مقارنة التفاسير
النساء · الآية 26
ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ مِن عَلَيۡكُمۡۗ ﴿٢٦﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
النساء · الآية 26
ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ مِن عَلَيۡكُمۡۗ ﴿٢٦﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
يريد الله تعالى بهذه التشريعات، أن يوضح لكم معالم دينه القويم، وشرعه الحكيم، ويدلَّكم على طرق الأنبياء والصالحين من قبلكم في الحلال والحرام، ويتوب عليكم بالرجوع بكم إلى الطاعات، وهو سبحانه عليم بما يصلح شأن عباده، حكيم فيما شرعه لكم.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يخبر تعالى بمنته العظيمة ومنحته الجسيمة، وحسن تربيته لعباده المؤمنين وسهولة دينه فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: جميع ما تحتاجون إلى بيانه من الحق والباطل، والحلال والحرام، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: الذين أنعم الله عليهم من النبيين وأتباعهم، في سيرهم الحميدة، وأفعالهم السديدة، وشمائلهم الكاملة، وتوفيقهم التام. فلذلك نفذ ما أراده، ووضح لكم وبين بيانا كما بين لمن قبلكم، وهداكم هداية عظيمة في العلم والعمل. ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يلطف بكم في أحوالكم وما شرعه لكم حتى تمكنوا من الوقوف على ما حده الله، والاكتفاء بما أحله فتقل ذنوبكم بسبب ما يسر الله عليكم فهذا من توبته على عباده. ومن توبته عليهم أنهم إذا أذنبوا فتح لهم أبواب الرحمة وأوزع قلوبهم الإنابة إليه، والتذلل بين يديه ثم يتوب عليهم بقبول ما وفقهم له. فله الحمد والشكر على ذلك. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: كامل الحكمة، فمن علمه أن علمكم ما لم تكونوا تعلمون، ومنها هذه الأشياء والحدود. ومن حكمته أنه يتوب على من اقتضت حكمته ورحمته التوبة عليه، ويخذل من اقتضت حكمته وعدله من لا يصلح للتوبة.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 26 إلى 28 معاً في نص واحد.
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يُريدُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-مَا [في جـ، ر، أ: "فيما".] أَحَلَّ لَكُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ، مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي: طَرَائِقَهُمُ الْحَمِيدَةَ وَاتِّبَاعَ [في ر: "في اتباع".] شَرَائِعِهِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ مِنَ الْإِثْمِ [في ر، أ: "المأثم".] وَالْمَحَارِمِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿[وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [زيادة من ر، أ.] أَيْ: يُريد [في ر، أ: "من".] أَتْبَاعُ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالزُّنَاةِ ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ يَعْنِي: عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أَيْ: فِي شَرَائِعِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَمَا يُقَدِّرُهُ لَكُمْ، وَلِهَذَا أَبَاحَ [نِكَاحَ] [زيادة من أ.] الْإِمَاءِ بِشُرُوطِهِ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ فَنَاسَبَهُ [في أ: "فيناسبه".] التَّخْفِيفُ؛ لِضِعْفِهِ فِي نَفْسِهِ وَضِعْفِ عَزْمِهِ وَهِمَّتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [الْأَحْمَسِيُّ] [زيادة من جـ، أ.] حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنِ أَبِيهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ أَيْ: فِي أَمْرِ النِّسَاءِ، وَقَالَ وَكِيعٌ: يَذْهَبُ عَقْلُهُ عِنْدَهُنَّ.
