مقارنة التفاسير
الأنعام · الآية 27
إِذۡ عَلَى وَلَا مِنَ ﴿٢٧﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الأنعام · الآية 27
إِذۡ عَلَى وَلَا مِنَ ﴿٢٧﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ولو ترى -أيها الرسول- هؤلاء المشركين يوم القيامة لرأيت أمرًا عظيمًا، وذلك حين يُحْبَسون على النار، ويشاهدون ما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك قالوا: يا ليتنا نعاد إلى الحياة الدنيا، فنصدق بآيات الله ونعمل بها، ونكونَ من المؤمنين.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يقول تعالى -مخبرا عن حال المشركين يوم القيامة، وإحضارهم النار:. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ ليوبخوا ويقرعوا، لرأيت أمرا هائلا، وحالا مفظعة. ولرأيتهم كيف أقروا على أنفسهم بالكفر والفسوق، وتمنوا أن لو يردون إلى الدنيا. { فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 27 إلى 30 معاً في نص واحد.
يَذْكُرُ تَعَالَى حَالَ الْكُفَّارِ إِذَا وَقَفُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى النَّارِ، وَشَاهَدُوا مَا فِيهَا مِنَ السَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ، وَرَأَوْا بِأَعْيُنِهِمْ تِلْكَ الْأُمُورَ الْعِظَامَ وَالْأَهْوَالَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا، لِيَعْمَلُوا عَمَلًا صَالِحًا، وَلَا يُكَذِّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَيَكُونُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: بَلْ ظَهَرَ لَهُمْ حِينَئِذٍ مَا كَانُوا يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَالْمُعَانَدَةِ، وَإِنْ أَنْكَرُوهَا، فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ قَبْلَ هَذَا بِيَسِيرٍ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ ظَهَرَ لَهُمْ مَا كَانُوا يَعْلَمُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مِنْ صِدْقِ مَا جَاءَتْ [في أ: "ما جاءهم"] بِهِ الرُّسُلُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانُوا يُظْهِرُونَ لِأَتْبَاعِهِمْ خِلَافَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ لِفِرْعَوْنَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ﴾ الْآيَةَ [الْإِسْرَاءِ: ١٠٢] . قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النَّمْلِ: ١٤] .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُظْهِرُونَ لِلنَّاسِ الْإِيمَانَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ، وَيَكُونُ هَذَا إِخْبَارًا عَمَّا يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ كَلَامِ طَائِفَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا كَوْنُ هَذِهِ [السُّورَةِ] [زيادة من م، أ.] مَكِّيَّةً، وَالنِّفَاقُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْأَعْرَابِ، فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ وُقُوعَ النِّفَاقِ فِي سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ وَهِيَ الْعَنْكَبُوتُ، فَقَالَ: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١١] ؛ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ إِخْبَارًا عَنْ حَالِ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، حِينَ يُعَايِنُونَ الْعَذَابَ يَظْهَرُ [في أ: "فظهر"] لَهُمْ حينئذ غِبُّ مَا كَانُوا يُبْطِنُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَعْنَى الْإِضْرَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ فَهُم مَا طَلَبُوا الْعَوْدَ إِلَى الدُّنْيَا رَغْبَةً وَمَحَبَّةً [زياد من أ.] فِي الْإِيمَانِ، بَلْ خَوْفًا مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي عَايَنُوهُ جَزَاءَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، فَسَأَلُوا الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا لِيَتَخَلَّصُوا مِمَّا شَاهَدُوا [في أ: "شاهدوه".] مِنَ النَّارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: فِي تَمَنِّيهِمُ الرَّجْعَةَ رَغْبَةً وَمَحَبَّةً فِي الْإِيمَانِ.
ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُمْ: إِنَّهُمْ لَوْ رُدُّوا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا، لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [مِنَ الْكُفْرِ وَالْمُخَالَفَةِ] [زيادة من م، أ.] ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: فِي قَوْلِهِمْ: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أَيْ: لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ، إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَلَقَالُوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا﴾ أَيْ: مَا هِيَ إِلَّا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، ثُمَّ لَا مَعَادَ بَعْدَهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾
ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: أُوقِفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: أَلَيْسَ هَذَا الْمَعَادُ بِحَقٍّ وَلَيْسَ بِبَاطِلٍ كَمَا كُنْتُمْ تَظُنُّونَ؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أَيْ: بِمَا [في د، م: "كما".] كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ، فَذُوقُوا الْيَوْمَ مَسّه [في أ: "منه".] ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ١٥]
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد ﷺ:" ولو ترى"، يا محمد، هؤلاء العادلين بربهم الأصنامَ والأوثانَ، الجاحدين نبوّتك، الذين وصفت لك صفتهم ="إذ وُقفوا"، يقول: إذ حُبِسوا ="على النار"، يعني: في النار- فوضعت"على" موضع"في" كما قال: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [سورة البقرة: ١٠٢] ، بمعنى في ملك سليمان. [انظر تفسير"على" بمعنى"في" فيما سلف ١: ٢٩٩/ ٢: ٤١١، ٤١٢/١١: ٢٠٠، ٢٠١ ومواضع أخرى، التمسها في فهارس النحو والعربية.]
* *
وقيل:"ولو ترى إذ وقفوا"، ومعناه: إذا وقفوا = لما وصفنا قبلُ فيما مضى: أن العرب قد تضع"إذ" مكان"إذا"، و"إذا" مكان"إذ"، وإن كان حظّ"إذ" أن تصاحب من الأخبار ما قد وُجد فقضي، وحظ"إذا" أن تصاحب من الأخبار ما لم يوجد، [انظر"إذا" و"إذ" فيما سلف ص: ٢٣٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.] ولكن ذلك كما قال الراجز، وهو أبو النجم:
مَدَّ لَنَا فِي عُمْرِهِ رَبُّ طَهَا ... ثُمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنَّا إذْ جَزَى
جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي العَلالِيِّ العُلَى [مضى بيتان منها فيما سلف ص: ٢٣٥، والبيت الأول من الرجز، في اللسان (طها) وقال: "وإنما أراد: رب طه، فحذف الألف". وكان رسم"طها" في المطبوعة والمخطوطة: "طه"، فآثرت رسمها كما كتبها صاحب اللسان (طها) .]
فقال:"ثم جزاه الله عنا إذ جزى" فوضع،"إذ" مكان"إذا".
* *
وقيل:"وقفوا"، ولم يُقَل:"أُوقِفوا"، لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب. يقال:"وقَفتُ الدابة وغيرها"، بغير ألف، إذا حبستها. وكذلك:"وقفت الأرضَ"، إذا جعلتها صدقةً حَبيسًا، بغير ألف، وقد:-
١٣١٧٩- حدثني الحارث، عن أبي عبيد قال: أخبرني اليزيديّ والأصمعي، كلاهما، عن أبي عمرو قال: ما سمعت أحدًا من العرب يقول:"أوقفت الشيء" بالألف. قال: إلا أني لو رأيت رجلا بمكانٍ فقلت:"ما أوقفك ها هنا؟ "، بالألف، لرأيته حسنًا. [الأثر: ١٣١٧٩ - انظر هذا الخبر في لسان العرب"وقف". وكان في المطبوعة: "الحارث بن أبي عبيد"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة. وقد مضى هذا الإسناد مرارًا.]
="فقالوا يا ليتنا نردّ"، يقول: فقال هؤلاء المشركون بربهم، إذ حُبسوا في النار:"يا ليتنا نردّ"، إلى الدنيا حتى نتوب ونراجعَ طاعة الله ="ولا نكذب بآيات ربنا"، يقول: ولا نكذّب بحجج ربنا ولا نجحدها ="ونكون من المؤمنين"، يقول: ونكون من المصدّقين بالله وحججه ورسله، متَّبعي أمره ونهيه.
* *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة والعراقيين: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، بمعنى: يا ليتنا نردُّ، ولسنا نكذب بآيات ربنا، ولكنّا نكون من المؤمنين.
* *
وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفة: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بمعنى: يا ليتنا نرد، وأن لا نكذب بآيات ربنا، ونكونَ من المؤمنين. وتأوَّلوا في ذلك شيئًا:-
١٣١٨٠ - حدثنيه أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون قال: في حرف ابن مسعود: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ﴾ بالفاء.
* *
وذكر عن بعض قرأة أهل الشام، أنه قرأ ذلك: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ﴾ بالرفع ﴿وَنَكُونَ﴾ بالنصب، كأنه وجَّه تأويله إلى أنهم تمنوا الردَّ، وأن يكونوا من المؤمنين، وأخبروا أنهم لا يكذِّبون بآيات ربهم إن رُدُّوا إلى الدنيا.
