مقارنة التفاسير
الأعراف · الآية 160
إِلَىٰ إِذِ أَنِ مِنۡهُ قَدۡ كُلُّ عَلَيۡهِمُ عَلَيۡهِمُ مِن مَا وَمَا ﴿١٦٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الأعراف · الآية 160
إِلَىٰ إِذِ أَنِ مِنۡهُ قَدۡ كُلُّ عَلَيۡهِمُ عَلَيۡهِمُ مِن مَا وَمَا ﴿١٦٠﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
وفرَّقنا قومَ موسى مِن بني إسرائيل اثنتي عشرة قبيلة بعدد الأسباط -وهم أبناء يعقوب- كل قبيلة معروفة من جهة نقيبها. وأوحينا إلى موسى إذ طلب منه قومه السقيا حين عطشوا في التِّيه: أن اضرب بعصاك الحجر، فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا من الماء، قد علمت كل قبيلة من القبائل الاثنتي عشرة مشربهم، لا تدخل قبيلة على غيرها في شربها، وظلَّلنا عليهم السحاب، وأنزلنا عليهم المنَّ -وهو شيء يشبه الصَّمْغ، طعمه كالعسل- والسلوى، وهو طائر يشبه السُّمانى، وقلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم، فكرهوا ذلك وملُّوه من طول المداومة عليه، وقالوا: لن نصبر على طعام واحد، وطلبوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. وما ظلمونا حين لم يشكروا لله، ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون؛ إذ فوَّتوا عليها كل خير، وعرَّضوها للشر والنقمة.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
وَقَطَّعْنَاهُمُ أي: قسمناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا أي: اثنتي عشرة قبيلة متعارفة متوالفة، كل بني رجل من أولاد يعقوب قبيلة. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أي: طلبوا منه أن يدعو اللّه تعالى، أن يسقيهم ماء يشربون منه وتشرب منه مواشيهم، وذلك لأنهم - واللّه أعلم - في محل قليل الماء. فأوحى اللّه لموسى إجابة لطلبتهم أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ يحتمل أنه حجر معين، ويحتمل أنه اسم جنس، يشمل أي حجر كان، فضربه فَانْبَجَسَتْ أي: انفجرت من ذلك الحجر اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا جارية سارحة. قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ أي: قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل الاثنتي عشرة، وجعل لكل منهم عينا، فعلموها، واطمأنوا، واستراحوا من التعب والمزاحمة، والمخاصمة، وهذا من تمام نعمة اللّه عليهم. وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فكان يسترهم من حر الشمس وَأَنـزلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وهو الحلوى، وَالسَّلْوَى وهو لحم طير من أنواع الطيور وألذها، فجمع اللّه لهم بين الظلال، والشراب، والطعام الطيب، من الحلوى واللحوم، على وجه الراحة والطمأنينة. وقيل لهم: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا حين لم يشكروا اللّه، ولم يقوموا بما أوجب اللّه عليهم. وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث فوتوها كل خير، وعرضوها للشر والنقمة، وهذا كان مدة لبثهم في التيه.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 160 إلى 162 معاً في نص واحد.
تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا كُلِّهِ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ"، وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ، وَهَذَا السِّيَاقُ مَكِّيٌّ، وَنَبَّهْنَا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا السِّيَاقِ وَذَاكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ [سورة البقرة الآية: ٦٠.]
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فرقناهم= يعني قوم موسى من بني إسرائيل، فرقهم الله فجعلهم قبائل شتى، اثنتي عشرة قبيلة.
