مقارنة التفاسير
الأعراف · الآية 2
إِلَيۡكَ فِي مِّنۡهُ بِهِۦ ﴿٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الأعراف · الآية 2
إِلَيۡكَ فِي مِّنۡهُ بِهِۦ ﴿٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
هذا القرآن كتاب عظيم أنزله الله عليك -أيها الرسول- فلا يكن في صدرك شك منه في أنه أُنزل من عند الله، ولا تتحرج في إبلاغه والإنذار به، أنزلناه إليك؛ لتخوف به الكافرين وتذكر المؤمنين.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ مبينا له عظمة القرآن: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: كتاب جليل حوى كل ما يحتاج إليه العباد، وجميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، محكما مفصلا ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ أي: ضيق وشك واشتباه، بل لتعلم أنه تنزيل من حكيم حميد ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وأنه أصدق الكلام فلينشرح له صدرك، ولتطمئن به نفسك، ولتصدع بأوامره ونواهيه، ولا تخش لائما ومعارضا. ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ الخلق، فتعظهم وتذكرهم، فتقوم الحجة على المعاندين. ﴿و﴾ ليكون ﴿َذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يتذكرون به الصراط المستقيم، وأعماله الظاهرة والباطنة، وما يحول بين العبد، وبين سلوكه.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 1 إلى 3 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 1.
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَوَّلِ "سُورَةِ الْبَقَرَةِ" عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُرُوفِ وَبَسْطُهُ، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ شَرِيك، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿المص﴾ أَنَا اللَّهُ أَفْصِلُ وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير.
[قَوْلُهُ] [زيادة من د.] ﴿كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ﴾ أَيْ: هَذَا كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ، أَيْ: مِنْ رَبِّكَ، ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، [وَعَطَاءٌ] [زيادة من م.] وَقَتَادَةُ والسُّدِّي: شَكٌّ مِنْهُ.
وَقِيلَ: لَا تَتَحَرَّجْ بِهِ فِي إِبْلَاغِهِ وَالْإِنْذَارِ بِهِ [وَاصْبِرْ] [زيادة من ك، م، أ.] كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أَيْ: أُنْزِلَ إِلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ الْكَافِرِينَ، ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِلْعَالَمِ: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أَيِ: اقْتَفُوا آثَارَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي جَاءَكُمْ بِكِتَابٍ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكِهِ، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أَيْ: لَا تَخْرُجُوا عَمَّا جَاءَكُمْ بِهِ الرَّسُولُ إِلَى غَيْرِهِ، فَتَكُونُوا قَدْ عَدَلْتُمْ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ إِلَى حُكْمِ غَيْرِهِ.
﴿قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠٣] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٦] وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠٦] .
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 2 إلى 3 معاً في نص واحد.
القول في تأويل قول الله تعالى ذكره ﴿كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: هذا القرآن، يا محمد، كتاب أنزله الله إليك.
* *
ورفع"الكتاب" بتأويل: هذا كتابٌ.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: فلا يضق صدرك، يا محمد، من الإنذار به مَنْ أرسلتك لإنذاره به، وإبلاغه مَنْ أمرتك بإبلاغه إياه، ولا تشك في أنه من عندي، واصبر للمضيّ لأمر الله واتباع طاعته فيما كلفك وحملك من عبء أثقال النبوة، [في المطبوعة: ((واصبر بالمضي لأمر الله)) ، وغير ما في المخطوطة بلا طائل.] كما صبر أولو العزم من الرسل، فإن الله معك.
* *
و"الحرج"، هو الضيق، في كلام العرب، وقد بينا معنى ذلك بشواهده وأدلته في قوله: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سورة الأنعام: ١٢٥] ، بما أغنى عن إعادته. [انظر ما سلف ص: ١٠٣ - ١٠٧.]
* *
وقال أهل التأويل في ذلك ما:-
١٤٣١٦- حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، قال: لا تكن في شك منه.
١٤٣١٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، قال: شك.
١٤٣١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٤٣١٩- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، شك منه.
١٤٣٢٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله.
١٤٣٢١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، قال: أما"الحرج"، فشك.
١٤٣٢٢- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، سمعت مجاهدًا في قوله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، قال: شك من القرآن.
