مقارنة التفاسير
المزمل · الآية 15
عَلَيۡكُمۡ إِلَىٰ ﴿١٥﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
المزمل · الآية 15
عَلَيۡكُمۡ إِلَىٰ ﴿١٥﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
يفسّر المؤلف الآيات من 15 إلى 16 معاً في نص واحد.
إنا أرسلنا إليكم -يا أهل «مكة»- محمدًا رسولًا، شاهدًا عليكم بما صدر منكم من الكفر والعصيان، كما أرسلنا موسى رسولًا إلى الطاغية فرعون، فكذَّب فرعون بموسى، ولم يؤمن برسالته، وعصى أمره، فأهلكناه إهلاكًا شديدًا. وفي الآية تحذير من معصية الرسول محمد ﷺ؛ خشية أن يصيب العاصي مثل ما أصاب فرعون وقومه.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يقول تعالى: احمدوا ربكم على إرسال هذا النبي الأمي العربي البشير النذير، الشاهد على الأمة بأعمالهم، واشكروه وقوموا بهذه النعمة الجليلة، وإياكم أن تكفروها.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 10 إلى 18 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 10.
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ، وَأَنْ يَهْجُرَهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا وَهُوَ الَّذِي لَا عِتَابَ مَعَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ مُتَوَعِّدًا لِكَفَّارِ قَوْمِهِ وَمُتَهَدِّدًا -وَهُوَ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يَقُومُ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ-:
﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أَيْ: دَعْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ الْمُتْرَفِينَ أصحابَ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ أَقْدَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ وَهُمْ يُطَالِبُونَ مِنَ الْحُقُوقِ بِمَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا﴾ أَيْ: رُوَيْدًا، كَمَا قَالَ: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٤] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا﴾ وَهِيَ: الْقُيُودُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَطَاوُسٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، وَأَبُو مِجلَز، وَالضَّحَّاكُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سَلْمَانَ، وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، ﴿وَجَحِيمًا﴾ وَهِيَ السَّعِيرُ الْمُضْطَرِمَةُ.
﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَنْشَبُ فِي الْحَلْقِ فَلَا يَدْخُلُ وَلَا يَخْرُجُ.
﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ أَيْ: تُزَلْزَلُ، ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ أَيْ: تَصِيرُ كَكُثْبَانِ الرَّمْلِ بَعْدَ مَا كَانَتْ حِجَارَةً صَمَّاءَ، ثُمَّ إِنَّهَا تُنْسَفُ نَسْفًا فَلَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا ذَهَبَ، حَتَّى تَصِيرَ الْأَرْضُ قَاعًا صَفْصَفًا، لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا، أَيْ: وَادِيًا، وَلَا أَمْتًا، أَيْ: رَابِيَةً، وَمَعْنَاهُ: لَا شَيْءَ يَنْخَفِضُ وَلَا شَيْءَ يَرْتَفِعُ.
ثُمَّ قَالَ مُخَاطِبًا لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ، وَالْمُرَادُ سَائِرُ النَّاسِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: بِأَعْمَالِكُمْ، ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: ﴿أَخْذًا وَبِيلا﴾ أَيْ: شَدِيدًا، أَيْ فَاحْذَرُوا أَنْتُمْ أَنْ تُكَذِّبُوا هَذَا الرَّسُولَ، فَيُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ فِرْعَوْنَ، حَيْثُ أَخَذَهُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى﴾ [النَّازِعَاتِ: ٢٥] وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْهَلَاكِ وَالدَّمَارِ إِنْ كَذَّبْتُمْ؛ لِأَنَّ رَسُولَكُمْ أَشْرَفُ وَأَعْظَمُ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ. ويُروَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﴿يَوْمًا﴾ مَعْمُولًا لِتَتَّقُونَ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَكَيْفَ تَخَافُونَ أَيُّهَا النَّاسُ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوَلَدَانَ شِيبًا إِنْ كَفَرْتُمْ بِاللَّهِ وَلَمْ تُصَدِّقُوا بِهِ"؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِكَفَرْتُمْ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: كَيْفَ يحصلُ لَكُمْ أَمَانٌ مِنْ يَوْمِ هَذَا الْفَزَعِ الْعَظِيمِ إِنْ كَفَرْتُمْ؟ وَعَلَى الثَّانِي: كَيْفَ يَحْصُلُ لَكُمْ تَقْوَى إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجَحَدْتُمُوهُ؟ وَكِلَاهُمَا مَعْنًى حَسَنٌ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ أَيْ: مِنْ شَدَّةِ أَهْوَالِهِ وَزَلَازِلِهِ وَبَلَابِلِهِ، وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ. فَيَقُولُ مِن كَمْ؟ فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ، وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ.
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَلَّافُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ قَالَ: "ذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: قُمْ فَابْعَثْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعَثًا إِلَى النَّارِ. قَالَ: مِنْ كَمْ يَا رَبِّ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَيَنْجُو وَاحِدٌ". فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَرَفَ ذَلِكَ رسول الله ﷺ ثم قَالَ حِينَ أَبْصَرَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ: "إِنَّ بَنِي آدَمَ كَثِيرٌ، وَإِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، وَإِنَّهُ لَا يَمُوتُ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى يَرِثَهُ لِصُلْبِهِ أَلْفُ رَجُلٍ. فَفِيهِمْ وَفِي أَشْبَاهِهِمْ جُنَّةٌ لَكُمْ". [المعجم الكبير للطبراني (١١/٣٦٦) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣٠) : "وفيه عثمان بن عطاء الخراساني وهو ضعيف".]
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَجِّ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: أَيْ بِسَبَبِهِ مِنْ شِدَّتِهِ وَهَوْلِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُعِيدُ الضَّمِيرَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ هَاهُنَا.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا﴾ أَيْ: كَانَ وَعْدُ هَذَا الْيَوْمِ مَفْعُولًا أَيْ وَاقِعًا لَا مَحَالَةَ، وَكَائِنًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 15 إلى 16 معاً في نص واحد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا (١٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ أيها الناس ﴿رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ بإجابة من أجاب منكم دعوتي، وامتناع من امتنع منكم من الإجابة، يوم تلقوني في القيامة ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ يقول: مثل إرسالنا من قبلكم إلى فرعون مصر رسولا بدعائه إلى الحقّ، ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ الذي أرسلناه إليه ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا﴾ يقول: فأخذناه أخذا شديدا، فأهلكناه ومن معه جميعا، وهو من قولهم: كلأ مستوبل، إذا كان لا يستمرأ، وكذلك الطعام.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿أَخْذًا وَبِيلا﴾ قال: شديدا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿أَخْذًا وَبِيلا﴾ قال: شديدا.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا﴾ أي شديدًا.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿أَخْذًا وَبِيلا﴾ قال: شديدا.
⁕ حدثني يونس، قال: اخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا) قال: الوبيل: الشرّ، والعرب تقول لمن تتابع عليه الشرّ: لقد أوبل عليه، وتقول: أوبلت على شرّك، قال: ولم يرض الله بأن غُرِّق وعُذّب حتى اقرّ في عذاب مستقرّ حتى يُبعث إلى النار يوم القيامة، يريد فرعون.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 15 إلى 19 معاً في نص واحد.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾ يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَهُ إِلَى قُرَيْشٍ (كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا) وَهُوَ مُوسَى (فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) أَيْ كَذَّبَ بِهِ وَلَمْ يُؤْمِنْ. قَالَ مُقَاتِلٌ: ذَكَرَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ، لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ ازْدَرَوْا مُحَمَّدًا ﷺ وَاسْتَخَفُّوا بِهِ، لِأَنَّهُ وُلِدَ فِيهِمْ، كَمَا أَنَّ فِرْعَوْنَ ازْدَرَى مُوسَى، لِأَنَّهُ رَبَّاهُ وَنَشَأَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً [الشعراء: ١٨]. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَدَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الرَّسُولِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وَلِذَلِكَ اخْتِيرَ فِي أَوَّلِ الْكُتُبِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، وَفِي آخِرِهَا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
(وَبِيلًا) أَيْ ثَقِيلًا شَدِيدًا. وَضَرْبٌ وَبِيلٌ وَعَذَابٌ وَبِيلٌ: أَيْ شَدِيدٌ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ. وَمِنْهُ مَطَرٌ وَابِلٌ أَيْ شَدِيدٌ، قَالَهُ الْأَخْفَشُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ ثَقِيلًا غَلِيظًا. وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمَطَرِ وَابِلٌ. وَقِيلَ: مُهْلِكًا [وَالْمَعْنَى عَاقَبْنَاهُ عُقُوبَةً [الزيادة من حاشية الجمل نقلا عن القرطبي ونص بأنها عبارته.] غَلِيظَةً] قَالَ:
أَكَلْتِ بَنِيكِ أَكْلَ الضَّبِّ حَتَّى ... وَجَدْتِ مَرَارَةَ الْكَلَأِ الْوَبِيلِ
وَاسْتَوْبَلَ فُلَانٌ كَذَا: أَيْ لَمْ يَحْمَدْ عَاقِبَتَهُ. وَمَاءٌ وَبِيلٌ: أَيْ وَخِيمٌ غير مرئ، وَكَلَأٌ مُسْتَوْبَلٌ وَطَعَامٌ وَبِيلٌ وَمُسْتَوْبَلٌ: إِذَا لَمْ يمرئ ولم يستمرا، قال زهير: فَقَضَّوْا مَنَايَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ أَصْدَرُوا ... إِلَى كَلَأٍ مُسْتَوْبَلٍ مُتَوَخَّمِ