وَقَالَ مُوسَى الْكَلِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [في جـ، أ: "والتسليم".] لِنَبِيِّنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ [في أ: "لنبينا محمد ﷺ".] عَلَيْهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ مَرَّ عَلَيْهِ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِ سدْرة الْمُنْتَهَى، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا فَرَضَ عليكم [في جـ، أ: "عليك ربك".] ؟ فقال: "أمرني بخمسين صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" [في ر: "أمرني بخمسين اليوم والليلة" وفي جـ، أ: "أمرني بخمسين صلاة في اليوم والليلة".] فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ [في أ: "الناس من".] قَبْلَكَ عَلَى مَا هُوَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَجَزُوا، وَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ أَسْمَاعًا وَأَبْصَارًا وَقُلُوبًا، فَرَجَعَ فَوَضَعَ عَشْرًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَقِيَتْ خَمْسًا [قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا"] [زيادة من جـ، أ.] الْحَدِيثَ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يريد الله ليبين لكم"، حلاله وحرامَه ="وَيهديكم سُنن الذين من قبلكم"، يقول: وليسددكم [انظر تفسير"الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة.] ="سُنن الذين من قبلكم"، يعني: سُبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه، ومناهجهم فيما حرّم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات وسائر ما حرم عليكم في الآيتين اللتين بَيَّن فيهما ما حرّم من النساء [انظر تفسير"السنة" فيما سلف ٧: ٢٣٠، ٢٣١، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٢٤.] ="ويتوب عليكم"، يقول: يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك، مما كنتم عليه من معصيته في فعلكم ذلك قبلَ الإسلام، وقبل أن يوحي ما أوحىَ إلى نبيه من ذلك ="عليكم"، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم ="والله عليم"، يقول: والله ذو علم بما يصلح عباده في أدْيانهم ودنياهم وغير ذلك من أمورهم، وبما يأتون ويذَرون مما أحل أو حرم عليهم، حافظ ذلك كله عليهم ="حكيم" بتدبيره فيهم، في تصريفهم فيما صرّفهم فيه. [انظر تفسير سائر ألفاظ الآية فيما سلف، في فهارس اللغة.]
* *
واختلف أهل العربية في معنى قوله:"يريد الله ليبين لكم".
فقال بعضهم: معنى ذلك: يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم. وقال: ذلك كما قال: ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [سورة الشورى: ١٥] بكسر"اللام"، لأن معناه: أمرت بهذا من أجل ذلك.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: يريد الله أنْ يُبين لكم ويهديكم سُنن الذين من قبلكم. وقالوا: من شأن العرب التعقيبُ بين"كي" و"لام كي" و"أن"، ووضْعُ كل واحدة منهن موضع كلِّ واحدة من أختها معَ"أردت" و"أمرت". فيقولون:"أمرتكَ أن تذهب، ولتذهب"، و"أردت أن تذهب ولتذهب"، كما قال الله جل ثناؤه: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٧١] ، وقال في موضع آخر: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [سورة الأنعام: ١٤] ، [في المخطوطة والمطبوعة: "وأمرت أن أكون"، وهو سهو من الناسخ، وأثبت نص التلاوة.] وكما قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [سورة الصف: ٨] ، ثم قال في موضع آخر، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [سورة التوبة: ٣٢] . واعتلوا في توجيههم"أن" مع"أمرت" و"أردت" إلى معنى"كي"، وتوجيه"كي" مع ذلك إلى معنى"أن"، لطلب"أردت" و"أمرت" الاستقبال، وأنها لا يصلح معها الماضي، [في المطبوعة: "وأيهما"، وهي في المخطوطة غير منقوطة، وكأنها خطأ مطبعي.] لا يقال:"أمرتك أن قمت"، ولا"أردت أن قمت". قالوا: فلما كانت"أن" قد تكون مع الماضي في غير"أردت" و"أمرت"، وَكَّدُوا لها معنى الاستقبال بما لا يكون معه ماض من الأفعال بحال، [في المطبوعة: "ذكروا لها معنى الاستقبال ... "، وهو كلام لا معنى له، صوابه ما أثبته من المخطوطة، والظاهر أن الناشر استنكر عبارة أبي جعفر فغيرها. وعبارة الفراء في معاني القرآن: "استوثقوا لمعنى الاستقبال".] من"كي" و"اللام" التي في معنى"كي". قالوا: وكذلك جمعت العرب بينهن أحيانًا في الحرف الواحد، فقال قائلهم في الجمع: [لا يعرف قائله.]
أَرَدْتَ لِكَيْمَا أَنْ تَطِيرَ بِقِرْبَتِي ... فَتَتْرُكَهَا شَنًّا بِبَيْدَاءَ بَلَقْعِ [معاني القرآن للفراء ١: ٢٦٢، الإنصاف: ٢٤٢، الخزانة ٣: ٥٨٥، والعيني (هامش الخزانة) ٤: ٤٠٥، وغيرها، كما قال صاحب الخزانة: "وهذا بيت قلما خلا منه كتاب نحوي". "الشن": الخلق البالي: و"البيداء": المفازة المهلكة، و"البلقع": الأرض القفر التي لا شيء بها. يقول: إنما أردت بذلك هلاكي وضياعي في قفرة مهلكة.] فجمع بينهن، لاتفاق معانيهن واختلاف ألفاظهن، كما قال الآخر: [ينسب إلى العجاج، وإلى رؤبة، وليس في ديوانه، وانظر التعليق التالي.]
