مقارنة التفاسير
الأعراف · الآية 203
وَإِذَا لَمۡ قُلۡ مَا إِلَيَّ مِن هَٰذَا مِن ﴿٢٠٣﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الأعراف · الآية 203
وَإِذَا لَمۡ قُلۡ مَا إِلَيَّ مِن هَٰذَا مِن ﴿٢٠٣﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
وإذا لم تجئ -أيها الرسول- هؤلاء المشركين بآية دالة على صدقك قالوا: هلّا أحدَثْتها واختلقتها من عند نفسك، قل لهم -أيها الرسول-: إن هذا ليس لي، ولا يجوز لي فِعْلُه؛ لأن الله إنما أمرني باتباع ما يوحى إليَّ من عنده، وهو هذا القرآن الذي أتلوه عليكم حججًا وبراهين من ربكم، وبيانًا يهدي المؤمنين إلى الطريق المستقيم، ورحمة يرحم الله بها عباده المؤمنين.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
أي لا يزال هؤلاء المكذبون لك في تعنت وعناد، ولو جاءتهم الآيات الدالة على الهدى والرشاد، فإذا جئتهم بشيء من الآيات الدالة على صدقك لم ينقادوا. وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ من آيات الاقتراح التي يعينونها قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا أي: هلا اخترت الآية، فصارت الآية الفلانية، أو المعجزة الفلانية كأنك أنت المنـزل للآيات، المدبر لجميع المخلوقات، ولم يعلموا أنه ليس لك من الأمر شيء، أو أن المعنى: لولا اخترعتها من نفسك. قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي فأنا عبد متبع مدبَّر، واللّه تعالى هو الذي ينـزل الآيات ويرسلها على حسب ما اقتضاه حمده، وطلبتْه حكمته البالغة، فإن أردتم آية لا تضمحل على تعاقب الأوقات، وحجة لا تبطل في جميع الآنات، فـ هَذَا القرآن العظيم، والذكر الحكيم بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ يستبصر به في جميع المطالب الإلهية والمقاصد الإنسانية، وهو الدليل والمدلول فمن تفكر فيه وتدبره، علم أنه تنـزيل من حكيم حميد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبه قامت الحجة على كل من بلغه، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، وإلا فمن آمن، فهو هُدًى له من الضلال وَرَحْمَةٌ له من الشقاء، فالمؤمن مهتد بالقرآن، متبع له، سعيد في دنياه وأخراه. وأما من لم يؤمن به، فإنه ضال شقي، في الدنيا والآخرة.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يَقُولُ: لَوْلَا تَلَقَّيْتَهَا. وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: لَوْلَا أَحْدَثْتَهَا فَأَنْشَأْتَهَا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ [في د، أ: "جريج".] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] [زيادة من ك، أ.] ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا﴾ قَالَ: لَوْلَا اقْتَضَيْتَهَا، قَالُوا: تُخْرِجُهَا عَنْ نَفْسِكَ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [زيادة من أ.] ﴿لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يَقُولُ: تَلَقَّيْتَهَا مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ [في د، ك، أ: "تعالى".]
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يَقُولُ: لَوْلَا أَخَذْتَهَا أَنْتَ فَجِئْتَ بِهَا مِنَ السَّمَاءِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أَيْ: مُعْجِزَةٍ، وَخَارِقٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ:٤] يَقُولُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ: أَلَا تُجْهِدُ نَفْسَكَ فِي طَلَبِ الْآيَاتِ [مِنَ اللَّهِ] [زيادة من م.] حَتَّى نَرَاهَا وَنُؤْمِنَ بِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ أَيْ: أَنَا لَا أَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا أَمَرَنِي بِهِ فَأَمْتَثِلُ مَا يُوحِيهِ إِلَيَّ، فَإِنْ بَعَثَ آيَةً قَبِلْتُهَا، وَإِنَّ مَنَعَهَا لَمْ أَسْأَلْهُ ابْتِدَاءَ إِيَّاهَا؛ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لِي فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.
ثُمَّ أَرْشَدَهُمْ إِلَى أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ أَعْظَمُ الْمُعْجِزَاتِ، وَأَبْيَنُ الدَّلَالَاتِ، وَأَصْدَقُ الْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ، فَقَالَ: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا لم تأت، يا محمد، هؤلاء المشركين بآية من الله = ﴿قالوا لولا اجتبَيتَها﴾ ، يقول: قالوا: هلا اخترتها واصطفيتها.