* *
وقد بينا معنى "الأسباط"، فيما مضى، ومن هم. [[[(٣) في المخطوطة: ((يستحكى هذا التأويل)) ، وفي المطبوعة: ((يستحكى على هذا التأويل)) ، زاد ((على)) ، لأن وجد الكلام لا معنى له. والصواب عندي ما أثبت ((يستخل)) من ((الخلل)) وهو الوهن والفساد، وقالوا: ((أمر مختل)) أي فاسد واهن. فاستخرج أبو جعفر أو غيره قياساً من ((الخلل)) ((استخل الشيء)) ، أي استوهنه واستضعفه، ووجد فيه خللاً. وهو قياس جيد في العربية. وهو صواب المعنى فيه إن شاء الله.]] انظر تفسير ((الأسباط)) فيما سلف ٢: ١٢١، الخبر رقم ١٠٤٧ / ٣: ١٠٩ - ١١٣، ١٢٢ / ٦: ٥٦٩.]
* *
واختلف أهل العربية في وجه تأنيث "الاثنتي عشرة"، و"الأسباط" جمع مذكر. فقال بعض نحويي البصرة: أراد اثنتي عشرة فرقة، ثم أخبر أن الفرق "أسباط"، ولم يجعل العدد على "أسباط".
* *
وكان بعضهم يستخِلُّ هذا التأويل ويقول (٢) لا يخرج العدد على غير التالي، [(١) في المخطوطة: ((على غير الثاني)) ، وغيرها في المطبوعة إلى: ((على عين الثاني)) ، وكلتاهما فاسدة المعنى، والصواب ما أثبت. يعنى: ما يتلو العدد، وهو ((أسباط)) ، وهو الظاهر في الكلام، وتقديره: ((اثنى عشرة فرقة أسباطاً)) ثم حذف ((فرقة)) وإضمارها، يوجب أن يجرى العدد على ما يتلوه، فصح بهذا ما أثبت من قراءة النص.] ولكن "الفرق" قبل "الاثنتي عشرة"، حتى تكون "الاثنتا عشرة" مؤنثة على ما قبلها، ويكون الكلام: وقطعناهم فرقًا اثنتي عشرة أسباطًا= فيصحّ التأنيث لما تقدَّم.
* *
وقال بعض نحويي الكوفة: إنما قال "الاثنتي عشرة" بالتأنيث، و"السبط" مذكر، لأن الكلام ذهب إلى "الأمم"، فغُلّب التأنيث، وإن كان "السبط" ذكرًا، وهو مثل قول الشاعر: [(٢) النواح الكلابي، رجل من بنى كلاب.] وَإِنَّ كِلابًا هَذِهِ عَشْرُ أَبْطُنٍ وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قَبَائِلِهَا الْعَشْرِ [(٣) سيبويه ٢: ١٧٤، معاني القرآن للفراء ١: ١٢٦، الإنصاف: ٣٢٣، العينى (هامش الخزانة) ٤: ٤٨٤، واللسان (بطن) ، وغيرها. ولم أجد تتمة الشعر.]
ذهب ب"البطن" إلى القبيلة والفصيلة، فلذلك جمع "البطن" بالتأنيث.
* *
وكان آخرون من نحويي الكوفة يقولون: إنما أنّثت "الاثنتا عشرة"، و "السبط" ذكر، لذكر "الأمم". [(٤) هو الفراء في معاني القرآن ١: ٣٩٧.]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنّ "الاثنتي عشرة" أنثت لتأنيث "القطعة"، ومعنى الكلام: وقطعناهم قِطَعًا اثنتي عشرة ثم ترجم عن "القِطَع" ب"الأسباط"، وغير جائز أن تكون "الأسباط" مفسرة عن "الاثنتي عشرة" وهي جمع، لأن التفسير فيما فوق "العشر" إلى "العشرين" بالتوحيد لا بالجمع، [(١) ((التفسير)) ، هو ((التمييز)) ، فقوله: ((مفسرة)) أي تمييزاً في الإعراب.] و"الأسباط" جمع لا واحد، وذلك كقولهم: "عندي اثنتا عشرة امرأة". ولا يقال: "عندي اثنتا عشرة نسوة"، فبيَّن ذلك أن "الأسباط" ليست بتفسير للاثنتي عشرة، [(٢) في المطبوعة والمخطوطة: ((ففي ذلك أن الأسباط)) ، وهو تركيب واه ضعيف، ورجحت أن ما أثبت أشبه بالصواب.] وأن القول في ذلك على ما قلنا.