* *
واختلف أهل العربية في معنى ذلك منصوبًا ومرفوعًا.
فقال بعض نحويي البصرة:"ولا نكذِّبَ بآيات ربِّنا ونكونَ من المؤمنين"، نصبٌ، لأنه جواب للتمني، وما بعد"الواو" كما بعد"الفاء". قال: وإن شئت رفعتَ وجعلته على غير التمني، كأنهم قالوا: ولا نكذِّبُ والله بآيات ربنا، ونكونُ والله من المؤمنين. هذا، إذا كان على ذا الوجه، كان منقطعًا من الأوّل. قال: والرفع وجهُ الكلام، لأنه إذا نصب جعلها"واوَ" عطف. فإذا جعلها"واو" عطف، فكأنهم قد تمنوا أن لا يكذِّبوا، وأن يكونوا من المؤمنين. قال: وهذا، والله أعلم، لا يكون، لأنهم لم يتمنوا هذا، إنما تمنوا الردّ، وأخبروا أنهم لا يكذبون، ويكونون من المؤمنين.
* *
وكان بعض نحويي الكوفة يقول: لو نصب"نكذب" و"نكون" على الجواب بالواو، لكان صوابًا. قال: والعرب تجيب ب"الواو"، و"ثم"، كما تجيب بالفاء. يقولون:"ليت لي مالا فأعطيَك"،"وليت لي مالا وأُعْطيَك"،"وثم أعطيَك". قال: وقد تكون نصبًا على الصَّرف، كقولك:"لا يَسَعُنِي شيء ويعجِزَ عَنك. ["الصرف"، مضى تفسيره فيما سلف ١: ٥٦٩، تعليق: ١/٣: ٥٥٢، تعليق: ١/٧: ٢٤٧، تعليق: ٢.]
* *
وقال آخر منهم: لا أحبُّ النصب في هذا، لأنه ليس بتمنٍّ منهم، إنما هو خبرٌ، أخبروا به عن أنفسهم. ألا ترى أن الله تعالى ذكره قد كذَّبهم فقال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ؟ وإنما يكون التكذيب للخبر لا للتمنِّي.
* *
وكان بعضهم ينكر أن يكون الجواب"بالواو"، وبحرف غير"الفاء". وكان يقول: إنما"الواو" موضع حال، لا يسعني شيء ويضيقَ عنك"، أي: وهو يضيق عنك. قال: وكذلك الصَّرف في جميع العربية. قال: وأما"الفاء" فجواب جزاء:"ما قمت فنأتيَك"، أي: لو قمت لأتينَاك. قال: فهذا حكم الصرف و"الفاء". قال: وأمّا قوله:"ولا نكذب"، و"نكون" فإنما جاز، لأنهم قالوا:"يا ليتنا نرد"، في غير الحال التي وقفنا فيها على النار. فكان وقفهم في تلك، فتمنَّوا أن لا يكونوا وُقِفُوا في تلك الحال.
* *
قال أبو جعفر: وكأنّ معنى صاحب هذه المقالة في قوله هذا: ولو ترى إذ وقفوا على النار، فقالوا: قد وقفنا عليها مكذِّبين بآيات ربِّنا كفارًا، فيا ليتنا نردّ إليها فنُوقَف عليها غير مكذبين بآيات ربِّنا ولا كفارًا.
وهذا تأويلٌ يدفعه ظاهر التنزيل، وذلك قول الله تعالى ذكره: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، فأخبر الله تعالى أنهم في قيلهم ذلك كذبة، والتكذيب لا يقع في التمني. ولكن صاحب هذه المقالة أظنُّ به أنَّه لم يتدبر التأويل، ولَزِم سَنَن العربيّة.
* *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالرفع في كليهما، بمعنى: يا ليتنا نردّ، ولسنا نكذب بآيات ربِّنا إن رددنا، ولكنا نكون من المؤمنين= على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردُّوا إلى الدنيا، لا على التمنّي منهم أن لا يكذِّبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين. لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردُّوا لعادوا لما نهوا عنه، وأنهم كذبة في قيلهم ذلك. ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني، لاستحال تكذيبهم فيه، لأن التمني لا يكذَّب، وإنما يكون التصديقُ والتكذيبُ في الأخبار.