[انظر تفسير ((لولا)) فيما سلف ١١: ٣٥٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.] = من قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ، [سورة آل عمران: ١٧٩] يعني: يختار ويصطفي. وقد بينا ذلك في مواضعه بشواهده. [انظر تفسير ((اجتبى)) فيما سلف ٧: ٤٣٧ / ١١: ٥١٢، ٥١٣.]
* *
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معناه: هلا افتعلتها من قِبَل نفسك واختلقتها؟ بمعنى: هلا اجتبيتها اختلاقًا؟ كما تقول العرب: "لقد اختار فلان هذا الأمر وتخيره اختلاقًا". [انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٢، والتعليق عليه هناك. وهذا معنى غريب جداً في ((اختار)) ، أنا في ريب منه، إلا أن يكون أراد أن العرب تقول في مجازها ((اختار الشيء اختلاقاً، كل ذلك بمعنى: اختلقه، لا أن ((اختار)) بمعنى اختلق. وإن كان صاحب اللسان قد اتبع قول الفراء الآتى بعد ص ٣٤٣ ((وهو في كلام العرب جائز أن يقول: ((لقد اختار لك الشيء واجتباه وارتجله)) .]
ذكر من قال ذلك:
١٥٥٧١ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا أجتبيتها﴾ ، أي: لولا أتيتنا بها من قِبَل نفسك؟ هذا قول كفار قريش.
١٥٥٧٢ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قوله: ﴿وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها﴾ قالوا: لولا اقتضبتها! [((اقتضب الكلام اقتضاباً)) ، ارتجله من غير تهيئة أو إعداد له. يقال: ((هذا شعر مقتضب، وكتاب مقتضب)) .] قالوا: تخرجها من نفسك.
١٥٥٧٣ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها﴾ قالوا: لولا تقوَّلتها، جئتَ بها من عندك؟.
١٥٥٧٤ - حدثني المثنى قال: حدثني عبد الله قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا تلقَّيتها = وقال مرة أخرى: لولا أحدَثتها فأنشأتها.
١٥٥٧٥ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿قالوا لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا أحدثتها.
١٥٥٧٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: ﴿لولا اجتبيتها﴾ قال: لولا جئت بها من نفسك!
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: هلا أخذتها من ربك وتقبَّلتها منه؟ [في المطبوعة والمخطوطة، في هذا الموضع، والذي يليه في الأثر: ((تقبلتها)) ، وفي الأثر الذي بعده: ((تلقيتها؛ في المخطوطة والمطبوعة، وأرجو أن يكون هذا الأخير هو الصواب، كما سلفت في رقم: ١٥٥٧٤، وإن كان الأول جائزا.]
ذكر من قال ذلك:
١٥٥٧٧ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا تقبَّلتها من الله!
١٥٥٧٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا تلقَّيتَها من ربك!
١٥٥٧٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء.
* *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، تأويلُ من قال تأويله: هلا أحدثتها من نفسك! لدلالة قول الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ، فبيَّن ذلك أن الله إنما أمر نبيه صلى الله عليه
وسلم، [في المخطوطة والمطبوعة: ((يبين ذلك أن الله ... ) والسياق يقتضى ما أثبت.] بأن يجيبهم بالخبر عن نفسه أنه إنما يتبع ما ينزل عليه ربه ويوحيه إليه، لا أنه يحدث من قبل نفسه قولا وينشئه فيدعو الناس إليه.
* *
وحكي عن الفراء أنه كان يقول: "اجتبيت الكلام" و"اختلقته"، و"ارتجلته": إذا افتعلته من قِبَل نفسك. [انظر ما سلف ص ٣٤١، تعليق رقم: ٢.]
١٥٥٨٠ - حدثني بذلك الحارث قال: حدثنا القاسم عنه.
* *
قال أبو عبيدة: وكان أبو زيد يقول: إنما تقول العرب ذلك للكلام يبتدئه الرجل، [في المطبوعة: ((يبديه الرجل)) ، وفي المخطوطة: ((البديه الرجل)) ، وكأن الصواب ما أثبت.] لم يكن أعدَّه قبل ذلك في نفسه. قال أبو عبيد: و"اخترعته" مثل ذلك. [في المطبوعة: ((واخترعه)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، للقائلين لك إذا لم تأتهم بآية: "هلا أحدثتها من قبل نفسك! ": إن ذلك ليس لي، ولا يجوز لي فعله؛ لأن الله إنما أمرني باتباع ما يوحى إليّ من عنده، فإنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي، لأني عبده، وإلى أمره أنتهي، وإياه أطيع. [انظر تفسير ((الاتباع)) ، و ((الوحي)) فيما سلف من فهارس اللغة (تبع) و (وحي) .] = ﴿هذا بصائر من ربكم﴾ ، يقول: هذا القرآن والوحي الذي أتلوه عليكم = "بصائر من ربكم"، يقول: حجج عليكم، وبيان لكم من ربكم.
