مقارنة التفاسير
الأعراف · الآية 62
مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا ﴿٦٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
الأعراف · الآية 62
مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا ﴿٦٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
أبلِّغكم ما أُرسلت به من ربي، وأنصح لكم، محذرًا لكم من عذاب الله ومبشرًا بثوابه، وأعلم من شريعته ما لا تعلمون.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ أي: وظيفتي تبليغكم، ببيان توحيده وأوامره ونواهيه، على وجه النصيحة لكم والشفقة عليكم، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالذي يتعين أن تطيعوني وتنقادوا لأمري إن كنتم تعلمون.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 59 إلى 62 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 59.
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى قِصَّةَ آدَمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ، وَفَرَغَ مِنْهُ، شَرَعَ تَعَالَى فِي ذِكْرِ قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، الْأَوَّلِ فالأولَ، فَابْتَدَأَ بِذِكْرِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بَعْدَ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ: نُوحُ بْنُ لَامِكَ بْنِ مُتَوَشْلِحَ بْنِ خَنُوخ -وَهُوَ إِدْرِيسُ [النَّبِيُّ] [زيادة من أ.] عَلَيْهِ السَّلَامُ -فِيمَا، يَزْعُمُونَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ -ابْنُ بَرْدَ بْنِ مُهَلْيِلِ بْنِ قَنِينَ بْنِ يَانِشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ، عَلَيْهِ [في أ: "عليهم".] السَّلَامُ.
هَكَذَا نَسَبَهُ [مُحَمَّدُ] [زيادة من ك، م، أ.] بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ النَّسَبِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمْ يَلْقَ نَبِيٌّ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْأَذَى مِثْلَ نُوحٍ إِلَّا نَبِيٌّ قُتِلَ.
وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: إِنَّمَا سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ مَا نَاحَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَقَدْ كَانَ بَيْنَ آدَمَ إِلَى زَمَنِ نُوحٍ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ عَلَى الإسلام [قاله عبد الله ابن عَبَّاسٍ] [زيادة من م، أ.]
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ: وَكَانَ أَوَّلُ مَا عُبِدَتِ الْأَصْنَامُ، أَنَّ قَوْمًا صَالِحِينَ مَاتُوا، فَبَنَى قَوْمُهُمْ عَلَيْهِمْ مساجدَ وَصَوَّرُوا صُوَرَ أُولَئِكَ فِيهَا، لِيَتَذَكَّرُوا حَالَهُمْ وَعِبَادَتَهُمْ، فَيَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. فَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ، جَعَلُوا تِلْكَ الصُّوَرَ أَجْسَادًا عَلَى تِلْكَ الصُّوَرِ. فَلَمَّا تَمَادَى الزَّمَانُ عَبَدُوا تِلْكَ الْأَصْنَامَ وَسَمَّوْهَا بِأَسْمَاءِ أُولَئِكَ الصَّالِحِينَ "وَدًّا وَسُوَاعًا ويَغُوث وَيَعُوق وَنَسْرَا". فَلَمَّا تَفَاقَمَ الْأَمْرُ بَعَثَ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ -رَسُولَهُ نُوحًا يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك لَهُ، فَقَالَ: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أَيْ: مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إنْ [في د: "إذا".] لَقِيتُمُ اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُشْرِكُونَ بِهِ ﴿قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أَيِ: الْجُمْهُورُ وَالسَّادَةُ وَالْقَادَةُ وَالْكُبَرَاءُ مِنْهُمْ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أَيْ: فِي دَعْوَتِكَ إِيَّانَا إِلَى تَرْكِ عِبَادَةِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ الَّتِي وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا. وَهَكَذَا حَالُ الْفُجَّارِ إِنَّمَا يَرَوْنَ الْأَبْرَارَ فِي ضَلَالَةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [الْمُطَفِّفِينَ:٣٢] ، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الْأَحْقَافِ:١١] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: مَا أَنَا ضَالٌّ، وَلَكِنْ أَنَا رَسُولٌ [في أ: "ولكني رسول".] مِنْ رَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكِهِ، ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَهَذَا شَأْنُ الرَّسُولِ، أَنْ يَكُونَ بَلِيغًا فَصِيحًا نَاصِحًا بِاللَّهِ، لَا يُدْرِكُهُمْ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُمْ أَوْفَرُ مَا كَانُوا وَأَكْثَرُ جَمْعًا: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ " قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ إِصْبَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ وينكتُها عَلَيْهِمْ وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ [جاءت "اللهم اشهد" في "أ" ثلاث مرات.] [صحيح مسلم برقم (١٢١٨) من حديث جابر، رضي الله عنه.]
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 61 إلى 62 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 61.
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال نوح لقومه مجيبًا لهم: يا قوم، لم آمركم بما أمرتكم به من إخلاص التوحيد لله، وإفراده بالطاعة دون الأنداد والآلهة، زوالا مني عن محجة الحقّ، وضلالا لسبيل الصواب، وما بي ما تظنون من الضلال، ولكنّي رسول إليكم من رب العالمين بما أمرتكم به: من إفراده بالطاعة، والإقرار له بالوحدانية، والبراءة من الأنداد والآلهة.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٦٢) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن نبيه نوح عليه السلام أنه قال لقومه الذين كفروا بالله وكذبوه:"ولكني رسول من رب العالمين"، أرسلني إليكم، فأنا أبلغكم رسالات ربي، وأنصح لكم في تحذيري إياكم عقابَ الله على كفركم به، وتكذيبكم إياي، وردّكم نصيحتي ="وأعلم من الله ما لا تعلمون"، من أن عقابه لا يردُّ عن القوم المجرمين.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 60 إلى 62 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 60.
"الْمَلَأُ" أشرف القوم ورؤساؤهم. وقد تقدم بيانه في البقرة [راجع ج ٣ ص ٢٤٣.] . الضلال وَالضَّلَالَةُ: الْعُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَالذَّهَابُ عَنْهُ أَيْ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي دُعَائِنَا إِلَى إِلَهٍ وَاحِدٍ فِي ضَلَالٍ عَنِ الْحَقِّ.
(أُبَلِّغُكُمْ) بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّبْلِيغِ، وَبِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْإِبْلَاغِ. وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ لُغَتَانِ، مِثْلُ كَرَّمَهُ وَأَكْرَمَهُ.
(وَأَنْصَحُ لَكُمُ) النُّصْحُ: إِخْلَاصُ النِّيَّةِ مِنْ شَوَائِبَ الْفَسَادِ فِي الْمُعَامَلَةِ، بِخِلَافِ الْغَشِّ. يُقَالُ: نَصَحْتُهُ وَنَصَحْتُ لَهُ نَصِيحَةً وَنَصَاحَةً وَنُصْحًا. وَهُوَ بِاللَّامِ أَفْصَحُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَأَنْصَحُ لَكُمْ" وَالِاسْمُ النَّصِيحَةُ. وَالنَّصِيحُ النَّاصِحُ، وَقَوْمٌ نُصَحَاءُ. وَرَجُلٌ نَاصِحُ الْجَيْبِ أَيْ نَقِيُّ الْقَلْبِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: النَّاصِحُ الْخَالِصُ من العسل وغيره. مثل الناصع. وكل شي خَلَصَ فَقَدْ نَصَحَ. وَانْتَصَحَ فُلَانٌ أَقْبَلَ عَلَى النَّصِيحَةِ. يُقَالُ: انْتَصِحْنِي إِنَّنِي لَكَ نَاصِحٌ. وَالنَّاصِحُ الْخَيَّاطُ. وَالنِّصَاحُ السِّلْكُ يُخَاطُ بِهِ. وَالنَّصَاحَاتُ أَيْضًا الْجُلُودُ. قَالَ الْأَعْشَى:
فَتَرَى الشُّرْبَ نَشَاوَى كُلُّهُمْ ... مِثْلَ مَا مُدَّتْ نِصَاحَاتُ الرُّبَحِ
الرُّبَحُ لُغَةٌ فِي الرُّبَعِ، وَهُوَ الْفَصِيلُ. وَالرُّبَحُ أَيْضًا طَائِرٌ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَةُ مَعْنًى فِي" بَرَاءَةٌ [راجع ج ٨ ص ٢٢٦.] " إِنْ شاء الله تعالى.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 59 إلى 62 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 59.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ وَهُوَ نُوحُ بْنُ لَمْكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ أَخَنُوخَ وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَ إِدْرِيسَ، وَكَانَ نَجَّارًا بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: بُعِثَ وَهُوَ ابْنُ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً [في "ب": (مائة وخمسين سنة) .] . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِّي نُوحًا لِكَثْرَةِ مَا نَاحَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نَوْحِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِدَعْوَتِهِ عَلَى قَوْمِهِ بِالْهَلَاكِ، وَقِيلَ: لِمُرَاجَعَتِهِ رَبَّهُ فِي شَأْنِ ابْنِهِ كَنْعَانَ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَرَّ بِكَلْبٍ مَجْذُومٍ، فَقَالَ: اخْسَأْ يَا قَبِيحُ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَعِبْتَنِي أَمْ عِبْتَ الْكَلْبَ؟ ﴿فَقَالَ﴾ لِقَوْمِهِ، ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنَ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَالْكِسَائِيُّ ﴿مِنَ إِلَهٍ غَيْرِهِ﴾
بِكَسْرِ الرَّاءِ حَيْثُ كَانَ، عَلَى نَعْتِ الْإِلَهِ، وَافَقَ حَمْزَةُ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) [فاطر: ٣] ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِرَفْعِ الرَّاءِ عَلَى التَّقْدِيمِ، تَقْدِيرُهُ: مَا لَكَمَ غَيْرُهُ مِنَ إِلَهٍ، ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ﴾ خَطَأٍ وَزَوَالٍ عَنِ الْحَقِّ، ﴿مُبِينٍ﴾ بَيِّنٍ.