* *
وأما النصب في ذلك، فإني أظنّ بقارئه أنه توخَّى تأويل قراءة عبد الله التي ذكرناها عنه، [في المطبوعة: "فإني أظن بقارئه أنه برجاء تأويل قراءة عبد الله"، وهو كلام غث. وفي المخطوطة: ". . . أنه برحا تأويل قراءة عبد الله" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.] وذلك قراءته ذلك: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، على وجه جواب التمني بالفاء. وهو إذا قرئ بالفاء كذلك، لا شك في صحة إعرابه. ومعناه في ذلك: أن تأويله إذا قرئ كذلك: لو أنّا رددنا إلى الدنيا ما كذَّبنا بآيات ربِّنا، ولكُنَّا من المؤمنين. فإن يكن الذي حَكَى من حكى عن العرب من السماع منهم الجوابَ بالواو، و"ثم" كهيئة الجواب بالفاء، صحيحًا، فلا شك في صحّة قراءة من قرأ ذلك: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ نصبًا على جواب التمني بالواو، على تأويل قراءة عبد الله ذلك بالفاء. وإلا فإن القراءة بذلك بعيدةُ المعنى من تأويل التنزيل. ولستُ أعلم سماعَ ذلك من العرب صحيحًا، بل المعروف من كلامها: الجوابُ بالفاء، والصرفُ بالواو.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [أَيْ إِذْ] [من ب وج وع وى.] وُقِفُوا غَدًا وَ (إِذْ) قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعِ (إِذَا) وَ (إِذَا) فِي مَوْضِعِ (إِذْ) وَمَا سَيَكُونُ فَكَأَنَّهُ كَانَ، لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى حَقٌّ وَصِدْقٌ، فَلِهَذَا عَبَّرَ بِالْمَاضِي. وَمَعْنَى (إِذْ وُقِفُوا) حُبِسُوا يُقَالُ: وَقَفْتُهُ وَقْفًا فَوَقَفَ وُقُوفًا. وَقَرَأَ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (إِذْ وَقَفُوا) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْقَافِ مِنَ الْوُقُوفِ. "عَلَى النَّارِ" أَيْ هُمْ فَوْقَهَا عَلَى الصِّرَاطِ وَهِيَ تَحْتَهُمْ. وَقِيلَ: (عَلَى) بِمَعْنَى الْبَاءِ، أَيْ وَقَفُوا بِقُرْبِهَا وَهُمْ يُعَايِنُونَهَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: جَمَعُوا، يَعْنِي عَلَى أَبْوَابِهَا. وَيُقَالُ: وَقَفُوا عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ وَالنَّارُ تَحْتَهُمْ. وَفِي الْخَبَرِ: أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يُوقَفُونَ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا مَتْنُ إِهَالَةٍ [الإهالة الشحم المذاب ومتن الإهالة ظهرها إذا سكبت في الإناء، فشبه سكون جهنم قبل أن يصير فيها الكفار بذلك. (اللسان).] ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ خُذِي أَصْحَابَكِ وَدَعِي أَصْحَابِي. وَقِيلَ: (وُقِفُوا) دَخَلُوهَا- أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا- فَعَلَى بِمَعْنَى (فِي) أَيْ وُقِفُوا فِي النَّارِ. وَجَوَابٌ (لَوْ) مَحْذُوفٌ لِيَذْهَبَ الوهم إلى كل شي فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي التَّخْوِيفِ، وَالْمَعْنَى: لَوْ تَرَاهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَرَأَيْتَ أَسْوَأَ حَالٍ، أَوْ لَرَأَيْتَ مَنْظَرًا هَائِلًا، أَوْ لَرَأَيْتَ أَمْرًا عَجَبًا وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذَا التَّقْدِيرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بِالرَّفْعِ فِي الْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ عَطْفًا قِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكِسَائِيِّ، وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِالضَّمِّ [أي بالرفع في كلها كما في ابن عطية.] . ابْنُ عَامِرٍ عَلَى رَفْعِ (نُكَذِّبُ) وَنَصْبِ (وَنَكُونَ) وَكُلُّهُ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى التَّمَنِّي، أَيْ لَا تَمَنَّوُا الرد وَأَلَّا يُكَذِّبُوا وَأَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهِ الْقَطْعَ فِي (وَلَا نُكَذِّبُ) فَيَكُونُ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي التَّمَنِّي، الْمَعْنَى: وَنَحْنُ لَا نُكَذِّبُ عَلَى مَعْنَى الثَّبَاتِ عَلَى تَرْكِ التَّكْذِيبِ، أَيْ لَا نُكَذِّبُ رَدَدْنَا أَوْ لَمْ نَرُدَّ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ دَعْنِي وَلَا أَعُودُ أَيْ لَا أَعُودُ عَلَى كُلِّ حَالٍ تَرَكْتَنِي أَوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. وَاسْتَدَلَّ أَبُو عَمْرٍو عَلَى خُرُوجِهِ مِنَ التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ: "وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ" لِأَنَّ الْكَذِبَ لَا يَكُونُ فِي التَّمَنِّي إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْخَبَرِ. وَقَالَ مَنْ جَعَلَهُ دَاخِلًا فِي التَّمَنِّي: الْمَعْنَى وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فِي الدُّنْيَا فِي إِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ وَتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ بِنَصْبِ (نُكَذِّبَ) وَ (نَكُونَ) جَوَابًا لِلتَّمَنِّي، لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَهُمَا دَاخِلَانِ فِي التَّمَنِّي عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ وَتَرْكَ التَّكْذِيبِ وَالْكَوْنَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: مَعْنَى (وَلا نُكَذِّبَ) أَيْ إِنْ رَدَدْنَا لَمْ نُكَذِّبْ. وَالنَّصْبُ فِي (نُكَذِّبَ) وَ (نَكُونَ) بِإِضْمَارِ (أَنْ) كَمَا يُنْصَبُ فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْعَرْضِ، لِأَنَّ جَمِيعَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَلَا وَاقِعٌ بَعْدُ، فَيُنْصَبُ الْجَوَابُ مَعَ الْوَاوِ كَأَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَصْدَرِ الْأَوَّلِ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: يَا لَيْتَنَا يَكُونُ لَنَا رَدٌّ وَانْتِفَاءٌ مِنَ الْكَذِبِ، وَكَوْنٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَحُمِلَا عَلَى مَصْدَرِ (نُرَدُّ) لِانْقِلَابِ الْمَعْنَى إِلَى الرَّفْعِ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِضْمَارِ (أن) فيه يتم النَّصْبُ فِي الْفِعْلَيْنِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (وَنَكُونَ) بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي كَقَوْلِكَ: لَيْتَكَ تَصِيرُ إِلَيْنَا وَنُكْرِمُكَ، أَيْ لَيْتَ مَصِيرَكَ يَقَعُ وَإِكْرَامَنَا يَقَعُ، وَأُدْخِلَ الْفِعْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي التَّمَنِّي، أَوْ أَرَادَ: وَنَحْنُ لَا نُكْرِمُكَ [في ك.] عَلَى الْقَطْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، يَحْتَمِلُ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ (وَلَا [كذا في الأصول والذي في البحر: وقرا أبي (فلا نكذب بآيات ربنا أبدا).] نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا أَبَدًا). وَعَنْهُ وَابْنُ مَسْعُودٍ (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلَا نُكَذِّبَ) بِالْفَاءِ وَالنَّصْبِ، وَالْفَاءُ يُنْصَبُ بِهَا فِي الْجَوَابِ كَمَا يُنْصَبُ بِالْوَاوِ، عَنِ الزَّجَّاجِ. وَأَكْثَرُ الْبَصْرِيِّينَ لَا يُجِيزُونَ الْجَوَابَ إلا بالفاء.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 27 إلى 30 معاً في نص واحد.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ يَعْنِي: فِي النَّارِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) أَيْ: فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ، وَقِيلَ: عُرِضُوا عَلَى النَّارِ، وَجَوَابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ مَعْنَاهُ: لَوْ تَرَاهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَرَأَيْتَ عَجَبًا، ﴿فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ يَعْنِي: إِلَى الدُّنْيَا، ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ كُلُّهَا بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى: يَا لَيْتَنَا نَرُدُّ وَنَحْنُ لَا نَكُذِّبُ، وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ "وَلَا نُكَذِّبَ وَنَكُونَ" بِنَصْبِ الْبَاءِ وَالنُّونِ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، أَيْ: لَيْتَ رَدَّنَا وَقَعَ، وَأَنْ لَا نُكَذِّبَ وَنَكُونَ، وَالْعَرَبُ تَنْصِبُ جَوَابَ التَّمَنِّي بِالْوَاوِ كَمَا تَنْصِبُّ بِالْفَاءِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "نُكَذِّبُ" بِالرَّفْعِ وَ"نَكُونَ" بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُمْ تَمَنَّوْا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ إِنْ رُدُّوا إِلَى الدُّنْيَا.
﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ قَوْلُهُ: "بَلْ" تَحْتَهُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ، أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوا إِنَّهُمْ لَوْ رُدُّوا لَآمَنُوا، بَلْ بَدَا لَهُمْ، ظَهَرَ لَهُمْ، ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ﴾ يُسِرُّونَ، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ فِي الدُّنْيَا مِنْ كُفْرِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ، وَقِيلَ: مَا كَانُوا يُخْفُونَ وَهُوَ قَوْلُهُمْ "وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ" (الْأَنْعَامِ، ٢٣) ، فَأَخْفَوْا شِرْكَهُمْ وَكَتَمُوا حَتَّى شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ بِمَا كَتَمُوا وَسَتَرُوا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُخْفُونَ كُفْرَهُمْ فِي الدُّنْيَا، إِلَّا أَنْ تُجْعَلَ الْآيَةَ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: بَلْ بَدَا لَهُمْ جَزَاءُ مَا كَانُوا يُخْفُونَ، وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: بَلْ بَدَا عَنْهُمْ.
ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ إِلَى الدُّنْيَا ﴿لَعَادُوا لِمَا﴾ يَعْنِي إِلَى مَا ﴿نُهُوا عَنْهُ﴾ مِنَ الْكُفْرِ، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فِي قَوْلِهِمْ، لَوْ رُدِدْنَا إِلَى الدُّنْيَا لَمْ نُكَذِّبْ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَكُنَّا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ إِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ رُدُّوا لَقَالُوهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: عَلَى حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ وَمَسْأَلَتِهِ، وَقِيلَ: عُرِضُوا عَلَى رَبِّهِمْ، ﴿قَالَ﴾ لَهُمْ وَقِيلَ: تَقُولُ لَهُمُ الْخَزَنَةُ بِأَمْرِ اللَّهِ، ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ ؟ يَعْنِي: أَلَيْسَ هَذَا الْبَعْثُ وَالْعَذَابُ بِالْحَقِّ؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ إِنَّهُ حَقٌّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي مَوْقِفٍ، وَقَوْلُهُمْ: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فِي مَوْقِفٍ آخَرَ، وَفِي الْقِيَامَةِ مَوَاقِفُ، فَفِي مَوْقِفٍ يُقِرُّونَ، وَفِي مَوْقِفٍ يُنْكِرُونَ.
﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم يصور - سبحانه - حالهم عند ما يعرضون على النار ، وعندما يقفون أمام ربهم ، وحكى ما يقولونه فى تلك المواقف الشديدة فقال تعالى : ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ . . . .﴾ .﴿لَوْ﴾ شرطية ، حذف جوابها لتذهب النفس فى تصوره كل مذهب وذلك أبلغ من ذكره .و ﴿وُقِفُواْ﴾ بالبناء للمفعول بمعنى : وقفهم غيرهم . يقال : وقف على الأطلال أى : عندها مشرفاً عليها ، ويقال وقف على الشىء عرفه وتبينه .والمعنى : إنك أيها النبى الكريم - أو أيها الإنسان العاقل - لو اطلعت على هؤلاء المشركين عندما يقفون على النار ويشاهدون لهيبها وسعيرها . لرأيت شيئاً مروعاً مخيفاً يجعلهم يتحسرون على ما فرط منهم ، ويتمنون أن يعودوا إلى الدنيا ليصدقوا بآيات الله التى طالما كذبوها . وليكونوا من المؤمنين .وعبر - سبحانه - بإذ التى تدل على الماضي - مع أن الحديث عما سيحصل لهم فى الآخرة فكان يناسبه إذا - لإفادة تحقق الوقوع وتأكده ، وليتصور المستقبل على أنه موجود لا على أنه سيوجد ، وعطف بالفاء فى قوله ﴿فَقَالُواْ﴾ للدلالة على أن أول شىء يقع فى قلوبهم حينئذ إنما هو الندم على ما سلف منهم ، وتمنى الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا .