مقارنة التفاسير
الأنعام · الآية 56
قُلۡ أَنۡ ٱلَّذِينَ مِن ٱللَّهِۚ قُل لَّآ قَدۡ وَمَآ مِنَ ﴿٥٦﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الأنعام · الآية 56
قُلۡ أَنۡ ٱلَّذِينَ مِن ٱللَّهِۚ قُل لَّآ قَدۡ وَمَآ مِنَ ﴿٥٦﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إن الله عز وجل نهاني أن أعبد الأوثان التي تعبدونها من دونه، وقل لهم: لا أتبع أهواءكم، قد ضللت عن الصراط المستقيم إن اتبعت أهواءَكم، وما أنا من المهتدين.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين الذين يدعون مع الله آلهة أخرى: ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الأنداد والأوثان، التي لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فإن هذا باطل، وليس لكم فيه حجة بل ولا شبهة، ولا اتباع الهوى الذي اتباعه أعظم الضلال، ولهذا قال ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ أي: إن اتبعت أهواءكم ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ بوجه من الوجوه.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 55 إلى 59 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 55.
يَقُولُ تَعَالَى: وَكَمَا بَيَّنَا مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنَ الْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ عَلَى طَرِيقِ الْهِدَايَةِ وَالرَّشَادِ، وَذَمِّ الْمُجَادَلَةِ وَالْعِنَادِ، ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ أَيِ: الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُخَاطَبُونَ إِلَى بَيَانِهَا ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: وَلِتَظْهَرَ [في م، أ: "وليظهر".] طَرِيقُ الْمُجْرِمِينَ الْمُخَالِفِينَ لِلرُّسُلِ، وَقُرِئَ: "وَلِيَسْتَبِينَ [في أ: "ولتستبين".] سَبِيلُ المجرمين" أَيْ: وَلِيَسْتَبِينَ يَا مُحَمَّدُ -أَوْ يَا مُخَاطَبُ -سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أَيْ: عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ الَّتِي أَوْحَاهَا إِلَيَّ ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ أَيْ: بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَنِي مِنْ [عِنْدِ] [زيادة من أ.] اللَّهِ ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أَيْ: مِنَ الْعَذَابِ، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَرْجِعُ أَمْرُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَجَّل لَكُمْ مَا سَأَلْتُمُوهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْظَرَكُمْ وَأَجَّلَكُمْ؛ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْعَظِيمَةِ. وَلِهَذَا قَالَ ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ أَيْ: وَهُوَ خَيْرُ مَنْ فَصَلَ الْقَضَايَا، وَخَيْرُ الْفَاتِحِينَ الْحَاكِمِينَ بَيْنَ عِبَادِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أَيْ: لَوْ كَانَ مَرْجِعُ مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِلَيَّ، لَأَوْقَعْتُ بِكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ ذَلِكَ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَبَيْنَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْب، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: "لَقَدْ لقيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُ يَوْمَ الْعَقَبَةِ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي على ابن عبد يا ليل ابْنِ عَبْدِ كُلال، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أردتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أظَلَّتْني، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَك الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ". قَالَ: "فَنَادَانِي مَلَك الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ [في أ: "ربي".] إِلَيْكَ، لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ، لَا [في أ: "ولا".] يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا"، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ [صحيح البخاري برقم (٣٢٣١) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٥) .]
فَقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ عَذَابَهُمْ وَاسْتِئْصَالَهُمْ، فَاسْتَأْنَى بِهِمْ، وَسَأَلَ لَهُمُ التَّأْخِيرَ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ ؟
فَالْجَوَابُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّت عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِلَيْهِ وقوعُ الْعَذَابِ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ حالَ طَلبهم لَهُ، لَأَوْقَعَهُ بِهِمْ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ وُقُوعَ الْعَذَابِ بِهِمْ، بَلْ عَرَضَ عَلَيْهِ مَلَك الْجِبَالِ أَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَطْبَقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ -وَهُمَا جَبَلَا مَكَّةَ اللَّذَانِ يَكْتَنِفَانِهَا جَنُوبًا [في د: "يمينا".] وَشَمَالًا -فَلِهَذَا اسْتَأْنَى بِهِمْ وَسَأَلَ الرِّفْقَ لَهُمْ [في أ: "الرفق بهم".]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] [صحيح البخاري برقم (٤٦٢٧) .] .
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [زيادة من أ.] أَنَّ جِبْرِيلَ حِينَ تَبدَّى لَهُ فِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ فَسَأَلَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فيما قَالَ لَهُ: "خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ "، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الْآيَةَ [لُقْمَانَ: ٣٤] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أَيْ: يُحِيطُ عِلْمُهُ الْكَرِيمُ [في م، أ: "العظيم".] بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ، بَريها وَبَحْرِيِّهَا [في د: "بحرها وبرها".] لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَا مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الصّرْصَريّ:
فَلا يَخْفَى عَلَيْهِ الذَّر إمَّا ... تَرَاءىَ لِلنَّوَاظِرِ أَوْ تَوَارى ...
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾ أَيْ: وَيَعْلَمُ الْحَرَكَاتِ حَتَّى مِنَ الْجَمَادَاتِ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْحَيَوَانَاتِ، وَلَا سِيَّمَا الْمُكَلَّفُونَ مِنْهُمْ مِنْ جِنِّهِمْ وَإِنْسِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غَافِرٍ: ١٩] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبيع، حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَص، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ حَسَّانَ النَّمَرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾ قَالَ: مَا مِنْ شَجَرَةٍ فِي بَرٍّ وَلَا بَحْرٍ إِلَّا وَمَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهَا، يَكْتُبُ مَا يُسْقُطُ [في أ: "ما سقط".] مِنْهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ النَّضْرِ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: إِنَّ تَحْتَ الْأَرْضِ الثَّالِثَةِ وَفَوْقَ الرَّابِعَةِ مِنَ الْجِنِّ مَا لَوْ أَنَّهُمْ ظَهَرُوا -يَعْنِي لَكُمْ -لَمْ تَرَوْا مَعَهُمْ نُورًا، عَلَى كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْأَرْضِ [في م، أ: "من زواياها".] خَاتَمٌ مِنْ خَوَاتِيمِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى كُلِّ خَاتَمِ مَلَك مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَبْعَثُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَلَكًا مِنْ عِنْدِهِ: أَنِ احْتَفِظْ بِمَا عِنْدَكَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ المِسوَر الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْر، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارث قَالَ: مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ وَلَا مغْرَز إِبْرَةٍ إِلَّا عَلَيْهَا [في أ: "إلا وعليها".] مَلَكٌ مُوَكَّلٌ يَأْتِي اللَّهَ بِعِلْمِهَا: رُطُوبَتِهَا إِذَا رَطِبَتْ، ويَبَسها إِذَا يَبِسَتْ.
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَّانِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ سُعَيْرٍ، بِهِ [تفسير الطبري (١١/٤٠٤) .]
ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكر عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَجُلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ النُّونَ -وَهِيَ الدَّوَاةُ -وَخَلَقَ الْأَلْوَاحَ، فَكَتَبَ فِيهَا أَمْرَ الدُّنْيَا حَتَّى يَنْقَضِيَ مَا كَانَ مِنْ خَلْقٍ مَخْلُوقٍ، أَوْ رِزْقِ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ، أَوْ عَمَلِ بِرٍّ أَوْ فُجُورٍ [في م: "بحر".] وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾ إلى آخر الآية.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين بربّهم من قومِك، العادلين به الأوثان والأنداد، الذين يدعونك إلى موافقتهم على دينهم وعبادة الأوثان: إنّ الله نهاني أن أعبد الذين تدعون من دونه، فلن أتبعكم على ما تدعونني إليه من ذلك، ولا أوافقكم عليه، ولا أعطيكم محبّتكم وهواكم فيه. وإن فعلت ذلك، فقد تركت محجَّة الحق، وسلكت على غير الهدى، فصرت ضالا مثلكم على غير استقامة. [انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) .]
* *
وللعرب في"ضللت" لغتان: فتح"اللام" وكسرها، واللغة الفصيحة المشهورة هي فتحها، وبها قرأ عامة قرأة الأمصار، وبها نقرأ لشهرتها في العرب. وأما الكسر فليس بالغالب في كلامها، والقراأة بها قليلون. فمن قال"ضَلَلتُ" قال:"أَضِلُّ"، ومن قال"ضَلِلتُ" قال في المستقبل"أَضَلُّ". وكذلك القراءة عندنا في سائر القرآن: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلنَا﴾ بفتح اللام [سورة السجدة: ١٠] .
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: "تَدْعُونَ" بِمَعْنَى تَعْبُدُونَ. وَقِيلَ: تَدْعُونَهُمْ فِي مُهِمَّاتِ أُمُورِكُمْ عَلَى جِهَةِ الْعِبَادَةِ، أَرَادَ بِذَلِكَ الْأَصْنَامَ.
(قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ) فِيمَا طَلَبْتُمُوهُ مِنْ عِبَادَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَمِنْ طَرْدِ مَنْ أَرَدْتُمْ طَرْدَهُ.
(قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً) أَيْ قَدْ ضَلَلْتُ إِنِ اتَّبَعْتُ أَهْوَاءَكُمْ.
(وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) أَيْ على طريق رشد وهدى.
وقرى "ضَلَلْتُ" بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ. قَالَ أَبُو عَمْرِو] بْنُ الْعَلَاءِ [[من ى، ك.]]: ضَلِلْتُ بِكَسْرِ اللَّامِ لُغَةُ تَمِيمٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ] يَحْيَى [[[من ك.]] بْنِ وَثَّابٍ وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وَالْأُولَى هِيَ الْأَصَحُّ وَالْأَفْصَحُ، لِأَنَّهَا لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالضَّلَالُ وَالضَّلَالَةُ ضِدُّ الرَّشَادِ، وَقَدْ ضَلَلْتُ أَضِلُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى [[راجع ج ١٤ ص ٣١٣.] نَفْسِي"] سبأ: ٥٠] فَهَذِهِ لُغَةُ نَجْدٍ، وَهِيَ الْفَصِيحَةُ، وَأَهْلُ الْعَالِيَةِ يقولون: ضللت بالكسر أضل.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 55 إلى 56 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 55.
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أَيْ: وَهَكَذَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَكَمَا فَصَّلْنَا لَكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ دَلَائِلَنَا وَإِعْلَامَنَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ كَذَلِكَ نَفْصِلُ الْآيَاتِ، أَيْ: نُمَيِّزُ وَنُبَيِّنُ لَكَ حُجَّتَنَا فِي كُلِّ حَقٍّ يُنْكِرُهُ أَهْلُ الْبَاطِلِ، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أَيْ: طَرِيقُ الْمُجْرِمِينَ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ "وَلِتَسْتَبِينَ" بِالتَّاءِ، "سَبِيلَ" نُصِبَ عَلَى خِطَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أَيْ: وَلِتَعْرِفَ يَا مُحَمَّدُ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ، يُقَالُ: اسْتَبَنْتُ الشَّيْءَ وَتَبَيَّنْتُهُ إِذَا عَرَفْتُهُ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ "وَلِيَسْتَبِينَ" بِالْيَاءِ "سَبِيلُ" بِالرَّفْعِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بِالتَّاءِ "سَبِيلُ" رفع، أَيْ: لِيَظْهَرَ وَيَتَّضِحَ السَّبِيلُ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، فَدَلِيلُ التَّذْكِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ (الأعراف، ١٤٦) ، ودليل الثأنيت قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ من آمن به تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ (آلِ عُمْرَانَ، ٩٩) .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَطَرْدِ الْفُقَرَاءِ، ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ يَعْنِي: إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكْتُ سَبِيلَ الْحَقِّ وَسَلَكْتُ غَيْرَ طَرِيقِ الْهُدَى.