* *
قال أبو جعفر: وهذا الذي ذكرته من التأويل عن أهل التأويل، هو معنى ما قلنا في"الحرج"، لأن الشك فيه لا يكون إلا من ضيق الصدر به، وقلة الاتساع لتوجيهه وجهته التي هي وجهته الصحيحة. وإنما اخترنا العبارة عنه بمعنى"الضيق"، لأن ذلك هو الغالب عليه من معناه في كلام العرب، كما قد بيناه قبل.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: هذا كتاب أنزلناه إليك، يا محمد، لتنذر به من أمرتك بإنذاره، ﴿وذكرى للمؤمنين﴾ = وهو من المؤخر الذي معناه التقديم. ومعناه: "كتاب أنزل إليك لتنذر به"، و"ذكرى للمؤمنين"،"فلا يكن في صدرك حرج منه".
وإذا كان ذلك معناه، كان موضع قوله: ﴿وذكرى﴾ نصبًا، بمعنى: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتنذر به، وتذكر به المؤمنين.
* *
ولو قيل معنى ذلك: هذا كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، أن تنذر به، وتذكّر به المؤمنين = كان قولا غير مدفوعة صحته.
وإذا وُجِّه معنى الكلام إلى هذا الوجه، كان في قوله: ﴿وذكرى﴾ من الإعراب وجهان:
أحدهما: النصب بالردّ على موضع"لتنذر به".
والآخر: الرفع، عطفًا على"الكتاب"، كأنه قيل:"المص كتاب أنزل إليك"، و"ذكرى للمؤمنين". [انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٠.]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من قومك الذين يعبدون الأوثان والأصنام: اتبعوا، أيها الناس، ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى، واعملوا بما أمركم به ربكم، ولا تتبعوا شيئًا من دونه = يعني: شيئًا غير ما أنزل إليكم ربكم. يقول: لا تتبعوا أمر أوليائكم الذين يأمرونكم بالشرك بالله وعبادة الأوثان، فإنهم يضلونكم ولا يهدونكم.
* *
فإن قال قائل: وكيف قلت:"معنى الكلام: قل اتبعوا"، وليس في الكلام موجودًا ذكرُ القول؟
قيل: إنه وإن لم يكن مذكورًا صريحًا، فإن في الكلام دلالة عليه، وذلك قوله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به﴾ ، ففي قوله:"لتنذر به"، الأمر بالإنذار، وفي الأمر بالإنذار، الأمرُ بالقول، لأن الإنذار قول. فكأن معنى الكلام: أنذر القومَ وقل لهم: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم.
ولو قيل معناه: لتنذر به وتذكر به المؤمنين فتقول لهم: اتبعوا ما أنزل إليكم = كان غير مدفوع.
* *
وقد كان بعض أهل العربية يقول: قوله: ﴿اتبعوا﴾ ، خطاب للنبيّ ﷺ، ومعناه: كتاب أنزل إليك، فلا يكن في صدرك حرج منه، اتبع ما أنزل إليك من ربك = ويرى أن ذلك نظير قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [سورة الطلاق: ١] ، إذ ابتدأ خطابَ النبي ﷺ، ثم جعل الفعل للجميع، إذ كان أمر الله نبيه بأمرٍ، أمرًا منه لجميع أمته، كما يقال للرجل يُفْرَد بالخطاب والمراد به هو وجماعة أتباعه أو عشيرته وقبيلته:"أما تتقون الله، أما تستحيون من الله! "، ونحو ذلك من الكلام. [انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧١، فهذه مقالته.]
وذلك وإن كان وجهًا غير مدفوع، فالقولُ الذي اخترناه أولى بمعنى الكلام، لدلالة الظاهر الذي وصفنا عليه.
