَطاء، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَطِيَّةُ العَوْفيّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَنْفَعُ النَّاسِ لِلنَّاسِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [في ر: "يؤمنون".]
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِماك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيرة عن زوج [ذُرّةَ] [زيادة من جـ، ر، أ، والمسند.] بِنْتِ أَبِي لَهَب، [عَنْ دُرَّةَ بِنْتِ أَبِي لَهَبٍ] [زيادة من جـ، ر، أ، والمسند.] قَالَتْ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ أقْرَؤهُمْ وَأَتْقَاهُمْ للهِ، وآمَرُهُمْ بِالمعروفِ، وأنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ" [المسند (٦/٤٣٢) .] .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ سِمَاكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من مكة إلى المدينة [المسند (١/٣١٩) والنسائي في السنن الكبرى (١١٠٧٢) والمستدرك (٢/٢٩٤) وَقَالَ الْحَاكِمُ: "صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ" ووافقه الذهبي.] .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عامةٌ فِي جَمِيعِ الْأُمَّةِ، كُلُّ قَرْن بِحَسْبِهِ، وَخَيْرُ قُرُونِهِمُ الَّذِينَ بُعثَ فِيهِمْ [في أ: "الذي بعث فيه".] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلونهم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أَيْ: خِيَارًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا]﴾ [زيادة من جـ، ر، أ، و.] الْآيَةَ.
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ، مِنْ رِوَايَةِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوية بْنِ حَيْدَة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أنْتُمْ خَيْرُهَا، وأنْتُمْ أكْرَمُ عَلَى اللهِ عزَّ وجَلَّ" [المسند (٤/٤٤٧) وسنن الترمذي برقم (٣٠٠١) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٨٧) والمستدرك (٤/٨٤) .] .
وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، وَقَدْ حَسَّنه التِّرْمِذِيُّ. وَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ [الْخُدْرِيِّ] [زيادة من جـ.] نَحْوَهُ.
وَإِنَّمَا حَازَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ قَصَبَ السَّبْق إِلَى الْخَيْرَاتِ بِنَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ ﷺ [في و: "صلوات الله وسلامه عليه".] فَإِنَّهُ أشرفُ خَلْقِ اللَّهِ أَكْرَمُ الرُّسُلِ عَلَى اللَّهِ، وَبَعَثَهُ اللَّهُ بِشَرْعٍ كَامِلٍ عَظِيمٍ لَمْ يُعْطه نَبِيًّا قَبْلَهُ وَلَا رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ. فَالْعَمَلُ [عَلَى] [زيادة من جـ، ر.] مِنْهَاجِهِ وَسَبِيلِهِ، يَقُومُ القليلُ مِنْهُ مَا لَا يَقُومُ العملُ الكثيرُ مِنْ أَعْمَالِ غَيْرِهِمْ مَقَامَهُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا ابْنُ زُهَير، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ-عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنْ الأنْبِيَاءِ". فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هُوَ؟ قَالَ: " نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الأرْضِ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأمَمِ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ [المسند (١/٩٨) وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٦٠) : "فيه عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سيئ الحفظ. وقال الترمذي: صدوق وقد تكلم فيه بعض العلماء من قبل حفظه، وسمعت محمد البخاري يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل. قلت: فالحديث حسن".] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَسَنُ بْنُ سَوَّار، حَدَّثَنَا لَيْث، عن معاوية عن بن أَبِي حُلَيْس يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، تَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ، وَمَا سَمِعْتُهُ يُكَنِّيهِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، يَقُولُ [في ر: "تقول".] إنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا عِيسَى، إنِّي بَاعِثٌ بَعْدَكَ أُمَّةً، إنْ أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ حَمِدُوا وشَكَرُوا، وإنْ أصَابَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا، وَلا حِلْمَ وَلا عِلْمَ". قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ هَذَا لهُمْ، وَلا حِلْمَ وَلا عِلْمَ؟. قَالَ: "أُعْطِيهِمْ مِن حِلْمِي وعلمي" [المسند (٦/٤٥٠) .] .
وَقَدْ وَرَدَتْ أحاديثُ يُنَاسِبُ [في ر: "تناسب".] ذكرُها هَاهُنَا:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، حَدَّثَنَا بُكَيْر [في جـ: "بكر".] بْنُ الأخْنَس، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُعْطِيتُ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْر، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَاسْتَزَدْتُ رَبِّي، عَزَّ وجَلَّ، فَزَادَنِي مَعَ كُل وَاحِدٍ سَبْعِينَ أَلْفًا". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَرَأَيْتُ أَنَّ ذَلِكَ آتٍ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى، ومصيبٌ مِنْ حَافَاتِ الْبَوَادِي [المسند (١/٦) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٠) : "فيه المسعودي وقد اختلط وتابعيه لم يسم، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح".] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إنَّ رَبِّي أعْطَانِي سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، بِغَيْرِ حِسَابٍ". فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلَّا اسْتَزَدْتَهُ؟ فَقَالَ: "اسْتَزَدْتُهُ فَأَعْطَانِي مَعَ كُلِّ رَجُلٍ سَبْعِينَ أَلْفًا ". قَالَ عُمَرُ: فَهَلَّا اسْتَزَدْتَهُ؟ قَالَ: "قَدِ اسْتَزَدْتُهُ فأعْطَانِي هكَذَا". وَفَرَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ [في جـ، ر، أ،: "عبد الله بن أبي بكر.] بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَبَسَطَ بَاعَيْهِ، وَحَثَا [في جـ، ر: "حي".] عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ هِشَامٌ: وَهَذَا مِنَ اللَّهِ لَا يُدْرَى مَا عَدَدُهُ [المسند (١/١٩٧) وفي إسناده القاسم بن مهران وموسى بن عبيد وهما مجهولان، وبقية رجاله رجال الصحيح.] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمان، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيّاش، عَنْ ضَمْضم بْنِ زُرْعة قَالَ: قَالَ شُرَيح بْنُ عُبَيْدٍ: مَرِضَ ثَوْبَان بحِمْص، وَعَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْط الأزْدِي، فَلَمْ يَعُدْه، فَدَخَلَ عَلَى ثَوْبَانَ رَجُلٌ مِنَ الكَلاعيين عَائِدًا، فَقَالَ لَهُ ثَوْبَانُ: [أَتَكْتُبُ؟ قَالَ: نَعَمْ: فَقَالَ: اكْتُبْ، فَكَتَبَ لِلْأَمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ، "مِنْ ثَوْبَانَ] [زيادة من جـ، ر، والمسند.] مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لِمُوسَى وَعِيسَى، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، بِحَضْرَتِكَ خَادم لَعُدْتَهُ" ثُمَّ طَوَى الْكِتَابَ وَقَالَ لَهُ: أَتُبْلِغُهُ إِيَّاهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فانطلقَ الرجلُ بِكِتَابِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى ابْنِ قُرْطٍ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ فَزِعا، فَقَالَ النَّاسُ: مَا شَأْنُهُ؟ أَحَدَثَ أَمْرٌ؟ فَأَتَى ثَوْبَانَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ فَعَادَهُ، وَجَلَسَ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَ، فَأَخَذَ ثَوْبَانُ بِرِدَائِهِ وَقَالَ: اجْلِسْ حَتَّى أُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا، لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ ألفٍ سَبْعُونَ ألْفًا".
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِسْنَادُ رِجَالِهِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ شَامِيُّونَ حِمْصِيّون [في ر: "ضمضميون".] فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ [المسند (٥/٢٨٠) .] وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ زبْريق الحِمْصي، حدثنا محمد بن إِسْمَاعِيلَ -يَعْنِي ابْنَ عَيَّاش-حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ ضَمْضَم بْنِ زُرْعة، عَنْ شُرَيح بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَحَبيّ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ رَبِّي، عَزَّ وجَلَّ، وَعَدَنِي مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألْفًا لَا يُحَاسَبُونَ، مَعَ كُلِّ ألْفٍ سَبْعُونَ ألْفًا". هَذَا لَعَلَّهُ هُوَ الْمَحْفُوظُ بِزِيَادَةِ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، بَيْنَ شُرَيْحٍ وَبَيْنَ ثَوْبَانَ [المعجم الكبير (٢/٩٢) ورواه أيضا في مسند الشاميين رقم (١٦٨٢) .] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمر، عن قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَين، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَكْثَرْنَا الْحَدِيثَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذات لَيْلَةٍ، ثُمَّ غَدَوْنا إِلَيْهِ فَقَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأنْبِيَاءُ اللَّيْلَةَ بِأُمَمِهَا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الثَّلاثَةُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الْعِصَابَةُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ النَّفَرُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى مَرَّ عَلَيَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ومَعَهُ كَبْكَبَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَعْجَبُونِي، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ لِي: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى، مَعَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ". قَالَ: "قُلْتُ: فَأَيْنَ أُمَّتِي؟ فَقِيلَ: انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ. فَنَظَرْتُ فَإِذَا الظِّرَابُ [في جـ، ر: "الضراب" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من المسند (١/٤٠١) .] قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ عَنْ يَسَارِكَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا الأفُقُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ فَقِيلَ لِي: قَدْ رَضِيتَ؟ فَقُلْتُ [في جـ، ر: "قلت".] "رَضِيتُ يَا رَبِّ، [رَضِيتُ يَا رَبِّ] [زيادة من ر، أ، والمسند.] " قَالَ: "فَقِيلَ لِي: إِنَّ مَعَ هَؤُلاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ السَّبْعِينَ أَلْفًا فَافْعَلُوا فَإِنْ قَصَّرْتُمْ فَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الظِّرَابِ [في ر: "الضراب" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من المسند (١/٤٠١) .] فَإِنْ قَصَّرْتُمْ فَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الأفُقِ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ ثَمَّ أُناسًا يَتَهَاوَشُونَ". فَقَامَ عُكاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. أَيْ مِنَ السَّبْعِينَ، فَدَعَا لَهُ. فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ: "قَدْ سَبَقَكَ بِهَا عُكاشَة". قَالَ: ثُمَّ تَحَدَّثْنَا فَقُلْنَا: لمَنْ [في جـ، ر، أ، و: "من".] تُرَوْنَ هَؤُلَاءِ السَّبْعِينَ الْأَلْفَ؟ قَوْمٌ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا حَتَّى مَاتُوا. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "هُمْ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" [المسند (١/٤٠١) .] .
هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِهَذَا السَّنَد وَهَذَا السِّيَاقِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "رَضِيتُ يَا رَبِّ رَضِيتُ يَا رَبِّ" قَالَ [في جـ: "فقال".] رَضِيتَ؟ قُلْتُ: "نَعَمْ". قَالَ: انْظُرْ عَنْ يَسَارِكَ قَالَ: "فَنَظَرْتُ فَإِذَا الأفُقُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ ". فَقَالَ: رَضِيتَ؟ قُلْتُ: "رَضِيتُ". وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [المسند (١/٤٢٠) .] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا حَمّاد، عَنْ عاصم، عن زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأمَمُ بِالْمَوْسِمِ فَرَاثَتْ [في جـ، ر، أ: "فرأيت".] عَلَيَّ أُمَّتِي، ثُمَّ رَأَيْتُهُمْ فَأَعْجَبَتْنِي كَثْرَتُهُمْ وَهَيْئاتُهُمْ، قَدْ مَلَؤوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ"، فَقَالَ: أَرَضِيتَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقُلْتُ: "نَعَمْ". قَالَ: فَإِنَّ مَعَ هَؤُلاءِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ". فَقَامَ عُكاشَةُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، ادعُ اللَّه أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ:"أنْتَ مِنْهُمْ" فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: [ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ] [زيادة من جـ.] سَبَقَكَ بِهَا عُكاشَةُ". رَوَاهُ الْحَافِظُ الضِّياء المقْدِسيّ، قَالَ: هَذَا عِنْدِي عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ [ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٤٦) "موارد" وأبو يعلى في مسنده (٩/٢٣٣) والبزار في مسنده (٤/٢٠٤) كلهم من طريق حماد عن عاصم به.] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُذُوعيّ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا عُقْبة بْنُ مكْرم. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيّ عَنْ هِشَامِ بنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرين، عَنْ عِمْران بْنِ حُصَين قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُل [في جـ: "يدخلون".] الجَنَّة مِنْ أمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَاب وَلا عَذَابٍ". قِيلَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمْ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَعِنْدَهُ ذِكْرُ عُكَّاشَةَ [المعجم الكبير (١٨/١٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢١٦) .] .
حَدِيثٌ آخَرُ: ثبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ وَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، تُضِيء وُجُوهُهُمْ إضَاءة الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ". فَقَالَ [في جـ، ر، أ، و: "قال".] أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَامَ عُكَاشة بْنُ مِحْصَن الْأَسَدِيُّ يَرْفَعُ،نَمِرَةً عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ". ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عكاشَةُ" [صحيح البخاري برقم (٦٥٤٢) وصحيح مسلم برقم (٢١٦) .] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو [في جـ: "ابن".] غَسَّان، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَيدخُلَنَّ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا -أوْ سَبْعُمِائة ألفٍ-آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، حَتَّى يَدْخُلَ أوَّلُهُمْ وآخِرُهُمُ الْجَنَّةَ، وَوجُوهُهُم [في أ، و: "وجوههم".] عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْرِ".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ جَمِيعًا، عَنْ قُتَيْبةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْل به [المعجم الكبير (٦/١٤٢) وصحيح البخاري برقم (٦٥٥٤) وصحيح مسلم برقم (٢١٩) .] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرَنَا حُصَيْن بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَير فَقَالَ: أيُّكم رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انقضَّ البارحةَ؟ قلتُ: أَنَا. ثُمَّ قُلتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنِّي لُدغْتُ: قَالَ: فَمَا صنعتَ؟ قلتُ: استرقَيْتُ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قلتُ: حَدِيثٌ حدَّثَنَاه الشَّعْبِيُّ. قَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعْبِيُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَة بْنِ الحُصَيب الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمّة. فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ، وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عُرضَتْ عَلَيَّ الأمَمُ، فَرَأيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ [في جـ، ر: "الرهط".] والنَّبِيَّ ومَعَهُ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ والنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ، إذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وقوْمُهُ، وَلَكِنِ انْظُرْ إلَى الأفقِ. فَنَظَرتُ، فَإذا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إلَى الأفُقِ الآخَرِ، فَإذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ ومعَهُم سَبْعُونَ ألْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلا عَذَابٍ". ثُمَّ نهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبوا رسول الله ﷺ. وقال بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُشْرِكوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال: "مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟ " فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: "هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ وَلا يَسْتَرقُونَ وَلا يَتَطيرونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحصن فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: "أنْتَ مِنْهُمْ". ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ".
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أُسَيد بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هُشَيم وَلَيْسَ عِنْدَهُ، "لَا يَرْقُونَ" [صحيح مسلم برقم (٢٢٠) وصحيح البخاري برقم (٥٧٥٢، ٣٤١٠، ٥٧٠٥، ٦٥٤١، ٦٤٧٢) .] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْح بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ حَدِيثًا، وَفِيهِ: "فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا، لَا يُحَاسَبُونَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، كأَضْوَإِ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ كَذَلِكَ". وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ رَوْح، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ ﷺ [المسند (٣/٢٨٣) .] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ السُّنَنِ لَهُ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عيَّاش، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "وَعَدنِي رَبِّي أنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا، مَعَ كُلِّ ألْفٍ سَبْعُونَ ألْفًا، لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ. وَثَلاثُ حَثياتٍ مِنْ حَثَيات ربِّي عزَّ وجَلَّ".
وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، بِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ [السنة لابن أبي عاصم برقم (٥٨٩) والمعجم الكبير (٨/١٢٩) .] .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: قَالَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ: حَدَّثَنَا دُحَيم، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، حدثنا صَفْوَانُ بْنُ عَمرو، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ الهوزَني [في جـ، ر: "الهودي".] -وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لُحيّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إنَّ اللهَ وَعَدَنِي أنْ يُدْخِلَ الْجنةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ". قَالَ يَزِيدُ بْنُ الْأَخْنَسِ: وَاللَّهِ مَا أُولَئِكَ فِي أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا مِثْلَ الذُّبَابِ [في ر: "الدنان".] الْأَصْهَبِ فِي الذُّبَابِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَإنَّ اللهَ وَعَدَنِي سَبْعِينَ ألْفًا، مَعَ كُلِّ ألْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَزَادَنِي ثَلاثَ حَثَيَاتٍ". وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ حَسَنٌ [السنة لابن أبي عاصم برقم (٥٨٨) .] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْد، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبة، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ [في و: "أبو معاوية".] بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ البُكَالي أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبة بْنَ عبْد السُّلَمِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَنِي أنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألْفًا بِغَيِرِ حِسَابٍ، ثُمَّ يَشْفَعُ كُلُّ ألْفٍ لِسَبْعِينَ ألْفًا، ثُمَّ يَحْثي رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، بِكفيْهِ ثَلاثَ حَثَيَات". فَكَبَّرَ [في ر: "وكبر".] عُمَرُ وَقَالَ: إِنَّ السَّبْعِينَ الأوَلَ يُشفعهم اللَّهُ فِي آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ، وَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَنِي اللَّهُ فِي إِحْدَى الْحَثَيَاتِ الْأَوَاخِرِ.
قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ صِفَةِ الْجَنَّةِ: لَا أَعْلَمُ لِهَذَا الْإِسْنَادِ عِلَّةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ [المعجم الكبير (١٧/١٢٦، ١٢٧) ورواه الطبراني أيضا في المعجم الأوسط (١/٢٥٤) بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٣) : "وفيه عامر بن زيد البكالي، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات".] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ -يَعْنِي الدَّستَوائي-حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَار أَنَّ رِفَاعة الجُهَنيّ حَدَّثَهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بالكُدَيد -أَوْ قَالَ بقُدَيْد-فَذَكَرَ حَدِيثًا، وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ: وَعَدَنِي رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، أنْ يُدْخِلَ الْجنةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَإِنِّي لأرْجُو ألا يَدْخُلُوهَا حَتَّى تَبوؤُوا أْنتُمْ ومَنْ صَلَحَ مِنْ أزْوَاجِكُمْ وَذُرِّيَّاتِكُمْ مَسَاكِنَ فِي الْجَنَّةِ".
قَالَ الضِّيَاءُ [الْمَقْدِسِيُّ] [زيادة من و.] وَهَذَا عِنْدِي عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ [المسند (٤/١٦) .] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْر بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ اللهَ وَعَدَنِي أنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أرْبَعمِائَةِ ألْفٍ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَاللَّهِ هَكَذَا [في و: "قال: وهكذا. وجمع بين يديه، قال: زدنا يا رسول الله، قال: وهكذا".] فَقَالَ عُمَرُ: حَسْبُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: دَعْنِي، وَمَا عَلَيْكَ أَنْ يُدْخِلَنَا اللَّهُ الْجَنَّةَ كُلَّنَا [في أ: "كلنا بكف واحد".] فَقَالَ عُمَرُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَدْخَل خَلْقه الْجَنَّةَ بكفٍّ وَاحِدٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "صَدَقَ عُمَرُ".
هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ انْفَرَدَ [في جـ، ر: "تفرد".] بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ [المصنف لعبد الرزاق برقم (٢٠٥٥٦) ورواه من طريقه أحمد في المسند (٣/١٦٥) وابن أبي عاصم في السنة برقم (٥٩٠) .] قَالَهُ الضِّيَاءُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعيم الْأَصْبَهَانِيُّ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَخْلَد، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهيْثَم البَلدِي، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَعَدَنِي رَبِّي أنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي مِائَةَ ألْف". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا قَالَ: "وَهَكَذَا" -وَأَشَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ بِيَدِهِ كَذَلِكَ-قُلْتُ [في أ: "فقال" وفي و: "قال".] يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ النَّاسَ الْجَنَّةَ بِحَفْنَةٍ وَاحِدَةٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "صَدَقَ عُمَرُ". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَأَبُو هِلَالٍ اسْمُهُ: مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْم الرَّاسِبِيُّ، بَصْرِيٌّ [الحلية لأبي نعيم (٢/٣٤٤) ورواه أحمد في مسنده (٣/١٩٣) من طريق أبي هلال عن قتادة به.] .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَنَسٍ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ السُّرِّي السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا". قَالُوا: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "لِكُلِّ رَجُلٍ سَبْعُونَ ألْفًا" قَالُوا: زِدْنَا -وَكَانَ [في ر: "وكانوا".] عَلَى كَثِيبٍ -فَقَالَ: هَكَذَا، وَحَثَا بِيَدِهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أبْعدَ اللَّهُ مَنْ دَخَلَ النَّارَ بَعْدَ هَذَا، وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، مَا عَدَا عَبْدَ الْقَاهِرِ بْنَ السَّرِيِّ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ ابْنُ مَعِينٍ، فَقَالَ: صَالِحٌ [مسند أبي يعلى (٦/٤١٧) .] .
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَير عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّ اللهَ وَعَدَنِي أنْ يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي ثَلاثَمائة ألْفٍ الْجَنَّةَ". فَقَالَ عُمَيْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا. فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ. فَقَالَ عُمَيْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا. فَقَالَ عُمَرُ: حَسْبك، إِنَّ اللَّهَ إنْ شَاءَ أَدْخَلَ النَّاسَ الْجَنَّةَ بِحفْنَةٍ -أَوْ بِحَثْيَةٍ-وَاحِدَةٍ. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: "صَدَقَ عُمَرُ" [المعجم الأوسط (١/٢٥٧) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٩) : "رجاله ثقات".] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْد، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبة، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، أَنَّ قَيْسًا الْكِنْدِيَّ حَدّث أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ [في جـ: "سعد".] الْأَنْمَارِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَنِي أنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألْفًا بِغَيِرِ حِسَابٍ، ويَشْفَعُ كُلُّ ألْفٍ لِسَبْعِين [في أ، و: "لكل ألف سبعين".] ألْفًا، ثُمَّ يَحْثِي رَبِّي ثَلاثَ حَثَيَاتٍ بِكَفَّيْهِ". كَذَا قَالَ قَيْسٌ، فَقُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ: أَنْتَ سمعتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ، بِأُذُنِي، وَوَعَاهُ قَلْبِي. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقَالَ -يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ-: "وَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللهُ، عَزَّ وَجَلَّ، يَسْتَوْعِبُ مُهَاجِرِي أُمَّتِي، ويُوَفِّي اللَّهُ بَقِيَّتَهُ مِنْ أعْرَابِنَا".
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ، عَنْ أَبِي تَوْبَة الرَّبِيعِ بْنِ نَافِعٍ بِإِسْنَادِهِ، مثله.
وَزَادَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَحُسِبَ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ وَتِسْعِينَ [في أ: "سبعمائة"، وفي و: "تسعمائة".] أَلْفَ ألْف.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ مَرْثَد الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيّاش، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ضَمْضَم بْنُ زُرْعة، عَنْ شُرَيح بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أمَا وَالَّذي نَفْسُ مُحَمَّد بِيَدِهِ لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى الْجَنَّةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الأسْوَدِ، زُمْرةٌ جَمِيعُهَا يَخْبطُونَ الأرضَ، تَقُولُ الملائِكةُ: لِمَ جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ أكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الأنْبِيَاءِ؟ ". وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ [المعجم الكبير (٣/٢٩٧) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٤) : "وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف".] .
نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَشَرَفِهَا بِكَرَامَتِهَا [في أ، و: "وكرامتها".] عَلَى اللَّهِ، وَأَنَّهَا خَيْرُ الْأُمَمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ [في و: "أنه سمع جابرا".] أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إنِّي لأرْجُو أنْ يَكُونَ مَنْ يَتَّبِعُنِي مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُبْعَ الْجَنَّةِ". قَالَ: فكبَّرنا. ثُمَّ قَالَ: "أَرْجُو أنْ يَكُونُوا [في جـ: "تكونوا".] ثلثَ النَّاسِ". قَالَ: فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ: "أَرْجُو أنْ تَكُونُوا الشَّطْرَ". وَهَكَذَا رَوَاهُ عَنْ رَوْح، عَنِ ابْنِ جُرَيج، بِهِ. وَهُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ [قال الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٢) : "رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال البزار رجال الصحيح وكذا أحد أسانيد أحمد".] .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي، عَنْ عَمْرو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أمَا تَرْضَوْنَ أنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنِّةِ؟ " فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ: "أَمَا تَرْضَوْنَ أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلَ الْجَنَّةِ؟ " فَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ: "إنِّي لأرْجُو أنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّة" [صحيح البخاري برقم (٦٥٢٨، ٦٦٤٢) وصحيح مسلم برقم (٢٢١) .] .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُساور، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرة، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْتُمْ وَرُبْعُ الْجَنَّةِ لَكُمْ ولِسَائر النَّاسِ ثَلَاثَةُ أرْبَاعِهَا؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "كَيْفَ أَنْتُمْ وثُلُثُهَا؟ " قَالُوا: ذَاكَ أَكْثَرُ. قَالَ: "كَيْفَ أَنْتَمْ والشَّطْرُ لَكُمْ؟ " قَالُوا: ذَاكَ أَكْثَرُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أهْلُ الْجَنّةِ عِشْرُونَ وَمَائةُ صَفٍّ، لَكُمْ مِنْهَا [في أ: "فيها".] ثَمَانُونَ صَفًا".
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ حَصيرة [المعجم الكبير (١٠/٢٠٨) ورواه أحمد في مسنده (١/٤٥٣) من طريق عفان عن عبد الواحد بن زياد به. قال الهيثمي في المجمع (١٠/٤٠٣) : "رجالهم رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة وقد وثق".] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّة أَبُو سَنان الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَار، عَنِ ابْنِ بُرَيْدة، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، هَذِه الأمَّةُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُون صَفا".
وَكَذَلِكَ [في أ: "وكذا".] رَوَاهُ عَنْ عَفَّانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بِهِ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ، بِهِ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَلْقَمة بْنِ مَرْثَد، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيدة، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ [المسند (٥/٣٥٥، ٣٤٧) وسنن الترمذي برقم (٢٥٤٦) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٨٩) .] .
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيِّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ البَجَلي، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّتِي".
تَفَرَّدَ بِهِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ البَجَلي، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ عَدِيّ [المعجم الكبير (١٠/٣٤٨) ورواه ابن عدي في الكامل (٣/١٣) وقال: "أحاديثه كلها لا يتابع عليها لا إسنادا ولا متنا، ولم أر للمتقدمين فيه قولا، بل غفلوا عنه وهو عندي ضعيف".] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ [في جـ: "هشام".] بْنُ مَخْلَد، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ [الْوَاقِعَةِ: ٣٨، ٣٩] ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْتُمْ رُبْعُ أهْلِ الْجَنَّةِ، أَنْتُمْ ثُلُثُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، أَنْتُمْ ثُلُثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ" [ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق الطبراني به (٧/١٠١) ونقل عن الطبراني قوله: "تفرد برفعه ابن المبارك عن الثوري. وأبو عمرو اسمه محمد والد أسباط بن محمد الكوفي القرشي".] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ أَوَّلُ النَّاسِ دُخُولا الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، النَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ غَدًا لِلْيَهُوَدِ [وَ] [زيادة من جـ، ر.] لِلنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ [صحيح البخاري برقم (٨٩٦، ٣٤٨٦، ٣٤٨٧) ومسلم برقم (٨٥٥) .] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ [صحيح مسلم برقم (٨٥٥) .] .
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ الزهري، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إنَّ الْجَنَّةَ حُرِّمَتْ عَلَى الأنْبِيَاءِ كُلُّهُمْ حَتَّى أَدْخُلَهَا، وَحُرِّمَتْ عَلَى الأمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا [في جـ: "يدخلها".] أمتِي".
ثُمَّ قَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَاهُ. وَتَفَرَّدَ بِهِ زُهير بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عُقَيْلٍ، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَمْرو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زُهَيْرٍ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيّ الْحَافِظُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَعْيَنُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتَّاب، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ التِّنيسي -يَعْنِي عَمْرَو بْنَ أَبِي سَلَمَةَ-حَدَّثَنَا صَدَقَةُ الدِّمَشْقِيُّ. عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَرَوَاهُ الثَّعْلَبي: حَدَّثَنَا أَبُو عَبَّاسٍ المَخْلَدي، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعْم عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى التِّنِّيسِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عُقَيْلٍ، بِهِ [أطراف الغرائب والأفراد (ق٢١) لابن القيسراني، والكامل لابن عدي (٤/١٢٩) ورواه البغوي في تفسيره (٢/٩١) من طريق الثعلبي. ونقل ابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٢٧) عن أبي زرعة: "هذا الحديث منكر لا أدري كيف هو".] .
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فَمَنِ اتَّصَفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي هَذَا الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَالْمَدْحِ لَهُمْ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [زيادة من جـ، أ.] فِي حَجَّةٍ حَجَّهَا رَأَى مِنَ النَّاسِ سُرْعة [في جـ، ر: "ترعل".] فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَرَّه أَنْ يَكُونَ مِنْ تِلْكَ الْأُمَّةِ فَلْيؤدّ شَرْط اللَّهِ فِيهَا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَمَنْ [في أ: "من".] لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ أَشْبَهَ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ] [الْمَائِدَةِ:٧٩]﴾ [زيادة من جـ، أ، و، وفي هـ: "الآية"] وَلِهَذَا لَمَّا مَدح [اللَّهُ] [زيادة من جـ، ر، أ.] تَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ شَرَعَ فِي ذَمِّ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَأْنِيبِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أَيْ: بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أَيْ: قَلِيلٌ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ وَالْعِصْيَانِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ ومُبشِّرًا لَهُمْ أَنَّ النَّصْرَ والظَّفر لَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الْكَفَرَةِ الْمُلْحِدِينَ، فَقَالَ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ وَهَكَذَا وَقَعَ، فَإِنَّهُمْ يَوْمَ خَيْبَر أَذَلَّهُمُ اللَّهُ وأرْغَم آنَافَهُمْ [في و: "أنوفهم".] وَكَذَلِكَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ بَنِي قَيْنُقَاع وَبَنِي النَّضِير وَبَنِي قُرَيْظَة [في ر: "بنو النضير وبنو قريظة".] كُلُّهُمْ أَذَلَّهُمُ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى بِالشَّامِ كَسَرهم الصَّحَابَةُ فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ، وسَلَبوهم مُلْك الشَّامِ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ، وَلَا تَزَالُ عِصَابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [زيادة من أ.] وَهُمْ كَذَلِكَ، وَيَحْكُمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [في و: "ويحكم بملة الإسلام".] بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ [في جـ: "عيسى ابن مريم عليه السلام ويحكم بشرع محمد"، وفي ر: "عيسى ابن مريم وهو كذلك ويحكم عليه السلام بشرع محمد".] عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ [في جـ، أ: "ﷺ".] فيَكْسر الصَّلِيب، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، ويَضَع الجزْية، وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: أَلْزَمَهُمُ اللَّهُ الذِّلَّةَ [في و: "المذلة".] والصَّغَار أَيْنَمَا كَانُوا فَلَا يَأْمَنُونَ ﴿إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: بِذِمَّةٍ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ عَقْد الذِّمَّةِ لَهُمْ وضَرْب الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، وَإِلْزَامُهُمْ أَحْكَامَ الْمِلَّةِ ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: أَمَانٌ مِنْهُمْ وَلَهُمْ، كَمَا فِي المُهَادَن والمعاهَد وَالْأَسِيرِ إِذَا أمَّنَه وَاحِدٌ [في جـ، ر، أ، و: "أحد".] مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَوِ امْرَأَةٌ، وكذَا عَبْد، عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: بِعَهْدٍ مِنَ اللَّهِ وَعَهْدٍ مِنَ النَّاسِ، [وَ] [زيادة من و.] هَكَذَا قَالَ مُجاهد، وعِكْرِمة، وعَطَاء، والضَّحَّاك، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، والرَّبِيع بْنُ أَنَسٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: أُلزموا فالتزَمُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ أَيْ: أُلزِموها [في و: "ألزموا بها".] قَدرًا وشَرْعًا. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [في و: "بذل".] أَيْ: وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الكبْر والبَغْي وَالْحسَد، فأعْقَبَهم ذَلِكَ الذِّلة والصَّغَار وَالْمَسْكَنَةَ أَبَدًا، مُتَّصِلًا بِذِلَّةِ الْآخِرَةِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا حَمَلهم عَلَى الْكُفْرِ بِآيَاتِ اللَّهِ وقَتْل رُسُل اللَّهِ وقُيِّضوا لِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْثِرُونَ الْعِصْيَانَ لِأَوَامِرِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَالْغَشَيَانَ لِمَعَاصِي اللَّهِ، وَالِاعْتِدَاءَ فِي شَرْعِ اللَّهِ، فَعِياذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيب حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَر الْأَزْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَقْتُلُ فِي الْيَوْمِ ثَلَاثَمِائَةِ نَبِيٍّ، ثُمَّ يَقُومُ سُوق بَقْلهم فِي آخر النهار.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس".
فقال بعضهم: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة وخاصة، من أصحاب رسول الله ﷺ.
ذكر من قال ذلك:
٧٦٠٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال في:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: هم الذين خرجوا معه من مكة.
٧٦٠٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية، عن قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.
٧٦٠٨- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، قال عمر بن الخطاب: لو شاء الله لقال:"أنتم"، فكنا كلنا، ولكن قال:"كنتم" في خاصة من أصحاب رسول الله ﷺ، ومن صنع مثل صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
٧٦٠٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قال، عكرمة: نزلت في ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل.
٧٦١٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه: قال عمر:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا.
٧٦١١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: هم الذين هاجروا مع النبي ﷺ إلى المدينة. [الأثر: ٧٦١١- رواه أحمد في المسند رقم: ٢٤٦٣، ٢٩٢٨، ٢٩٨٩، ٣٣٢١، وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٩٤، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.]