﴿قَالَ﴾ نُوحٌ، ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ وَلَمْ يَقُلْ لَيْسَتْ، لِأَنَّ مَعْنَى الضَّلَالَةِ: الضَّلَالُ أَوْ عَلَى تَقْدِيمِ الْفِعْلِ، ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: "أُبْلِغُكُمْ" بِالتَّخْفِيفِ حَيْثُ كَانَ مِنَ الْإِبْلَاغِ. لِقَوْلِهِ: (لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ) [الْأَعْرَافُ-٩٣] ، ﴿رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ ["لِيَعْلَمَ أَنَّ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ"، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّبْلِيغِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) [المائدة: ٦٧] ، رِسَالَاتِ رَبِّي] [ما بين القوسين ساقط من "ب".] ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ يُقَالُ نَصَحْتُهُ وَنَصَحْتُ لَهُ، وَالنُّصْحُ أَنْ يُرِيدَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُرِيدُ لِنَفْسِهِ، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ عَذَابَهُ لَا يُرَدُّ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم قفى على نفى الضلالة عنه بإثبات مقابلها لنفسه وهى الهداية والتبليغ عن الله - تعالى - فقال : ( وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) .فأنت ترى أن نوحاً - عليه السلام - بعد أن نفى عن نفسه أى لون من ألوان الضلالة وصف نفسه بأربع صفات كريمة :أولها : قوله : ( وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين ) أى : لست بمنجاة من الضلال الذى أنتم فيه فحسب ، ولكنى فضلا عن ذلك رسول من رب العالمين إليكم لهدايتكم وإنقاذكم مما أنتم فيه من شرك وكفر .قال الجمل : ( وقد جاءت لكن هنا أحسن مجىء لأنها ين نقيضين ، لأن الإنسان لا يخلو من أحد شيئين : ضلال أو هدى ، والرسالة لا تجامع الضلال و ( مِّن رَّبِّ العالمين ) صفة لرسول ومن لابتداء الغاية ) .وثانيها : قوله : ( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي ) أى : أبلغكم ما أوحاه الله إلى من الأوامر والنواهى ، والمواعظ والزواجر ، والبشائر والنذائر ، والعبادات والمعاملات .قال الآلوسى : وجمع الرسالات مع أن رسالة كل نبى واحدة ، رعاية لاختلاف أوقاتها أو تنوع معانى ما أرسل - عليه السلام - به من العبادات والمعاملات - أو أنه أراد رسالته ورسالة غيره ممن قبله من الأنبياء كإدريس - عليه السلام - والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير رسالته وتقرير أحكامها .وثالثها : قوله : ( وَأَنصَحُ لَكُمْ ) أى : أبلغكم جميع تكاليف الله وأتحرى ما فيه صلاحكم وخيركم فأرشدكم إليه وآخذكم نحوه .وأنصح : مأخوذ من النصح - وهو كما قال القرطبى - إخلاص النية من شوائب الفساد ، يقال : نصحته ونصحت له نصيحة ونصاحة - أى أرشدته إلى ما فيه صلاحه - ويقال : رجل ناصح الجيب ، أى : نقى القلب . والناصح الخالص من العسل وغيره ، مثل الناصع . وكل شىء خلص فقد نصح .والفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصح ، هو أن تبليغ الرسالة معناه أن يعرفهم جميع أوامر الله ونواهيه وجميع أنواع التكاليف التى كلفهم الله بها ، وأما النصح فمعناه أن يرغبهم فى قبول تلك الأوامر والنواهى والعبادات ويحذرهم من عذاب الله إن عصوه .وأما الصفة الرابعة فهى قوله : ( وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) أى : أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم عن إخلاص ، وأعلم فى الوقت نفسه من الأمور الغيبية التى لا تعلم إلا عن طريق الوحى أشياء لا علم لكم بها ، لأن الله قد خصنى بها .أو المعنى : وأعلم من قدرة الله الباهرة ، وشدة بطشه على أعدائه ، ما لا تعلمونه فأنا أحذركم عن علم ، وأنذركم عن بينة ( فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ ) قال ابن كثير : وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا نصيحاً عالماً بالله لا يدركه أحد من خلق الله فى هذه الصفات كما جاء فى صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعاً : " أيها الناس ، إنكم مسئولون عنى ، فما أنتم قائلون؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت . فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ، ويقول : اللهم اشهد ، اللهم اشهد " .