قَدْ يَكْسِبُ المَالَ الهِدَانُ الجَافِي ... بِغَيْرِ لا عَصْفٍ وَلا اصْطِرَافِ [ديوان العجاج: ٤٠، ٨٢، معاني القرآن للفراء ١: ٢٦٢، الإنصاف: ٢٤٢. واللسان (صرف) (عصف) (هدن) ، والبيت التالي، هو الوارد في شعر العجاج: قَالَ الَّذِي جَمَّعْتَ لِي صَوَافِي ... مِنْ غَيْرِ لا عَصْفٍ وَلا اصْطِرَافِ وهو من قصيدة يعاتب فيها ولده رؤبة، فرد عليه ولده رؤبة بقصيدة في ديوانه: ٩٩. فظاهر أن هذا هو سبب الخلط في نسبة هذا الشعر، والصواب أنه للعجاج، لأنه من معنى عتابه ولده حين كبر وأرعش، وظن أن ابنه طمع في ماله ورجا هلاكه، وختم قصيدته بقوله: لَيْسَ كَذَاكُمْ وَلَدُ الأَشْرَافِ ... أَعْجَلَنِي المَوْتَ وَلَمْ يُكًافِ سَوْفَ يُجَازيك مَلِيكٌ وَافِ ... بِالأَخْذِ إنْ جَازَاكَ، أَوْ يُعافِي و"الهدان": الجبان، أو الوخم الثقيل النوام الذي لا يبكر في حاجة. و"عصف يعصف" و"اعتصف": طلب وكسب واحتال. و"العصف": الكسب والاحتيال. و"صرفت الرجل في أمري، فتصرف واصطرف": أي احتال في طلب الكسب.]
فجمع بين"غير" و"لا"، توكيدًا للنفي. قالوا: إنما يجوز أن يجعل"أن" مكان"كي"، و"كي" مكان"أن"، في الأماكن التي لا يَصْحب جالبَ ذلك ماض من الأفعال أو غير المستقبل. فأما ما صحبه ماض من الأفعال وغير المستقبل، فلا يجوز ذلك. لا يجوز عندهم أن يقال:"طننت ليقوم"، ولا"أظن ليقوم"، بمعنى: أظن أن يقوم = لأنّ ["أنْ"] ، [الزيادة بين القوسين لا بد منها، استظهرتها من السياق، ومن معاني القرآن للفراء.] التي تدخل مع الظن تكون مع الماضي من الفعل، يقال:"أظن أن قد قام زيد"، ومع المستقبل، ومع الأسماء. [ومثالهما عند الفراء ١: ٢٦٣ ما نصه"ومع المستقبل، فتقول: أظن أن سيقوم زيد = ومع الأسماء فتقول: أظن أنك قائم" وهذا الذي مضى هو مختصر مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٢٦١-٢٦٣.]
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: إن"اللام" في قوله:"يريد الله ليبين لكم"، بمعنى: يريد الله أنْ يبين لكم، لما ذكرتُ من علة من قال إنّ ذلك كذلك.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) أَيْ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ وَمَصَالِحَ أَمْرِكُمْ، وَمَا يَحِلُّ لَكُمْ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْكُمْ. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ خُلُوِّ وَاقِعَةٍ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [راجع ج ٦ ص ٤٢٠ وج ٧ ص ١٩.] ) عَلَى مَا يَأْتِي. وَقَالَ بَعْدَ هَذَا: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) فجاء هذا (بأن) وَالْأَوَّلُ بِاللَّامِ. فَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تُعَاقِبُ بَيْنَ لَامِ كَيْ وَأَنْ، فَتَأْتِي بِاللَّامِ الَّتِي عَلَى مَعْنَى (كَيْ) فِي مَوْضِعِ (أَنْ) فِي أَرَدْتُ وأمرت، فيقولون: أردت أن تفعل، وأردت لتفعل، لِأَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْمُسْتَقْبَلَ. وَلَا يَجُوزُ ظَنَنْتُ لِتَفْعَلَ، لِأَنَّكَ تَقُولُ ظَنَنْتُ أَنْ قَدْ قُمْتَ. وَفِي التَّنْزِيلِ (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [راجع ج ١٦ ص ١٣.] ).
(وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين [راجع ج ٦ ص ٤٢٠ وج ٧ ص ١٩.] ).
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [راجع ج ١٨ ص ٨٥.] ).
(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ الله [راجع ج ٨ ص ١٢١.] ). قال الشاعر [هو كثير عزة.] : أُرِيدُ لِأَنْسَى ذِكْرَهَا فَكَأَنَّمَا ... تُمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبِيلِ
يُرِيدُ أَنْ أَنْسَى. قَالَ النَّحَّاسُ: وَخَطَّأَ الزَّجَّاجُ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالَ: لَوْ كَانَتِ اللَّامُ بِمَعْنَى (أَنْ) لَدَخَلَتْ عَلَيْهَا لَامٌ أُخْرَى، كَمَا تَقُولُ: جِئْتُ كَيْ تُكْرِمَنِي، ثُمَّ تَقُولُ جئت لكي تكرمني. وأنشدنا:
أَرَدْتُ لِكَيْمَا يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهَا ... سَرَاوِيلُ قَيْسٍ وَالْوُفُودُ شُهُودُ [البيت لقيس بن عبادة، وبعده: وألا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادى نمته ثمود قال ابن سيده: بلغنا أن قيسا طاول روميا بين يدي معاوية أو غيره من الأمراء فتجرد قيس من سراويله وألقاها إلى الرومي ففضلت عنه، فقال هذين البيتين يعتذر من إلقاء سراويله في المشهد المجموع. (عن اللسان مادة سرل).]
قَالَ: وَالتَّقْدِيرُ إِرَادَتُهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَزَادَ الْأَمْرَ عَلَى هَذَا حَتَّى سَمَّاهَا بَعْضُ الْقُرَّاءِ لَامَ أَنْ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى يُرِيدُ اللَّهُ هَذَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ.
(وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: مَعْنَى (يَهْدِيَكُمْ) يُبَيِّنُ لَكُمْ طُرُقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَأَهْلِ الْبَاطِلِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَيْنَا فَقَدْ حُرِّمَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّهُ يَكُونُ الْمَعْنَى وَيُبَيِّنُ لَكُمْ أَمْرَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِمَّنْ كَانَ يَجْتَنِبُ مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَقَدْ يَكُونُ وَيُبَيِّنُ لَكُمْ كَمَا بَيَّنَ لِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا يُومِي بِهِ إِلَى هَذَا بِعَيْنِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّ قَوْلَهُ (يُرِيدُ اللَّهُ) ابْتِدَاءُ الْقِصَّةِ، أَيْ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ كَيْفِيَّةَ طَاعَتِهِ.
(وَيَهْدِيَكُمْ) يُعَرِّفَكُمْ (سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أَنَّهُمْ لَمَّا تَرَكُوا أَمْرِي كَيْفَ عَاقَبْتُهُمْ، وَأَنْتُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَا [في ج: إذ فعلتم ذلك أعاقبكم. وفى ى: لا أكافيكم.) (] أُعَاقِبُكُمْ وَلَكِنِّي أَتُوبُ عَلَيْكُمْ.
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بِمَنْ تَابَ (حَكِيمٌ) بِقَبُولِ التَّوْبَةِ.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أَيْ: أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] أَيْ: أَنَّ أَعْدَلَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ "وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ" [غافر: ٦٦] .
وَمَعْنَى الْآيَةِ: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، أَيْ: يُوَضِّحَ لَكُمْ شَرَائِعَ دِينِكُمْ وَمَصَالِحَ أُمُورِكُمْ، قَالَ عَطَاءٌ: يُبَيِّنُ لَكُمْ مَا يُقَرِّبُكُمْ مِنْهُ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يُبَيِّنُ لَكُمْ أَنَّ الصَّبْرَ عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ خَيْرٌ لَكُمْ، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾ وَيُرْشِدَكُمْ، ﴿سُنَنَ﴾ شَرَائِعَ، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فِي تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ قَبِلَكُمْ.