٧٦١٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في حجّة حجّها ورأى من الناس رِعَة سيئة، [الرعة (بكسر الراء وفتح العين) أصلها من الورع، مثل"العدة" من"الوعد". والرعة: الهدى وسوء الهيئة أو حسن الهيئة، أي هي بمعنى: الشأن والأمر والأدب. وفي حديث الحسن: "ازدحموا عليه فرأى منهم رعة سيئة فقال: اللهم إليك"، أي سوء أدب، لم يحسنوا الكف عما يشين.] فقرأ هذه:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، الآية. ثم قال: يا أيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله منها. [قوله: "شرط الله منها"، أي شرط الله الذي طلبه منها.]
٧٦١٣- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: هم أصحابُ رسول الله ﷺ خاصة، يعني = وكانوا هم الرواة الدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم. [قد مضى تفسير معنى"الرواة" في الأثر رقم ٧٥٩٧، والتعليق عليه.]
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خير أمة أخرجت للناس، إذا كنتم بهذه الشروط التي وصفهم جل ثناؤه بها. فكان تأويل ذلك عندهم: كنتم خير أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله، أخرجوا للناس في زمانكم.
ذكر من قال ذلك:
٧٦١٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، يقول: على هذا الشرط: أن تأمرُوا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر وتؤمنوا بالله = يقول: لمن أنتم بين ظهرانيه، كقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الدخان: ٣٢] .
٧٦١٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال يقول: كنتم خير الناس للناس على هذا الشرط: أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر. وتؤمنوا بالله = يقول: لمن بين ظَهريه، كقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الدخان: ٣٢] .
٧٦١٦- وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: كنتم خير الناس للناس، تجيئون بهم في السلاسل، تدخلونهم في الإسلام. [الأثر: ٧٦١٦- أخرجه البخاري من طريق محمد بن سفيان عن ميسرة. (الفتح ٨: ١٦٩) وقال الحافظ: "ميسرة: هو ابن عمار الأشجعي، كوفي ثقة ماله في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في بدء الخلق". و"أبو حازم" هو"سلمان الأشجعي الكوفي"، وفي الفتح"سليمان"، وهو خطأ وتصحيف. ولفظ البخاري: "تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام". وقد استوفى الحافظ في هذا الموضع، الحديث عن معنى الآية، وذكر أكثر الآثار التي سلفت، والتي ستأتي بعد.]
٧٦١٧- حدثنا عبيد بن أسباط قال، حدثنا أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: خيرَ الناس للناس.
* *
وقال آخرون: إنما قيل:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، لأنهم أكثر الأمم استجابة للإسلام.
ذكر من قال ذلك:
٧٦١٨- حدثت عن عمار بن الحسن قال، [في المطبوعة: "عمار بن الحسين"، وهو خطأ، والصواب في المخطوطة.] حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، قال: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة، فمن ثمَ قال:"كنتم خير أمة أخرجت للناس".
* *
وقال بعضهم: عنى بذلك أنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس.
ذكر من قال ذلك:
٧٦١٩- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، قال: قد كان ما تسمعُ من الخير في هذه الأمة.
٧٦٢٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول: نحن آخرُها وأكرمُها على الله.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قال الحسن، وذلك أن:
٧٦٢١- يعقوب بن إبراهيم حدثني قال، حدثنا ابن علية، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:"ألا إنكم وفيَّتم سبعين أمَّة، أنتم آخرها وأكرمها على الله.
٧٦٢٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: أنتم تتمُّون سبعين أمة، أنتم خيرُها وأكرمها على الله". [الحديثان: ٧٦٢١، ٧٦٢٢- هما حديث واحد بإسنادين. وقد مضى بالإسنادين معًا مجموعين، برقم: ٨٧٣. وقد خرجناه هناك مفصلا، وأشرنا إلى مواضعه هنا في طبعة بولاق. ونزيد هنا أنه رواه أيضا الحاكم في المستدرك ٤: ٨٤، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، بالإسناد الثاني هنا. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. ثم أشار الحاكم إلى متابعة سعيد الجريري، بروايته إياه عن حكيم بن معاوية. ثم رواه من طريق يزيد بن هارون، عن الجريري. ورواية الجريري سبق أن خرجناها هناك من رواية أحمد في المسند. وذكره الحافظ في الفتح ٨: ١٦٩، مشيرًا إلى رواية الطبري إياه، ثم قال: "وهو حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي وحسنه. وابن ماجه، والحاكم وصححه". وقد ورد معناه أيضًا، ضمن حديث مطول عن أبي سعيد الخدري، مرفوعا، رواه أحمد في المسند: ١١٦٠٩ (ج٣ ص ٦١ حلبى) . وإسناده صحيح.]
٧٦٢٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، ذُكر لنا أن نبي الله ﷺ قال ذات يوم وهو مسند ظهره إلى الكعبة:"نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرُها".
* *
وأما قوله:"تأمرون بالمعروف"، فإنه يعني: تأمرون بالإيمان بالله ورسوله، والعمل بشرائعه ="وتنهون عن المنكر"، يعني: وتنهون عن الشرك بالله. وتكذيب رسوله، وعن العمل بما نهى عنه، كما:-
٧٦٢٤- حدثنا علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس". يقول: تأمرونهم بالمعروف: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، و"لا إله إلا الله"، هو أعظم المعروف = وتنهونهم عن المنكر، والمنكر هو التكذيب، وهو أنكرُ المنكر.
* *
وأصل"المعروف" كل ما كان معروفًا فعله، جميلا مستحسنًا، [في المطبوعة: "كل ما كان معروفًا، ففعله جميل مستحسن"، غيروا نص المخطوطة. ظنًا منهم أنه غير مستقيم، وهو أحسن استقامة مما أثبتوا!! بل هو الصواب المحض.] غير مستقبح في أهل الإيمان بالله، وإنما سميت طاعة الله"معروفًا"، لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله. [انظر تفسير"المعروف" فيما سلف قريبًا ص: ٩١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.] .
* *
وأصل"المنكر"، ما أنكره الله، ورأوه قبيحًا فعلهُ، ولذلك سميت معصية الله"منكرًا"، لأن أهل الإيمان بالله يستنكرون فعلها، ويستعظمون رُكوبها. [انظر تفسير"المنكر" فيما سلف قريبا ص: ٩١.]
* *
وقوله:"وتؤمنون بالله"، يعني: تصدّقون بالله، فتخلصون له التوحيد والعبادة.
* *
قال أبو جعفر: فإن سأل سائل فقال: وكيف قيل:"كنتم خير أمة"، وقد زعمتَ أن تأويل الآية: أنّ هذه الأمة خيرُ الأمم التي مضت، وإنما يقال:"كنتم خير أمة"، لقوم كانوا خيارًا فتغيَّروا عما كانوا عليه؟
قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه، وإنما معناه: أنتم خير أمة، كما قيل: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل﴾ [الأنفال: ٢٦] وقد قال في موضع آخر: ﴿واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم﴾ [الأعراف: ٨٦] فإدخال"كان" في مثل هذا وإسقاطها بمعنى واحد، لأن الكلام معروف معناه. [انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٢٩.] ولو قال أيضا في ذلك قائل:"كنتم"، بمعنى التمام، كان تأويله: خُلقتم خير أمة = أو: وجدتم خير أمة، كان معنى صحيحًا.
* *
وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى ذلك: كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ، أخرجت للناس.
* *
والقولان الأولان اللذان قلنا، أشبهُ بمعنى الخبر الذي رويناه قبلُ.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خير أهل طريقة. وقال:"الأمة": الطريقة. [انظر تفسير"أمة" فيما سلف ١: ٢٢١ / ثم هذا ص ٩٠، والمراجع هناك في التعليق.]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ولو صدَّق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى بمحمد ﷺ وما جاءهم به من عند الله؛ لكان خيرًا لهم عند الله في عاجل دنياهم وآجل آخرتهم ="منهم المؤمنون"، يعني: من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، المؤمنون المصدِّقون رسول الله ﷺ فيما جاءهم به من عند الله، وهم: عبد الله بن سلام وأخوه، وثعلبة بن سَعْيَة وأخوه، [في المطبوعة: "ثعلبة بن سعيد"، وهو خطأ، والصواب ما أثبته من المخطوطة و"سعية" بالسين المهملة المفتوحة والياء المنقوطة باثنين. وسيأتي على الصواب في خبر إسلامه وإسلام أخيه، بعد قليل، رقم: ٧٦٤٤.] وأشباههم ممن آمنوا بالله وصدّقوا برسوله محمد ﷺ، واتبعوا ما جاءهم به من عند الله ="وأكثرهم الفاسقون"، يعني: الخارجون عن دينهم، [انظر تفسيره"الفسق" فيما سلف ١: ٤٠٩، ٤١٠ / ٢: ١١٨، ٣٩٩ / ٤. ١٣٥ - ١٤١ / ٦: ٩١.] وذلك أن من دين اليهود اتباعُ ما في التوراة والتصديقُ بمحمد ﷺ، ومن دين النصارى اتباعُ ما في الإنجيل، والتصديق به وبما في التوراة، وفي كلا الكتابين صفة محمد ﷺ ونعته ومبعثه، [في المخطوطة والمطبوعة: "وفي كل الكتابين. . ."، وهو تحريف، والصواب ما أثبت.] وأنه نبي الله. وكلتا الفرقتين -أعني اليهود والنصارى- مكذبة، فذلك فسقهم وخروجهم عن دينهم الذي يدعون أنهم يدينون به، الذي قال جل ثناؤه:"وأكثرهم الفاسقون".