* *
= واحدتها "بصيرة"، كما قال جل ثناؤه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ، [سورة الجاثية: ٢٠] . [انظر تفسير ((بصيرة)) فيما سلف ١٢: ٢٣، ٢٤.] .
* *
وإنما ذكر "هذا" ووحّد في قوله: ﴿هذا بصائر من ربكم﴾ ، لما وصفت من أنه مرادٌ به القرآن والوحي.
* *
وقوله: ﴿وهدى﴾ ، يقول: وبيان يهدي المؤمنين إلى الطريق المستقيم = ﴿ورحمة﴾ ، رحم الله به عباده المؤمنين، فأنقذهم به من الضلالة والهلكة = ﴿لقوم يؤمنون﴾ ، يقول: هو بصائر من الله وهدى ورحمة لمن آمن، يقول: لمن صدَّق بالقرآن أنه تنزيل الله ووحيه، وعمل بما فيه، دون من كذب به وجحده وكفر به، [انظر تفسير ((الهدى)) و ((الرحمة)) و ((الإيمان)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) ، (رحم) ، (أمن) .] بل هو على الذين لا يؤمنون به عمًى وخزي. [في المطبوعة "غم" وفي المخطوطة "عم" غير منقوطة وهذا صواب قراءتها لقوله تعالى في سورة فصلت: ٤٤، في صفة القرآن " والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى".]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ ٢٠ أي تقرؤها عليهم.
(قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها) ٢٠ لَوْلَا بِمَعْنَى هَلَّا، وَلَا يَلِيهَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى إِلَّا الْفِعْلُ ظَاهِرًا أَوْ مُضْمَرًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا فِي الْبَقَرَةِ مُسْتَوْفًى [راجع ج ٢ ص ٩١.] . وَمَعْنَى "اجْتَبَيْتَها ٢٠" اخْتَلَقْتَهَا مِنْ نَفْسِكَ. فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الآيات من قبل الله عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّهُ لَا يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ. يُقَالُ: اجْتَبَيْتَ الْكَلَامَ أَيِ ارْتَجَلْتَهُ وَاخْتَلَقْتَهُ وَاخْتَرَعْتَهُ إِذَا جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِكَ.
(قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ مَا يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) ٢٠ أَيْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِي.
(هَذَا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ) ٢٠ يَعْنِي الْقُرْآنَ، جَمْعُ بَصِيرَةٍ، هِيَ الدَّلَالَةُ وَالْعِبْرَةُ أَيْ هَذَا الَّذِي دَلَلْتُكُمْ بِهِ عَلَى أن وَجَلَّ وَاحِدٌ. بَصَائِرُ، أَيْ يُسْتَبْصَرُ بِهَا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: "بَصائِرُ ١٠" أَيْ طُرُقٌ. وَالْبَصَائِرُ طُرُقُ الدِّينِ. قَالَ الْجُعْفِيُّ:
رَاحُوا بَصَائِرُهُمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ ... وَبَصِيرَتِي يَعْدُو بِهَا عَتِد وَأَيَّ [راجع ص ٥٧ من هذا الجزء.]
"وَهُدىً" رُشْدٌ وَبَيَانٌ. "وَرَحْمَةٌ" أي ونعمة.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 202 إلى 204 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 202.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ﴾ يَعْنِي إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَمُدُّونَهُمْ، أَيْ: يَمُدُّهُمُ الشَّيْطَانُ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: لِكُلِّ كَافِرٍ أَخٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ.
﴿فِي الْغَيِّ﴾ أَيْ: يَطْلُبُونَ هُمُ الْإِغْوَاءَ حَتَّى يَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَزِيدُونَهُمْ فِي الضَّلَالَةِ. وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: "يُمِدُّونَهُمْ" بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، مِنَ الْإِمْدَادِ، وَالْآخَرُونَ: بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ أَيْ: لَا يَكُفُّونَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا الْإِنْسُ يُقْصِرُونَ عَمَّا يَعْمَلُونَ مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَلَا الشَّيَاطِينُ يُمْسِكُونَ عَنْهُمْ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: "ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ" مِنْ فِعْلِ الْمُشْرِكِينَ وَالشَّيَاطِينِ جَمِيعًا. قَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ لَا يُقْصِرُونَ عَنِ الضَّلَالَةِ وَلَا يُبْصِرُونَهَا، بِخِلَافِ مَا قَالَ فِي الْمُؤْمِنِينَ: "تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ".