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم أمر الله - تعالى - نبيه ﷺ ، أن يصارح أعداءه ببراءته من شركهم ومن اتباع باطلهم فقال - تعالى - : ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾ .قال الإمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين . ذكر فى هذه الآية أنه - تعالى - نهى عن سلوك سبيلهم فقال : إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ، وبين أن الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض الهوى والتقليد لا على سبيل الحجة والدليل ، لأنها جمادات وأحجار وهى أخس مرتبة من الإنسان بكثير . وكون الأشرف مشتغلا بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل ، وأيضاً فالقوم كانوا ينحتون تلك الأصنام ويركبونها ، ومن المعلوم بالبديهة أنه يقبح من هذا العامل الصانع أن يعبد معموله ومصنوعه ، فثبت أن عبادتها مبنية على الهوى ومضادة للهدى " .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يريدون منك أن تركن إليهم : إن الله نهانى وصرفنى بفضله ، وبما منحنى من عقل مفكر عن عبادة الآلهة التى تعبدونها من دون الله ، وقل - أيضاً - لهم بكل صراحة وقوة : إنى لست متبعا لما تمليه عليكم أهواؤكم وشهواتكم من انقياد للأباطيل ، ولو أنى ركنت إليكم لضللت عن الحق وكنت خارجا عن طائفة المهتدين .فالآية الكريمة قطعت بكل حسم ووضوح أطماعهم الفارغة فى استمالة النبى ﷺ إلى أهوائهم ، ووصمتهم بأنهم فى الضلال غارقون ، وعن الهدى مبتعدون .وجاءت كلمة ﴿نُهِيتُ﴾ بالبناء للمجهول للاستغناء عن ذكر الفاعل لظهوره ، أى : نهانى الله - تعالى - عن ذلك . وأجرى على الأصنام اسم الموصول الموضوع للعقلاء لأنهم عاملوهم معاملة العقلاء فأتى لهم بما يحكى اعتقادهم .قال أبو حيان : و " تدعون " معناه تعبدون : وقيل معناه تسمونهم آلهة من دعوت ولدى زيداً أى سميته بهذا الإسم . وقيل تدعون فى أموركم وحوائجكم وفى قوله تدعون من دون الله استجهال لهم ووصف بالاقتحام فيما كانوا منه على غير بصيرة ، ولفظة نهيت أبلغ من النفى بلا أعبد إذ ورد فيه ورود تكليف " .وجملة ﴿قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ﴾ مستأنفة ، وعدل بها عن العطف إلى الاستئناف لتكون غرضاً مستقلا ، وأعيد الأمر بالقول زيادة فى الاهتمام بالاستئناف واستقلاله ليكون هذا النفى شاملا للاتباع فى عبادة الأصنام وفى غيرها من ألوان ضلالهم كطلبهم طرد المؤمنين من مجلسه ، وعبر بقوله ﴿قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ﴾ دون لا أتبعكم . للإشارة إلى أنهم فى عبادتهم لغير الله تابعون للأهواء الباطلة ، نابذون للأدلة العقلية ، وفى هذا أكبر برهان على انطماس بصيرتهم ، وبنائهم لدينهم على الأوهام والأباطيل .وجملة ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً﴾ جواب لشرط مقدر . أى : إن اتبعت أهواءكم فقد ضللت إذاً وما اهتديت .وجملة ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ المهتدين﴾ معطوفة على جملة ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ ومؤكدة لمضمونها أى : إنه إن فعل ذلك - على سبيل الفرض والتقدير - خرج عن الحالة التى هو عليها الآن من كونه فى عداد المهتدين إلى كونه فى زمرة الضالين .والتعبير بقوله ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ المهتدين﴾ أبلغ من قوله وما أنا مهتد ، لأن التعريف فى المهتدين تعريض للجنس ، وإخبار المتكلم عن نفسه بأنه من المهتدين يفيد أنه واحد من الفئة التى تعرف عند الناس بفئة المهتدين ، فيفيد أنه مهتد بطريقة تشبه طريقة الاستدلال ، فهو من قبيل الكناية التى هى إثبات الشىء بإثبات ملزومه وهى أبلغ من التصريح . ولذا قال صاحب الكشاف : قولك فلان من العلماء أبلغ من قولك فلان عالم ، لأنك تشهد له بكونه معدوداً فى زمرتهم ومعرفة مساهمته معهم فى العلم " .