* *
وقال قتادة بما:-
٧٦٢٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون"، ذم الله أكثر الناس.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" قَالَ: (أَنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عِنْدَ اللَّهِ). وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَحْنُ خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ نَسُوقُهُمْ بِالسَّلَاسِلِ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدُوا بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ كَانَ مِثْلَهُمْ. وَقِيلَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَعْنِي الصَّالِحِينَ مِنْهُمْ وَأَهْلَ الْفَضْلِ. وَهُمُ الشُّهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ [راجع ج ٢ ص ١٥٤.] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" عَلَى الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ [كُنْتُمْ] [الزيادة في دوب.] فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَقِيلَ: كُنْتُمْ مُذْ آمَنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. وَقِيلَ: جَاءَ ذَلِكَ لِتَقَدُّمِ الْبِشَارَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأُمَّتِهِ. فَالْمَعْنَى كُنْتُمْ عِنْدَ مَنْ تَقَدَّمَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ خَيْرَ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: يُرِيدُ أَهْلَ أُمَّةٍ، أَيْ خَيْرَ أَهْلِ دِينٍ، وَأَنْشَدَ:
حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... وَهَلْ يَأْثَمَنَ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طَائِعُ [البيت النابغة الذبياني. أمة بالضم. والكسر: ذو أمة: ذو دين واستقامة، والامة: النعمة.]
وَقِيلَ: هِيَ كَانَ التَّامَّةُ، وَالْمَعْنَى خُلِقْتُمْ وَوُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. "فَخَيْرُ أُمَّةٍ" حَالٌ. وَقِيلَ: كَانَ زَائِدَةٌ، وَالْمَعْنَى أَنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
وَجِيرَانٍ لنا كانوا كرام [هذا عجز بيت الفرزدق. وصدره: فكيف إذا رأيت ديار قوم] وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ [راجع ج ١١ ص ١٠١.] صَبِيًّا" [مريم: ٢٩]. وقوله: "وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ" [الأعراف: ٢ ([٨٦). وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: "وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ" [راجع ج ٢ ص ٢٤٩، وص ٣٩٤.] . وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ مَيْسَرَةَ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" قَالَ: تَجُرُّونَ النَّاسَ بِالسَّلَاسِلِ إِلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا كُنْتُمْ لِلنَّاسِ خَيْرَ أُمَّةٍ. وَعَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ إِذْ كُنْتُمْ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا صَارَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرَ أُمَّةٍ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ أَكْثَرُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فِيهِمْ أَفْشَى. فَقِيلَ: هَذَا لِأَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَمَا قَالَ ﷺ: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي) أَيِ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ. الثَّانِيَةُ- وَإِذَا ثَبَتَ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ خَيْرُ الْأُمَمِ، فَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ). [الْحَدِيثَ] [الزيادة من هـ ود وب، في د وب: من كل من يأتي.] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَفْضَلُ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَرَآهُ وَلَوْ مَرَّةً فِي عُمْرِهِ أَفْضَلُ مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدَهُ، وَإِنَّ فَضِيلَةَ الصُّحْبَةِ لَا يَعْدِلُهَا عَمَلٌ. وَذَهَبَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيمَنْ يَأْتِي بَعْدَ الصَّحَابَةِ أَفْضَلُ مِمَّنْ كَانَ فِي جُمْلَةِ الصحابة، وإن قول عَلَيْهِ السَّلَامُ: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي) لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ بِدَلِيلِ مَا يَجْمَعُ الْقَرْنُ مِنَ الْفَاضِلِ وَالْمَفْضُولِ. وَقَدْ جَمَعَ قَرْنُهُ جَمَاعَةً مِنَ الْمُنَافِقِينَ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِيمَانِ وَأَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ أَقَامَ عَلَيْهِمْ أو على بعضهم الخدود، وَقَالَ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي السَّارِقِ وَالشَّارِبِ وَالزَّانِي. وَقَالَ مُوَاجَهَةً لِمَنْ هُوَ فِي قَرْنِهِ: (لا تسبوا أصحابي). وقال لخالد ابن الْوَلِيدِ فِي عَمَّارٍ: (لَا تَسُبَّ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ) وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي وَطُوبَى سَبْعَ مَرَّاتٍ لِمَنْ لَمْ يَرَنِي وَآمَنَ بِي). وَفِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ. قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (أَتَدْرُونَ أَيُّ الخلق أفضل إيمانا) قلنا الْمَلَائِكَةُ. قَالَ: (وَحُقَّ لَهُمْ بَلْ غَيْرُهُمْ) قُلْنَا الْأَنْبِيَاءُ. قَالَ: (وَحُقَّ لَهُمْ بَلْ غَيْرُهُمْ) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أَفْضَلُ الْخَلْقِ إِيمَانًا قَوْمٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي يَجِدُونَ وَرَقًا فَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهَا فَهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ إِيمَانًا (. وَرَوَى صَالِحُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي جُمْعَةَ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا؟ قَالَ:) نَعَمْ قَوْمٌ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ فَيَجِدُونَ كِتَابًا بَيْنَ لَوْحَيْنِ فَيُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهِ وَيُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي (. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: وَأَبُو جُمْعَةَ لَهُ صُحْبَةٌ وَاسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ سِبَاعٍ، وَصَالِحُ بْنُ جُبَيْرٍ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ. وَرَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ أَمَامَكُمْ أَيَّامًا الصَّابِرُ فِيهَا عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهَا أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُ مثله عَمَلِهِ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْهُمْ؟ قَالَ: (بَلْ مِنْكُمْ). قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ "بَلْ مِنْكُمْ" قَدْ سَكَتَ عَنْهَا بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فَلَمْ يَذْكُرْهَا. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" قَالَ: مَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِكُمْ كَانَ مِثْلَكُمْ. وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَلَى الْخُصُوصِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَقَدْ قِيلَ فِي تَوْجِيهِ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ: إِنَّ قَرْنَهُ إِنَّمَا فُضِّلَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا غُرَبَاءَ فِي إِيمَانِهِمْ لِكَثْرَةِ الْكُفَّارِ وَصَبْرِهِمْ عَلَى أَذَاهُمْ وَتَمَسُّكِهِمْ بِدِينِهِمْ، وَإِنَّ أَوَاخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِذَا أَقَامُوا الدِّينَ وَتَمَسَّكُوا بِهِ وَصَبَرُوا عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ فِي حِينِ ظُهُورِ الشَّرِّ وَالْفِسْقِ وَالْهَرْجِ وَالْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ كَانُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَيْضًا غُرَبَاءَ، وَزَكَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا زَكَتْ أَعْمَالُ أَوَائِلِهِمْ، [وَمِمَّا] [في د وب وهـ.] يَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ). وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ: (أُمَّتِي كَالْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ). ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ). ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي مُسْنَدِ حَدِيثِ مَالِكٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ثِقَةٌ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ. وَرُوِيَ أَنَّ عمر ابن عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ كَتَبَ إِلَى سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بسيرة عمر بن الخطاب لِأَعْمَلَ بِهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَالِمٌ: إِنْ عَمِلْتَ بِسِيرَةِ عُمَرَ، فَأَنْتَ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ لِأَنَّ زَمَانَكَ لَيْسَ كَزَمَانِ عُمَرَ، وَلَا رِجَالَكَ كَرِجَالِ عُمَرَ. قَالَ: وَكَتَبَ إِلَى فُقَهَاءِ زَمَانِهِ، فَكُلُّهُمْ كَتَبَ إِلَيْهِ بِمِثْلِ قَوْلِ سَالِمٍ. وَقَدْ عَارَضَ بَعْضُ الْجِلَّةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَوْلَهُ ﷺ: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي) بِقَوْلِهِ ﷺ: (خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ). قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَقْتَضِي مَعَ تَوَاتُرِ طُرُقِهَا وَحُسْنِهَا التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَآخِرِهَا. وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي الزَّمَانِ الْفَاسِدِ الَّذِي يُرْفَعُ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَيَكْثُرُ فِيهِ الْفِسْقُ وَالْهَرْجُ، وَيُذَلُّ الْمُؤْمِنُ وَيُعَزُّ الْفَاجِرُ وَيَعُودُ الدِّينُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا وَيَكُونُ الْقَائِمُ فِيهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، فَيَسْتَوِي حِينَئِذٍ أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِآخِرِهَا فِي فَضْلِ الْعَمَلِ إِلَّا أَهْلَ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ، وَمَنْ تَدَبَّرَ آثَارَ هَذَا الْبَابِ بَانَ لَهُ الصَّوَابُ [في د وب: الكتاب.] ، وَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ مَدْحٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَا أَقَامُوا ذَلِكَ وَاتَّصَفُوا بِهِ. فَإِذَا تَرَكُوا التَّغْيِيرَ وَتَوَاطَئُوا عَلَى الْمُنْكَرِ زَالَ عَنْهُمُ اسْمُ الْمَدْحِ وَلَحِقَهُمُ اسْمُ الذَّمِّ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِهَلَاكِهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ [راجع ص ٤٦ من هذا الجزء.] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ أَخْبَرَ أَنَّ إِيمَانَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالنَّبِيِّ ﷺ خَيْرٌ لَهُمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مِنْهُمْ مؤمنا وفاسقا، وأن الفاسق أكثر.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ الصَّيْفِ وَوَهْبَ بْنَ يَهُودَا [في ب: "يهود".] الْيَهُودِيَّيْنِ قَالَا لَهُمْ: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ وَدِينُنَا خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً الرُّوَاةُ وَالدُّعَاةُ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِطَاعَتِهِمْ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَكُونُ لِأَوَّلِنَا وَلَا تَكُونُ لِآخِرِنَا.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مضرب بن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ". قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَقَالَ: إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيُنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ [أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب فضائل أصحاب النبي ﷺ: ٧ / ٣، وفي الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور. ومسلم في فضائل الصحابة باب فضل الصحابة برقم (٢٥٣٥) : ٤ / ١٩٦٤ - ١٩٦٥. والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٦٧.] ".