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ يَعْنِي: إِذَا لَمْ تَأْتِ الْمُشْرِكِينَ بِآيَةٍ، ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ هَلَّا افْتَعَلْتَهَا وَأَنْشَأْتَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ وَاخْتِيَارِكَ؟ تَقُولُ الْعَرَبُ: اجْتَبَيْتُ الْكَلَامَ إِذَا اخْتَلَقْتُهُ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ الْآيَاتِ تَعَنُّتًا فَإِذَا تَأَخَّرَتِ اتَّهَمُوهُ وَقَالُوا: لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا؟ أَيْ: هَلَّا أَحْدَثْتَهَا وَأَنْشَأْتَهَا مِنْ عِنْدِكَ؟ ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿هَذَا﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ ﴿بَصَائِرُ﴾ حُجَجٌ وَبَيَانٌ وَبُرْهَانٌ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وَاحِدَتُهَا بَصِيرَةٌ، وَأَصْلُهَا ظُهُورُ الشَّيْءِ وَاسْتِحْكَامُهُ حَتَّى يُبْصِرَهُ الْإِنْسَانُ، فَيَهْتَدِي به يقول: هذا دَلَائِلُ تَقُودُكُمْ إِلَى الْحَقِّ.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كانوا يتكلمون ١٤٣/أ فِي الصَّلَاةِ بِحَوَائِجِهِمْ فَأُمِرُوا بِالسُّكُوتِ وَالِاسْتِمَاعِ إِلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ [انظر: تفسير الطبري: ١٣ / ٣٤٥،٣٤٩، (وفيه: إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف) ، وسنن البيهقي: ٢ / ١٥٥، أسباب النزول للواحدي ص (٢٦٤) . وعزاه السيوطي في الدر: (٣ / ٦٣٦) لابن المنذر، وابن أبي حاكم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وابن أبي شيبة.] . وَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ فِي تَرْكِ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ [جاء في ذلك آثار عديدة انظرها في: الدر المنثور ٣ / ٦٣٥، أسباب النزول للواحدي ص (٢٦٤) .] .
وَرَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَفْعِ الْأَصْوَاتِ وَهُمْ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ [رواه الدارقطني في السنن: ١ / ٣٢٦ وقال: فيه عبد الله بن عامر: ضعيف. وانظر: نصب الراية للزيلعي: ٢ / ١٤، إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام لأبي الحسنات اللكنوي ص (٧٧) طبع الهند.] .
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ فِي الصَّلَاةِ حِينَ يَسْمَعُونَ ذِكْرَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ [أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي.] .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ نَاسًا يَقْرَأُونَ مَعَ الْإِمَامِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: أَمَا آنَ لَكُمْ أَنْ تَفْقَهُوا وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ [أخرجه الطبري: ١٣ / ٣٤٦، وعزاه السيوطي لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن مسعود، انظر: الدر المنثور: ١٣ / ٦٣٥.] ؟ وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ: أَنَّ الْآيَةَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ: إِنَّ الْآيَةَ فِي الْخُطْبَةِ، أُمِرُوا بِالْإِنْصَاتِ لِخُطْبَةِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ [انظر: الطبري: ١٣ / ٣٥٢، الدر المنثور: ٣ / ٦٣٧، أسباب النزول ص (٢٦٤) . وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" ٦ / ١٩٦: "وأما قول من قال إنها نزلت في الخطبة، فضعيف، لأن الآية مكية، والخطبة لم تكن إلا بعد هجرة النبي ﷺ من مكة. وكذلك ما ذكره الزهراوي (؟) من أنها نزلت بسبب فتى من الأنصار كان يقرأ في الصلاة والنبي ﷺ يقرأ في الصلاة. وانظر: القراءة خلف الإمام للبيهقي.] .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذَا فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَفِيمَا يَجْهَرُ بِهِ الْإِمَامُ [أخرجه أبو الشيخ - كما في الدر المنثور، وانظر إمام الكلام للكنوي ص (٨١) .] .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: [يَجِبُ] [ساقط من "ب".] الْإِنْصَاتُ لِقَوْلِ كُلِّ وَاعِظٍ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَاهَا، وَهُوَ أَنَّهَا فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْجُمُعَةُ وَجَبَتْ بِالْمَدِينَةِ [وهذا الذي رجحه شيخ المفسرين، الطبري رحمه الله حيث قال في التفسير: ١٣ / ٣٥٢-٣٥٣: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: أمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإمام، وكان من خلفه ممن يأتم به يسمعه، وفي الخطبة. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "وإذا قرأ فأنصتوا" وإجماع الجميع على أن على من سمع خطبة الجمعة ممن عليه الجمعة، الاستماع والإنصات لها، مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك عن رسول الله ﷺ وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات لسامعه، من قارئه، إلا من هاتين الحالتين، على اختلاف في إحداهما، وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به وقد صح الخبر عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا من قوله: "إذا قرأ الإمام فأنصتوا" فالإنصات خلفه لقراءته واجب على من كان به مؤتما سامعا قراءته، بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ". وانظر بحثا نفيسا في هذا لأبي الحسنات اللكنوي في كتابه "إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف لإمام" ص ٧٥ وما بعدها، بتحقيقنا.] . وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ حَالَةَ مَا يَخْطُبُ الْإِمَامُ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ثَنَا الرَّبِيعُ ثَنَا الشَّافِعِيُّ ثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةَ فَقَدْ لَغَوْتَ" [أخرجه البخاري في الجمعة: باب الإنصات والإمام يخطب: ٢ / ٤١٤، ومسلم في الكتاب والباب نفسه برقم (٨٥١) : ٢ / ٥٨٣، والمصنف في شرح السنة: ٤ / ٥٨٣.] .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ: فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى إِيحَابِهَا سَوَاءٌ جَهَرَ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ أَسَرَّ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاذٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ فِيمَا أَسَرَّ الْإِمَامُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يَقْرَأُ إِذَا جَهَرَ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ سَوَاءٌ أَسَرَّ الْإِمَامُ أَوْ جَهَرَ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ [انظر هذه الآراء مع أدلتها في: التمهيد لابن عبد البر: ١١ / ٢٢-٥٦، الاستذكار: ٢ / ١٦٦-١٩٣، إمام الكلام للكنوي، فقد جمع فيه الأقوال مع الأدلة وناقشها بتجرد، ورجح ما يساعد عليه الدليل.] وَيَتَمَسَّكُ مَنْ لَا يَرَى الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَمَنْ أُوجَبَهَا قَالَ الْآيَةُ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ وَإِذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ يَتْبَعُ سَكَتَاتِ الْإِمَامِ وَلَا يُنَازِعُ الْإِمَامَ فِي الْقِرَاءَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، ثَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، ثَنَا هَنَّادٌ، ثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الصُّبْحَ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "إِنِّي أَرَاكُمْ تَقْرَأُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ"؟ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِيِ وَاللَّهِ، قَالَ: "لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا" [أخرجه أبو داود في الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته: ١ / ٣٩٠، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في القراءة خلف الإمام: ٢ / ٢٢٦-٢٢٧، وقال: حديث عبادة حديث حسن، والدارقطني: ١ / ٣١٨ وقال: إسناد حسن. وصححه الحاكم: ١ / ٣١٨، وابن حبان ص (١٢٧) من موارد الظمآن، وأخرجه البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، والبيهقي أيضا في القراءة: وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٨٢.] .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم بين - سبحانه - لونا من ألوان غوايتهم وضلالهم فقال : ( وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ . . . ) .الاجتباء : افتعال من الجباية بمعنى الجمع ، يقال : جبيت الماء فى الحوض أى جمعته ، ومنه قيل للحوض جابية .والمعنى : وإذا لم تأت أيها الرسول هؤلاء المشركين بآية من القرآن وتراخى الوحى بنزولها ، أو بآية مما اقترحوه عليك من الآيات الكونية ، إذا لم تفعل ذلك قالوا لك بجهالة وسفاهة ( لَوْلاَ اجتبيتها ) أى : هلا جمعتها من عند نفسك واخترعتها اختراعا بعقلك ، أو هلا ألححت فى الطلب على ربك ليعطيك إياها ويجمعها لك .قل لهم يا محمد على سبيل التبكيت رداً على تهكمهم بك ( إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يوحى إِلَيَّ مِن رَّبِّي ) أى إنما أنا متبع لا مبتدع فما يوحيه الله إلى من الآيات أنا أبلغه إليكم بدون تغيير أو تبديل .ثم أرشدهم - سبحانه - إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات ، وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبينات فقال : ( هذا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .أى : هذا القرآن بمنزلة البصائر للقلوب ، به تبصر الحق . وتدرك الصواب وهو هداية لكم من الضلالة ، ورحمة من العذاب لقوم يؤمنون به ، ويعملون بإرشاداته ووصاياه .