* *
وقوله: ﴿قليلا ما تذكرون﴾ ، يقول: قليلا ما تتعظون وتعتبرون فتراجعون الحق. [انظر تفسير ((التذكر)) فيما سلف ١١: ٤٨٩، تعليق ٣، والمراجع هناك.]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 1 إلى 2 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 1.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ وهي مكية، إلا ثمان آيات، وهي قوله تعالى: "وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ" إِلَى قَوْلِهِ:" وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ [راجع ص ٣٠٤. فما بعد.] ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ، فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ. صححه أبو محمد عبد الحق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿المص﴾ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ [راجع ج ١ ص ١٥٤.] وموضعه رفع بالابتداء. و "كِتابٌ" خَبَرُهُ. كَأَنَّهُ قَالَ: "المص" حُرُوفُ "كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ" وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ هَذَا كِتَابٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ فيه مسألتان: الْأَوْلَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَرَجٌ﴾ أَيْ ضِيقٌ، أَيْ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِالْإِبْلَاغِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَثْلَغُوا [كذا في الأصول. والذي في صحيح مسلم: إذا يثلغوا رأسي. راجع صحيح مسلم. كتاب الجنة، باب الصفات التي يصرف بها أهل الجنه وأهل النار. والثلغ: الشدخ. وقيل: هو ضربك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ. وفى النهاية: إذن يثلغوا رأسي كما تثلغ الخبزة.] (رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً) الْحَدِيثَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. قَالَ إِلْكِيَا: فَظَاهِرُهُ النَّهْيُ، وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْحَرَجِ عَنْهُ، أَيْ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ أَلَّا يُؤْمِنُوا بِهِ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ سِوَى الإنذار به من شي من إيمانهم أَوْ كُفْرِهِمْ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [راجع ج ١٠ ص ٣٥٣ وص ٦٣.] "الْآيَةَ. وَقَالَ:" لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [راجع ج ١٣ ص ٨٩.] ". وَمَذْهَبُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ أَنَّ الْحَرَجَ هُنَا الشَّكُّ، وَلَيْسَ هَذَا شَكَّ الْكُفْرِ إِنَّمَا هُوَ شَكُّ الضِّيقِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ [راجع ج ١٠ ص ٣٥٣ وص ٦٣.] ". وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ. وَفِيهِ بُعْدٌ. وَالْهَاءُ فِي "مِنْهُ" لِلْقُرْآنِ. وَقِيلَ: لِلْإِنْذَارِ، أَيْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ الْكِتَابُ لِتُنْذِرَ بِهِ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ. فَالْكَلَامُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ. وَقِيلَ لِلتَّكْذِيبِ الَّذِي يُعْطِيهِ قُوَّةُ الْكَلَامِ أَيْ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ ضِيقٌ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذِكْرى ﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ وَنَصْبٍ وَخَفْضٍ. فَالرَّفْعُ مِنْ وَجْهَيْنِ، قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هِيَ رَفْعٌ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: عَطْفٌ عَلَى "كِتابٌ" وَالنَّصْبُ مِنْ وَجْهَيْنِ، عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ وَذَكِّرْ بِهِ ذِكْرَى، قال الْبَصْرِيُّونَ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: عَطْفٌ عَلَى الْهَاءِ فِي" أَنْزَلْناهُ [كذا في الأصول. وفى السمين: إنها حال من الضمير في أنزل. وقال: هذا سهو.] ". وَالْخَفْضُ حَمْلًا عَلَى مَوْضِعِ "لِتُنْذِرَ بِهِ" وَالْإِنْذَارُ لِلْكَافِرِينَ، وَالذِّكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 1 إلى 4 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 1.
سُورَةُ الْأَعْرَافِ
* *
سورة الأعراف
مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا إِلَّا خَمْسَ آيَاتٍ، أَوَّلُهَا "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ التي كانت" ١٢٨/أ
﴿المص﴾
﴿كِتَابٌ﴾ أَيْ: هَذَا كِتَابٌ، ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وَهُوَ الْقُرْآنُ، ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: شَكٌّ، فَالْخِطَابُ لِلرَّسُولِ ﷺ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: حَرَجٌ أَيْ ضِيقٌ، مَعْنَاهُ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِالْإِبْلَاغِ وَتَأْدِيَةِ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ، ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أَيْ: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ، ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: عِظَةٌ لَهُمْ، وَهُوَ رَفْعٌ، مَرْدُودٌ عَلَى الْكِتَابِ.
﴿اتَّبِعُوا﴾ أَيْ: وَقُلْ لَهُمُ اتَّبِعُوا: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أَيْ: لَا تَتَّخِذُوا غَيْرَهُ أَوْلِيَاءَ تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَّعِظُونَ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: " يَتَذَكَّرُونَ " بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ.
﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ بِالْعَذَابِ، ﴿وَكَمْ﴾ لِلتَّكْثِيرِ وَ"رُبَّ" لِلتَّقْلِيلِ، ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾
عَذَابُنَا، ﴿بَيَاتًا﴾ لَيْلًا ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ مِنَ الْقَيْلُولَةِ، تَقْدِيرُهُ: فَجَاءَهَا بَأْسُنَا لَيْلًا وَهُمْ نَائِمُونَ، أَوْ نَهَارًا وَهُمْ قَائِلُونَ، أَيْ نَائِمُونَ ظَهِيرَةً، وَالْقَيْلُولَةُ الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفَ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَوْمٌ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُمْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا وَهُمْ غَيْرُ مُتَوَقِّعِينَ لَهُ إِمَّا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَ"أَوْ" لِتَصْرِيفِ الْعَذَابِ، مَرَّةً لَيْلًا وَمَرَّةً نَهَارًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى مَنْ أَهْلَكْنَاهُمْ لَيْلًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَهْلَكْنَاهُمْ نَهَارًا.
فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا؟ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجِيءُ الْبَأْسِ بَعْدَ الْهَلَاكِ؟ قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: "أَهْلَكْنَا" أَيْ: حَكَمْنَا بِإِهْلَاكِهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا. وَقِيلَ: فَجَاءَهَا بَأْسُنَا هُوَ بَيَانُ قَوْلِهِ "أَهْلَكْنَاهَا" مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَعْطَيْتَنِي فَأَحْسَنْتَ إِلَيَّ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَحْسَنْتَ إِلَيَّ فَأَعْطَيْتَنِي، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا بَدَلًا مِنَ الْآخَرِ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم مدح - سبحانه - الكتاب الذى أنزله على نبيه ﷺ فقال : ( كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ) .المراد بالكتاب جملة القرآن الكريم ، وقيل : المراد به هنا السورة . وحرج الصدر ضيقه وغمه ، مأخوذ من الحرجة التى هى مجتمع الشجر المشتبك الملتف الذى لا يجد السالك فيه طريقا يخرج منه .والمعنى ، هذا كتاب كريم أنزلناه إليك يا محمد فيه هداية الثقلين ، فبلغ تعاليمه للناس . ولا تحزن أو تضجر إذا وجدت من بعضهم صدوداً عنه ، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب .ولقد حكى لنا القرآن أن المشركين وصفوا النبى ﷺ بأنه ساحر . أو مجنون ، كما وصفوا القرآن بأنه ليس من عند الله ، فكان ﷺ يضيق صدره لذلك .قال تعالى : ( كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ) تقوية قلب النبى ﷺ ، وتثبيت فؤاده ، وتسليته عما يتقوله المشركون من أكاذيب وأباطيل ، وإفهام الداعى إلى الله فى كل زمان ومكان أن من الواجب عليه أن يكون قوى القلب فى تحمل مهمته ، مطمئن البال على حسن عاقبته ، لا يتأثر بالمخالفة ، ولا يضيق صدره بالإنكار .وقد فسر صاحب الكشاف الحرج بالشك فقال : ( فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ) أى شك منه كقوله : ( فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ) وسمى الشك حرجا لأن الشاك ضيق الصدر حرجه ، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه . أى : لا تشك فى أنه منزل من الله ، ولا تتحرج من تبليغه ، لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم . فكان ضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له ، فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم " .وعلى أية حال فإن من فسر الحرج بالضيق راعى مدلول الكلمة الأصلى ومن فسره بالشك راعى الاستعمال المجازى ولذا قال الآلوسى :قوله تعالى - : ( فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ) أى : شك . وأصله الضيق ، واستعماله فى الشك مجاز علاقته اللزوم ، فإن الشاك يعتريه ضيق الصدر ، كما أن المتيقن يعتريه انشرحه وانفساحه " .ولفظ ( كِتَابٌ ) يكون مبتدأ إذا جعلنا " ألمص " اسما للسورة ، وإلا كان خبراً لمبتدأ محذوف والتقدير : هذا كتاب . وتنكيره للتفخيم والتعظيم وجملة ( أُنزِلَ إِلَيْكَ ) صفة له دالة على كمال تعظيم قدره وقدر من أنزل عليه .وإنما قيل : ( أُنزِلَ ) ولم يقل أنزله الله وأنزلناه ، للإيذان بأن المنزل مستغن عن التعريف لشرفه وغاية ظهوره .ثم بين - سبحانه - العلة فى إنزال الكتاب فقال : ( لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) .الإنذار : هو الإعلام المقترن بالتخويف من سوء عاقبة المخالفة .أى : أنزلنا إليك الكتاب لتنذر به قومك وسائر الناس ، وتذكر به أهل الإيمان والطاعة ذكرى نافعة مؤثرة ، لأنهم هم المستعدون لذلك ، وهم المنتفعون بإرشادك .قال تعالى : ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين ) وقال تعالى : ( تَبْصِرَةً وذكرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ) وقال تعالى : ( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب ) قال صاحب الكشاف : فما محل ذكرى؟ قلت يحتمل الحركات الثلاث . النصب بإضمار فعلها . كأنه قيل : لتنذر به وتذكر تذكيرا ، لأن الذكرى اسم بمعنى التذكير ، والرفع عطفا على كتاب ، أو لأنه خبر مبتدأ محذوف . والجر للعطف على محل لتنذر ، أى : للإنذار وللذكر " .