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" [أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب قول النبي ﷺ: لو كنت متخذا خليلا: ٧ / ٢١. ومسلم في فضائل الصحابة باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم برقم (٢٥٤٠) : ٤ / ١٩٦٧ والمصنف في شرح السنة ١٤ / ٦٩.] .
وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُمْ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَقَوْلُهُ ﴿كُنْتُمْ﴾ أَيْ: أَنْتُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا ﴾ [الأعراف: ٨٦] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: " وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ " [الأنفال: ٢٦] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَقَالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ ﴿لِلنَّاسِ﴾ "مِنْ" صِلَةُ قَوْلِهِ " خَيْرَ أُمَّةٍ" أَيْ: أَنْتُمْ خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَعْنَاهُ: كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ تَجِيئُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فَتُدْخِلُونَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ [أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا في تفسير آل عمران باب "كنتم خير أمة أخرجت للناس" ٨ / ٢٢٤ وبمعناه مرفوعا في الجهاد باب الأسارى في السلال: ٦ / ١٤٥.] .
قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ بِالْقِتَالِ فَهُمْ يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ فَيُدْخِلُونَهُمْ فِي دِينِهِمْ فَهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ لِلنَّاسِ.
وَقِيلَ "لِلنَّاسِ" صِلَةُ قَوْلِهِ "أُخْرِجَتْ" مَعْنَاهُ: مَا أَخْرَجَ اللَّهُ لِلنَّاسِ أُمَّةً خَيْرًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَيْشٍ الْمَقْرِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: "إِنَّكُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" [أخرجه الترمذي في التفسير سورة آل عمران: ٨ / ٣٥٢ وقال: هذا حديث حسن وقد روى غير واحد هذا الحديث عن بهز بن حكيم نحو هذا ولم يذكروا فيه: كنتم خير أمة أخرجت للناس وابن ماجه في الزهد باب صفة أمة محمد ﷺ برقم (٤٢٨٨) : ٢ / ١٤٣٣، والدارمي في الرقاق باب في قول النبي ﷺ: أنتم آخر الأمم: ٢ / ٣١٣ والحاكم في المستدرك: ٤ / ٨٤ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد تابع سعيد بن إياس الجريري بهذا في رواية عن حكيم بن معاوية وأتى بزيادة في المتن. والطبري في التفسير: ٢ / ٢٥، ٧ / ١٠٤ وأحمد في المسند: ٤ / ٤٤٧، ٥ / ٥. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٨ / ٣٢٥: "وهو حديث حسن صحيح". وانظر تعليق الشيخ محمود شاكر على الطبري: ٢ / ٢٥ - ٢٦ و٧ / ١٠٤.] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مَعْشَرٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِيرَكِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو الصَّلْتِ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُوَفِّي سَبْعِينَ أُمَّةً هِيَ أَخْيَرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" [أخرجه ابن ماجه في الزهد باب صفة أمة محمد ﷺ برقم (٤٢٨٨) ٢ / ١٤٣٣، وأحمد في المسند: ٤ / ٤٤٧ عن معاوية بن حيدة ٥ / ٥. قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله ثقات. مجمع الوائد: ١٠ / ٣٩٧.] .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا الْفَضْلُ، بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ يَحْيَى الْأَبَحُّ أَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" [أخرجه الترمذي في الأدب باب حدثنا قتيبة: ٨ / ١٧٠ وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الدييع وأحمد في المسند: ٣ / ١٣٠ - ١٤٣ عن أنس ٤ / ٣١٩ عن عمار. وأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في الأمثال ص ٢٢٣. وقال ابن الربيع الشيباني في تمييز الطيب من الخبيث. . ص ١٦٨: "وقول النووي في فتاوه إنه ضعيف متعقب". ورواه الطبراني والبزار عن عمار قال الهيثمي في المجمع: ١٠ / ٦٨: ورجال البزار رجال الصحيح غير الحسن بن قزعة وعبيد بن سليمان الأغر وهما ثقتان. وانظر: فيض القدير: ٥ / ٥١٧.] .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَخْلَدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّنِّيسِيُّ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رسول الله ﷺ ٦٧/أقَالَ: "إِنَّ الْجَنَّةَ حُرِّمَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ حَتَّى أَدْخُلَهَا، وَحُرِّمَتْ عَلَى الْأُمَمِ كُلِّهِمْ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي" [قال الحافظ ابن كثير في التفسير: ١ / ٣٩٧ "رواه الدارقطني في الأفراد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري عن سعيد ابن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. . . ثم قال الدارقطني: انفرد به ابن عقيل عن الزهري ولم يروه عنه سواه، وتفرد به زهير بن محمد عن ابن عقيل، وتفرد به عمرو بن أبي سلمة عن زهير. وقد رواه أبو أحمد بن عدي الحافظ. . . ورواه الثعلبي. قلت: وفيه صدقة بن عبد الله ضعيف (تقريب) وعبد الله بن محمد: احتج به محمد بن إسماعيل وإسحاق وقال أبو حاتم وغيره: ليّن الحديث (المغني للذهبي) .] .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاتِمٍ التِّرْمِذِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي لِأُمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْزُوقٍ، أَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو سِنَانٍ يَعْنِي ضِرَارَ بْنَ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ثَمَانُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ" [أخرجه الترمذي في الجنة باب ما جاء في كم صف أهل الجنة: ٧ / ٢٥٤ وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه في الزهد باب صفة أمة محمد ﷺ برقم (٤٢٩) : ٢ / ١٤٣٤، والدارمي في الرقاق باب في صفوف أهل الجنة: ٢ / ٣٣٧، وأحمد في المسند: ١ / ٤٥٣ عن ابن مسعود وفي" ٥ / ٣٤٧ عن بريدة. وأخرجه الحاكم في المستدرك: ١ / ٨٢. وعزاه في تحفة الأحوذي: ٧ / ٢٥٤ للبيهقي في البعث والنشور ولابن حبان.] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أَيِ: الْكَافِرُونَ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
قوله - تعالى - ﴿كُنْتُمْ﴾ يصح أن تكون من كان التامة التى بمعنى وجد وهى لا تحتاج إلى خبر فيكون المعنى وجدتم خير أمة أخرجت للناس ، ويكون قوله ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ بمعنى الحال . وبهذا الراى قال جمع من المفسرين .ويصح أن تكون من كان الناقصة التى هى - كما يقول الزمخشرى - عبارة عن وجود الشىء فى زمان ماض على سبيل الإبهام وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طارىء فيكون المعنى : قدرتم فى علم الله - تعالى - خير أمة أخرجت للناس .ويجوز أن تكون بمعنى صار . أى تحولتم يا معشر المؤمنين الذين عاصرتم النبى ﷺ من جاهليتكم إلى أن صرتم خير أمة .وقيل : إن " كان " هنا زائدة ، والتقدير : أنتم خير أمة . ورد هذا القول بأن كان لا تزاد فى أول الكلام .والظاهر أن الرأى الأول الذى يقول إن ﴿كُنْتُمْ﴾ هنا من كان التامة هو أقرب الأقوال إلى الصواب " ويليه الرأى الثاني الذى يرى أصحابه أن " كنتم " هنا من " كان " الناقصة إلا أنها هنا تدل على تحقق شىء بصفة فى الزمان الماضى من غير دلالة على عدم سابق أو لاحق .والخطاب فى هذه الآية الكريمة بقوله - تعالى - ﴿كُنْتُمْ﴾ للمؤمنين الذين عاصروا النبى ﷺ ولمن أتى بعدهم واتبع تعاليم الإسلام إلى يوم الدين .ولذا قال ابن كثير : والصحيح أن هذه الآية عامة فى جميع الأمة . كل قرن بحسبه ، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ، كما قال - سبحانه - فى الآية الأخرى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ وقد وردت أحاديث متعددة فى فضل هذه الأمة الإسلامية ، منها : ما جاء فى مسند الإمام أحمد وفى سنن الترمذى وابن ماجه من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه قال : قال رسول الله - ﷺ - " أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله - تعالى - " .والمعنى : وجدتم يا معشر المسلمين العالمين بتعاليم الإسلام وآدابه وسنته وشريعته خير أمة أخرجت وأظهرت للناس ، من أجل إعلاء كلمة الحق وإزهاق كلمة الباطل ، ونشر الإصلاح والنفع فى الأرض .وقوله ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ خبر كنتم على أنها من كان الناقصة .وجملة ﴿أُخْرِجَتْ﴾ صفة لأمة ، وقوله ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بأخرجت ، وحذف الفاعل من ﴿أُخْرِجَتْ﴾ للعلم به أى : خرجها الله - تعالى - لنفع الناس وهدايتهم إلى الصراط المستقيم .فالجملة الكريمة تنوه بشأن الأمة الإسلامية وتعلى من قدرها ، فهل تعى الأمة الإسلامية هذا التنويه من شأنها وذلك لإعلاء من قدرها فتقوم بدورها الذى اختاره الله لها ، وهو نشر كلمة التوحيد فى الأرض واحقاق الحق وإبطال الباطل شكراً لله - تعالى - على جعله إياها خير أمة أخرجت للناس؟؟إن واقع المسلمين الملىء بالضعف والهوان ، والفسوق والعصيان يدمى قلوب المؤمنين الصادقين ، ويحملهم على أن يبلغوا رسالات الله دون أن يخشوا أحدا سواه حتى تكون كلمته هى العليا وكلمة الذين كفروا هى السفلى .ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس فقال : ﴿تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله﴾ .والمعروف : هو كل قول أو عمل حسنه الشرع ، وأيدته العقول السليمة ، والمنكر بعكسه .والمعنى : وجدتم خير أمة أخرجت للناس ، لانكم تأمرون بالمعروف أى بالقول أو الفعل الجميل المستحسن فى الشرائع والعقول . ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ أى كل قول أو فعل قبيح تستنكره الشرائع ويأباه أهل الإيمان القويم ، والعقل السليم .و ﴿وَتُؤْمِنُونَ﴾ بالله أى تصدقون وتذعنون بأنه لا معبود بحق سواه ، وتخلصون له العبادة والخضوع ، وتطيعونه فى كل ما أمركم به أو نهاكم عنه على لسان رسوله محمد ﷺ .فأنت ترى أن الخيرية للأمة الإسلامية منوطة بتحقيق اصلين أساسيين :أولهما : الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لأنهما سياج الدين ، ولا يمكن أن يتحقق بنيان أمة على الخير والفضيلة إلا بالقيام بهما ، فهما من الأسباب التى استحق بنو إسرائيل اللعنة من أجل تركهما ، فقد أخرج أبو داود فى سننه عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ : " إن أول ما دخل النقص على بنى إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول له : يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال ﷺ ( لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بني إِسْرَائِيلَ على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ ذلك بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) ثم قال : " كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذون على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق اطرا - ولتحملنه على اتباع الحق حملا - أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ، ثم ليلعنكم كما لعنهم " .وثانيهما : الإيمان بالله - تعالى - وبجميع ما أمر الله - تعالى - بالإيمان به .هذان هما الأمران اللذان يجب أن يتحققا لتكون هذه الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس لأن الأمة التي تهمل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا تؤمن بالله لا يمكن أن تكون خير أمة بل لا توصف بالخيرية قط ، لأنه لا خير إلا فى الفضائل والحق والعدل ، ولا تقوم هذه الأمور إلا مع وجود الإيمان بالله وكثرة الدعاة إلى الخير والناهين عن الشر ، ويكون لدعوتهم آثارها القوية التى تحيا معها الفضائل وتزول بها الرذائل .وكأنه - سبحانه - قد أخر " الإيمان بالله " عن " الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر " ليكون كالباعث عليهما لأنه لا يصبر على تكاليفهما ومتاعبهما إلا مؤمن يبتغى وجه الله ويركن فى كفاحه إليه . فهذا الإيمان بالله هو الباعث للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، على أن يبلغوا رسالات الله ، دون أن يخشوا أحدا سواه .وقيل : إنما أخر الإيمان على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع تقدمه عليهما وجودا ورتبة كما هو الظاهر ، لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم دون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فهما أظهر فى الدلالة على الخيرية للأمة الإسلامية .وجملة ﴿تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ يجوز أن تكون حالية من ضمير الخطاب فى ﴿كُنْتُمْ﴾ ويجوز أن تكون مستأنفة للتعليل ، وهذا ما ذهب إليه الفخر الرازى ، فقد قال :" واعلم أن هذا الكلام مستأنف والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية ، كما تقول : زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم ، وتحقيق الكلام أنه ثبت فى أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف فههنا حكم الله - بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة . ثم ذكر عقيب هذا الحكم هذه الطاعات أعنى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان ، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبارات .وقال الإمام ابن كثير - بعد أن ساق بضعة عشر حديثاً فى فضل هذه الأمة : فهذه الأحاديث فى معنى قوله - تعالى - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله﴾ فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم فى هذا المدح ، كما قال قتادة ، بلغنا أن عمر بن الخطاب رأى من الناس دعة فى حجة حجها فقرأ هذه الآية : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، ثم قال : من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها " ، رواه ابن جرير ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله : ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ الآية .وبعد أن مدح - سبحانه - هذه الأمة على هذه الصفات شرع فى ذم أهل الكتاب وتأنيبهم فقال - تعالى - ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكتاب﴾ أى بما أنزل على محمد ﷺ ﴿لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ أى لكان إيمانهم خيرا لهم فى دنياهم وآخرتهم ولنالوا الخيرية التى ظفرت بها الأمة الإسلامية ولكنهم لم يؤمنوا فامتنع الخير فيهم لامتناع الإيمان الصحيح منهم ، ولإيثارهم الضلالة على الهداية فهذه الجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ .. . . ومرتبطة بها .ولم يذكر متعلق ﴿آمَنَ﴾ هنا لأن المراد لو اتصفوا بالإيمان الذى هو لقب وشعار للإيمان بدين الإسلام الذى أتى به محمد ﷺ ، وهو الذى منه أطلقت صفة الذين آمنوا على المسلمين فصار كالعلم بالغلبة .وقال - سبحانه - ﴿لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ أى : لو آمنوا لكان إيمانهم خيرا لهم بدون تفصيل لهذه الخيرية لتذهب نفوسهم كل مذهب فى الرجاء والإشفاق .ثم أخبر - سبحانه - بأن قلة من أهل الكتاب اختاروا الإيمان على الكفر فقال - تعالى - ﴿مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون﴾ .أى : من أهل الكتاب أمة آمنت بالله وصدقت رسوله محمدا ﷺ واتبعت ما جاء به من الحق وأكثرهم معرضون عن الإيمان بالله وبرسوله ﷺ وخارجون عن الطريق المستقيم الذى أمرت باتباعه الشرائع والعقول السليمة .فالجملة الكريمة إنصاف للقلة المؤمنة التى آمنت من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وغيره ممن دخل فى الإسلام . وذم لأكثر أهل الكتاب الذين جحدوا الحق . وخرجوا عن الطريق القويم .وقوله ﴿مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون﴾ جملة مستأنفة استئنافا بيانيا ، فهى جواب للجملة الشرطية التى قبلها . فكأنه قيل : هل منهم من آمن أو كلهم على الكفر؟ فكان الجواب : منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون .وعبر عن كفرهم بالفسق ، للإشعار بأنهم قد فسقوا فى دينهم أيضا فهم ليسوا عدولا فيه ، وبذلك يكونون قد خرجوا عن الإسلام وعما أوجبته عليهم كتبهم من الإيمان بمحمد ﷺ .