* *
وأما "الأمم"، فالجماعات= و"السبط" في بني إسرائيل نحو "القَرْن". [(٣) انظر تفسير ((الأمة) فيما سلف ص: ١٧٢، تعليق: ١ والمراجع هناك وتفسير السبط فيما سلف ص ١٧٤ تعليق ٢ والمراجع هناك.]
* *
وقيل: إنما فرّقوا أسباطًا لاختلافهم في دينهم.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "وأوحينا إلى موسى"، إذ فرّقنا بني إسرائيل قومه اثنتي عشرة فرقة، وتيَّهناهم في التيه، فاستسقوا موسى من العَطش وغَوْر الماء= "أن اضرب بعصَاك الحجر".
* *
وقد بينا السبب الذي كان قومه استسقوه وبينا معنى الوحي بشواهده. [(١) انظر ما سلف ٢: ١١٩ - ١٢٢. = وتفسير ((الوحي)) فيما سلف من فهارس اللغة (وحي) .]
* *
= "فانبجست"، فانصّبت وانفجرت من الحجر اثنتَا عشرة عينًا من الماء، "قد علم كل أناس"، يعني: كل أناس من الأسباط الاثنتي عشرة "مشربهم"، لا يدخل سبط على غيره في شربه= "وظللنا عليهم الغمام"، يكنُّهم من حرّ الشمس وأذاها.
* *
وقد بينا معنى "الغمام" فيما مضى قبل، وكذلك: "المن والسلوى". [(٢) انظر تفسير ((تظليل الغمام)) فيما سلف ٢: ٩٠، ٩١. = وتفسير ((المن)) و ((والسلوى)) فيما سلف ٢: ٩١ - ١٠١. = وتفسير سائر الآية، وهي نظيرتها فيما سلف ٢: ١٠١، ١٠٢.]
* *
= "وأنزلنا عليهم المن والسلوى"، طعامًا لهم= "كلوا من طيبات ما رزقناكم"، يقول: وقلنا لهم: كلوا من حَلال ما رَزقْناكم، أيها الناس، وطيّبناه لكم= "وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"، وفي الكلام محذوف، ترك ذكره استغناءً بما ظهَر عما ترك، وهو: "فأجِمُوا ذلك، [(٣) في المطبوعة: ((فأجمعوا ذلك)) ، ظن ما في المخطوطة خطأ، فأصلحه، يعنى فأفسده! ! يقال: ((أجم الطعام يأجمه أجما)) ، إذا كرهه ومله من طول المداومة عليه.] وقالوا: لن نصبر على طعام واحد، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير"= "وما ظلمونا"، يقول: وما أدخلوا علينا نقصًا في ملكنا وسلطاننا بمسألتهم ما سألوا، وفعلهم ما فعلوا= "ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"، أي: ينقصونها حظوظَها باستبدالهم الأدنى بالخير، والأرذل بالأفضل.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 160 إلى 162 معاً في نص واحد.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً﴾ ١٦٠ عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَجَعَلَهُمْ أَسْبَاطًا لِيَكُونَ أَمْرُ كُلِّ سِبْطٍ مَعْرُوفًا مِنْ جِهَةِ رَئِيسِهِمْ، فَيَخِفُّ الْأَمْرُ عَلَى مُوسَى. وَفِي التَّنْزِيلِ "وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً" وَقَدْ تَقَدَّمَ [راجع ج ٦ ص ١١٢.] . وَقَوْلُهُ: "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ" وَالسِّبْطُ مُذَكَّرٌ لِأَنَّ بَعْدَهُ "أُمَماً ١٦٠"" فَذَهَبَ التَّأْنِيثُ إِلَى الْأُمَمِ. وَلَوْ قَالَ: اثْنَيْ عَشَرَ لِتَذْكِيرِ السِّبْطِ جَازَ، عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْأَسْبَاطِ الْقَبَائِلَ وَالْفِرَقَ، فَلِذَلِكَ أَنَّثَ الْعَدَدَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنَّ قُرَيْشًا كُلَّهَا عَشْرُ أَبْطُنٍ ... وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قَبَائِلِهَا الْعَشْرِ
فَذَهَبَ بِالْبَطْنِ إِلَى الْقَبِيلَةِ وَالْفَصِيلَةِ، فَلِذَلِكَ أَنَّثَهَا. وَالْبَطْنُ مُذَكَّرٌ، كَمَا أَنَّ الْأَسْبَاطَ جَمْعُ مُذَكَّرٍ. الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى قَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً. "أَسْباطاً ١٦٠" بَدَلٌ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ "أُمَماً ١٦٠" نَعْتٌ لِلْأَسْبَاطِ. وَرَوَى الْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ "وَقَطَّعْناهُمُ ١٦٠" مُخَفَّفًا. "أَسْباطاً ١٦٠" الْأَسْبَاطُ فِي وَلَدِ إِسْحَاقَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبَائِلِ فِي وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَالْأَسْبَاطُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّبَطِ وَهُوَ شَجَرٌ تَعْلِفُهُ الْإِبِلُ. وقد مضى في البقرة [راجع ج ٢ ص ١٤٠.] مستوفى. وروى معمر عن همام بن منبه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ" قَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ. وَقِيلَ لَهُمْ: "ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً" فَدَخَلُوا مُتَوَرِّكِينَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ. بِما كانُوا يَظْلِمُونَ مَرْفُوعٌ، لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ. وَ "مَا" بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، أَيْ بِظُلْمِهِمْ. وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ [راجع ج ١ ص ٤٠٩.] . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 160 إلى 162 معاً في نص واحد.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ أَيْ: فَرَّقْنَاهُمْ، يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾
قَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّمَا قَالَ: "اثْنَتَيْ عَشْرَةَ"، وَالسِّبْطُ مُذَكَّرٌ لِأَنَّهُ قَالَ: "أُمَمًا" فَرَجَعَ التَّأْنِيثُ إِلَى الْأُمَمِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَمًا، وَإِنَّمَا قَالَ: "أَسْبَاطًا أُمَمًا"، بِالْجَمْعِ وَمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ لَا يُفَسَّرُ بِالْجَمْعِ، فَلَا يُقَالُ: أَتَانِي اثْنَا عَشَرَ رِجَالًا لِأَنَّ الْأَسْبَاطَ فِي الْحَقِيقَةِ نَعْتُ الْمُفَسِّرِ الْمَحْذُوفِ وَهُوَ الْفِرْقَةُ، أَيْ: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً أُمَمًا.
وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وَقَطَّعْنَاهُمْ أَسْبَاطًا أُمَمًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَالْأَسْبَاطُ الْقَبَائِلُ وَاحِدُهَا سِبْطٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ فِي التِّيهِ، ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ انْفَجَرَتْ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: عَرِقَتْ وَهُوَ الِانْبِجَاسُ، ثُمَّ انْفَجَرَتْ، ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ كُلُّ سِبْطٍ، ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ وَكُلُّ سِبْطٍ بَنُو أَبٍ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ فِي التِّيهِ تَقِيهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ، ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عامر ويعقوب: "نغفر" بِالتَّاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِ الْفَاءِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِ الْفَاءِ، ﴿خَطِيئَاتِكُمْ﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "خَطِيئَتَكُمْ" عَلَى التَّوْحِيدِ وَرَفْعِ التَّاءِ، [وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: "خَطَايَاكُمْ"، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ: "خَطِيئَاتِكُمْ" بِالْجَمْعِ وَرَفْعِ التَّاءِ] [ما بين القوسين ساقط من "ب".] . وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَمْعِ وَكَسْرِ التَّاءِ ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا﴾ عَذَابًا ﴿مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم ذكر القرآن بعض النعم التى أنعم الله بها على بنى إسرائيل ، وكيف وقفوا من هذه النعم موقف الجاحد الكنود فقال - تعالى - : ( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ . . . ) .قوله ( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً ) اى : فرقنا قوم موسى وصيرناهم اثنتى عشرة أمة تتميز كل أمة عن الأخرى .والأسباط فى بنى إسرائيل كالقبائل فى العرب . والسبط : ولد الولد فهو كالحفيد . وقد يطلق السبط على الولد .وكان بنو إسرائيل اثنتى عشرة قبيلة من اثنى عشر ولداً هم أولاد يعقوب - عليه السلام - قالوا : والظاهر أن قطعناهم متعد لواحد لأنه لم يضمن معنى ما يتعدى لاثنين ، فعلى هذا يكون اثنتى عشرة حالا من مفعول ( قَطَّعْنَاهُمُ ) وهو ضمير الغائبين " هم " .ويرى الزمخشرى وغيره أن " قطعناهم " بمعنى صيرناهم وأن ( اثنتي عَشْرَةَ ) مفعول ثان ، وتمييز اثنتى محذوف لفهم المعنى والتقدير وقطعناهم اثنتى عشرة فرقة .و ( أَسْبَاطاً ) بدل من ذلك التمييز ، و ( أُمَماً ) بدل بعد بدل من اثنتى عشرة .والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها من أخبار بنى إسرائيل ، لمشاركتها لها فى كل ما يقصد به من العظات والعبر .وقوله : ( وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ الحجر فانبجست مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً ) .الاستسقاء : طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر . وذلك عن طريق الدعاء لله - تعالى - فى خشوع واستكانة ، وقد سأل موسى - عليه السلام - ربه أن يسقى بنى إسرائيل الماء بعد أن استبد بهم العطش بعد ما كانوا فى التيه .فعن ابن عباس أنه قال : كان ذلك فى التيه ضرب لهم موسى الحجر فصار منه اثنتا عشرة عينا من ماء لكل سبط منهم عين يشربون منها " .وقيل : كان الاستسقاء فى البرية ولكن الآثار التى تدل على أنه كان فى التيه أصح وأكثر .والمعنى : وأوحينا إلى موسى حين طلب منه قومه الماء أن اضرب بعصاط الحجر فضربه فخرج منه الماء من اثنتى عشرة عينا ليروا بأعينهم مظاهر قدرتنا ، وليشاهدوا دليلا من الأدلة المتعددة التى تؤيد موسى فى أنه صادق فيما يبلغه عن ربه - عز وجل - .وقوله ( إِذِ استسقاه قَوْمُهُ ) يفيد أن الذى سأل ربه السقيا هو موسى وحده ، لتظهر كرامته لدى ربه عند قومه ، وليشاهدوا بأعينهم كيف أن الله - تعالى - قد أكرمه حيث أجاب دعاءه ففجر لهم الماء من الحجر .وال فى ( الحجر ) لتعريف الجنس ، أى : اضرب أى حجر شئت بدون تعيين ، وقيل للعهد ، ويكون المراد حجرا معينا معروفا لموسى - عليه السلام - بوحى من الله - تعالى - وقد أورد بعض المفسرين فى ذلك آثاراً حكم عليها المحققون من العلماء بالضعف ، ولذا لم نعتد بها .والذى نرجحه أن " أل " هنا لتعريف الجنس ، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ضربه أظهر فى إقامة البرهان على صدق موسى - عليه السلام - وأدعى لإيمان بنى إسرائيل وانصياعهم للحق بعد وضوحه ، وأبعد عن التشكيك فى إكرام الله لنبيه موسى ، إذ لو كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا إن انفجار الماء منه لمعنى خاص بهذا الحجر ، وليس لكرامة موسى عند ربه - عز وجل - .والفاء فى قوله ( فانبجست مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً ) معطوفة على محذوف والتقدير : فضرب فانبجست .قال بعضهم : والانبجاس والانفجار واحد . يقال بجست الماء أبجسه فانبجس ، بمعنى فجرته فانفجر .وقيل : إن الانبجاس خروج الماء من مكان ضيق بقلة ، والانفجار خروجه بكثرة .ولا تنافى بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة ( فانفجرت ) وبين قوله هنا ( فانبجست ) لأنه انبجس أولا ثم انفجر ثانيا . وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه .وكانت اليعون اثنتى عشرة عينا بحسب عدد أسباط بنى إسرائيل إتماما للنعمة عليهم حتى لا يقع بينهم تنازع أو تشاجر .وقوله ( قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ) إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام إلى اثنتى عشرة عينا . أى : قد عرف كل سبط من أسباط بنى إسرائيل مكان شربه فلا يتعداه إلى غيره ، وفى ذلك ما فيه من استقرار أمورهم ، واطمئنان نفوسهم ، وعدم تعدى بعضهم على بعض .ثم ذكر - سبحانه - نعما أخرى مما أنعم به عليهم فقال : ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام ) .الغمام : جمع غمامة وهى السحابة : وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض .أى : وسخرنا لبنى إسرائيل الغمام بحيث يلقى عليهم ظله ليقيهم من حر الشمس .وقوله ( وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ المن والسلوى ) معطوف على ما قبله .والمن : اسم جنس لا واحد له من لفظه ، وهو - على أرجح الأقوال - مادة صمغية تسقط من الشجر تشبه حلاوته حلاوة العسل .والسلوى : اسم جنس جمعى واحدته سلواه ، وهو طائر برى لذيذ اللحم ، سهل الصيد يسمى بالسمانى ، كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء فيمسكونه قبضا بدون تعب .وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم كان فى مدة تيههم بين مصر والشام المشار إليه بقوله - تعالى - : ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض ) إليه بقوله - تعالى - : ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض ) أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجر الزنجبيل والسلوى وهو طائر يشبه السمانى فكان يأتى أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله ، فإذا سمن أتاه ، فقالوا : هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فشرب كل سبط من عين . فقالوا : هذا الشراب فأين الظل! فظلل الله عليهم بالغمام فقالوا : هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتمزق لهم ثوب فذلك قوله - تعالى - ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ المن والسلوى ) .وقوله ( كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) أى : وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم ، واشكروا ربكم على هذه النعم لكى يزيدكم منها .وقوله : ( وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) معطوف على محذوف أى : فعصوا أمر ربهم وكفروا بهذه لنعم الجليلة وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .ويرى البعض أنه لا حاجة إلى هذا التقدير ، وأن جملة ( وَمَا ظَلَمُونَا ) معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها فى أنها من أحوال بنى إسرائيل .والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة " كانوا " والفعل المضارع " يظلمون " يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم ، لأنك لا تقول فى ذم إنسان " كان يسىء إلى الناس " إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة تلو الأخرى .قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة ما ملخصه : " هذا من الذى استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه وذلك أن معنى الكلام : كلوا من طيبات ما رزقناكم فخالفوا ما أمرناهم به ، وعصوا ربهم ، ثم رسولنا إليهم وما ظلمونا " فاكتفى بما ظهر عما ترك . وقوله : ( وَمَا ظَلَمُونَا ) أى : ما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم ، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا ، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها . فإن الله - تعالى - لا تضره معصية عاص ، ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم ولا تنفعه طاعة مطيع ، ولا يزيد فى ملكه عدل عادل ، لنفسه يظلم الظالم ، وحظها يبخس العاصى ، وإياها ينفع المطيع ، وحظها يصيب العادل " .