وَقِيلَ: وَيَهْدِيَكُمُ الْمِلَّةَ الْحَنِيفِيَّةَ وَهِيَ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ وَيَتَجَاوَزَ عَنْكُمْ مَا أَصَبْتُمْ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ بِكُمْ مِنَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْهَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَقِيلَ: يُوَفِّقُكُمْ لِلتَّوْبَةِ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيمَا دَبَّرَ مِنْ أُمُورِهِمْ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
قوله - تعالى - : ( يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) استئناف مقرر لما سبق من الأحكام ، وقد ساقه - سبحانه - لإِيناس قلوب المؤمنين حتى يمتثلوا عن اقتناع وتسليم لما شرعه الله لهم من أحكام .قال الآلوسى : ومثل هذا التركيب - قوله ( يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) . وقع فى كلام العرب قديما وخرجه النحاة على مذاهب :فقيل مفعول ( يُرِيدُ ) محذوف أى : يريد الله تحليل ما أحل وتحريم ما حرم ونحوه . واللام للتعليل . . . ونسب هذا إلى سيبويه وجمهور البصريين .فتعلق الإِرادة غير التبيين ، وإنما فعلوه لئلا يتعدى الفعل إلى مفعوله المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف .وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤول بالمصدر من غير سابك ، كما قيل به فى قولهم : " تسمع بالمعيدى خير من أن تراه " أى إرادتى كائنة للتبين . وفيه تكلف .وذهب الكوفيون إلى أن اللام هى الناصبة للفعل من غير إضمار أن ، وهى وما بعدها مفعول للفعل المقدم أى : يريد الله البيان لكم .والمعنى : يريد الله - تعالى - بما شرع لكم من أحكام ، وبما ذكر من محرمات ومباحات أن يبين لكم ما فيه خيركم وصلاحكم وسعادتكم ، وأن يميز لكم بين الحلال والحرام والحسن والقبيح .وقوله : ( وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ ) معطوف على ما قبله .والسنن : جمع سنة وهى الطريقة وفى أكثر استعمالها تكون للطريقة المثلى الهادية إلى الحق .أى : ويهديكم مناهج وطرائق من تقدمكم من الأنبياء والصالحين ، لتقتفوا آثارهم وتسلكوا سبيلهم .وليس المراد أن جميع ما شرعه من حلال أو من حرام كان مشروعا بعينه للأمم السابقة . بل المراد أن الله كما قد شرع للأمم السابقة من الأحكام ما هم فى حاجة إليه وما اقتضته مصالحهم ، فكذلك قد شرع لنا ما نحن فى حاجة إليه وما يحقق مصالحنا ، فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة فى ذاتها إلا أنها متفقة فى باب المصالح .وقوله : ( وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) معطوف على ما قبله .والتوبة معناها : ترك الذنب مع الندم عليه والعزم على عدم العود ، وذلك مستحيل فى حقه - سبحانه - لذا قالوا : المراد بها هنا المغفرة لتسببها عنها . أو المراد بها قبول التوبة .أى : ويقبل توبتكم متى رجعتم إليه بصدق وإخلاص ، فقد تكفل - سبحانه - لعباده أن يغفر لهم خطاياهم متى تابوا إليه توبة صادقة نصوحا وفى التعبير عن قبول التوبة بقوله ( وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) إشارة إلى ما يتضمنه معنى قبول التوبة من ستر للذنوب ، ومنع لكشفها ، فهى غطاء على المعاصى يمنعها من الظهور حتى يذهب تأثيرها فى النفس :فالآية الكريمة تحريض على التوبة ، لأن الوعد بقبولها متى كانت صادقة يغرى الناس .بطرق بابها وبالإِكثار منها . .وقوله : ( والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) أى والله - تعالى - ذو علم شامل لجميع الأشياء ، فيعلم أن ما شرع لكم من أحكام مناسب لكم ، وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم ، ومتى تكون توبة أحدكم صادقة ومتى لا تكون كذلك ( حَكِيمٌ ) يضع الأمور فى مواضعها . فيبين لمن يشاء ، ويهدى من يشاء ، ويتوب على من يشاء .فأنت ترى أن هذه الآية قد بينت جانبا من مظاهر فضل الله ورحمته بعباده ، حيث كشفت للناس أن الله - تعالى - يريد بإنزاله لهذا القرآن أن يبين لهم التكاليف التى كلفهم بها ليعرفوا الخير من الشر ، وأن يرشدهم إلى سبل من تقدمهم من أهل الحق ، وأن يغفر لهم ذنوبهم متى أخلصوا له التوبة .