وَقَالَتِ الْخَنْسَاءُ:
لَقَدْ أَكَلَتْ بَجِيلَةُ يَوْمَ لَاقَتْ ... فَوَارِسَ مَالِكٍ أَكْلًا وَبِيلًا
وَالْوَبِيلُ أَيْضًا: الْعَصَا الضَّخْمَةُ، قَالَ:
لَوْ أَصْبَحَ فِي يُمْنَى يَدَيَّ زِمَامُهَا [في ا، ح، و: (رقامها).] ... وَفِي كَفِّيَ الْأُخْرَى وَبِيلٌ تحاذره
وكذلك الموبل بكسر الباء، والمؤبلة أَيْضًا: الْحُزْمَةُ مِنَ الْحَطَبِ، وَكَذَلِكَ الْوَبِيلُ، قَالَ طَرَفَةُ:
عَقِيلَةُ شَيْخٍ كَالْوَبِيلِ يَلَنْدَدِ [يلندد: شديد الخصومة. وصدر البيت: فمرت كهاة ذات خيف جلالة]
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً﴾ هُوَ تَوْبِيخٌ وَتَقْرِيعٌ، أَيْ كَيْفَ تَتَّقُونَ الْعَذَابَ إِنْ كَفَرْتُمْ. وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ كَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا إِنْ كَفَرْتُمْ. وَكَذَا قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَطِيَّةِ. قَالَ الْحَسَنُ: أَيْ بِأَيِ صَلَاةٍ تَتَّقُونَ الْعَذَابَ؟ بِأَيِ صَوْمٍ تَتَّقُونَ الْعَذَابَ؟ وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ كَيْفَ تَتَّقُونَ عَذَابَ يَوْمٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَاللَّهِ مَا يَتَّقِي مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ. ويَوْماً مَفْعُولٌ بِ- تَتَّقُونَ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَلَيْسَ بِظَرْفٍ، وَإِنْ قُدِّرَ الْكُفْرُ بِمَعْنَى الْجُحُودِ كَانَ الْيَوْمُ مَفْعُولَ (كَفَرْتُمْ). وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: وَقْفُ التَّمَامِ عَلَى قَوْلِهِ: (كَفَرْتُمْ) وَالِابْتِدَاءُ (يَوْماً) يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْيَوْمَ مَفْعُولُ يَجْعَلُ وَالْفِعْلُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: يَجْعَلُ اللَّهُ الْوِلْدَانَ شِيبًا فِي يَوْمٍ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَهَذَا لَا يَصْلُحُ، لِأَنَّ الْيَوْمَ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ هَذَا مِنْ شِدَّةِ هَوْلِهِ. الْمَهْدَوِيُّ: وَالضَّمِيرُ فِي يَجْعَلُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ، وَإِذَا كَانَ لِلْيَوْمِ صَلُحَ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لَهُ، وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا مَعَ تَقْدِيرِ حَذْفٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: يَوْمًا يَجْعَلُ اللَّهُ الْوِلْدَانَ فِيهِ شِيبًا. ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: ومنهم من نصب اليوم بِ- كَفَرْتُمْ وَهَذَا قَبِيحٌ، لِأَنَّ الْيَوْمَ إِذَا عُلِّقَ بِ- كَفَرْتُمْ احْتَاجَ إِلَى صِفَةٍ، أَيْ كَفَرْتُمْ بِيَوْمٍ. فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِأَنَّ الصِّفَةَ قَدْ تُحْذَفُ وَيُنْصَبُ مَا بَعْدَهَا، احْتَجَجْنَا عَلَيْهِ بِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْمًا. قُلْتُ: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً، وَإِنَّمَا جَاءَتْ عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ. وَإِذَا كَانَ الْكُفْرُ بِمَعْنَى الْجُحُودِ فَ- يَوْمًا مَفْعُولٌ صَرِيحٌ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ وَلَا حَذْفِهَا، أَيْ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ اللَّهَ وَتَخْشَوْنَهُ إِنْ جَحَدْتُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْجَزَاءَ. وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ قَعْنَبٌ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ بِكَسْرِ النُّونِ عَلَى الإضافة. والْوِلْدانَ الصِّبْيَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُمْ أَوْلَادُ الزِّنَا. وَقِيلَ: أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ. وَالْعُمُومُ أَصَحُّ، أَيْ يَشِيبُ فِيهِ الصغير مِنْ غَيْرِ كِبَرٍ. وَذَلِكَ حِينَ يُقَالُ: (يَا آدَمُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ). عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ "الْحَجِّ" [راجع ج ١١ ص ٣] . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُغَيِّرُ اللَّهُ أَحْوَالَهُمْ وَأَوْصَافَهُمْ عَلَى مَا يُرِيدُ. وَقِيلَ: هَذَا ضَرْبُ مَثَلٍ لِشِدَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ مَجَازٌ، لِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَكُونُ فِيهِ وِلْدَانٌ وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَيْبَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِحَالٍ لَوْ كَانَ فِيهِ هُنَاكَ صَبِيٌّ لَشَابَ رَأْسُهُ مِنَ الْهَيْبَةِ. وَيُقَالُ: هَذَا وَقْتُ الْفَزَعِ، وَقِيلَ أَنْ يُنْفَخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقَدْ مَرَّ بِي فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ رَجُلًا أَمْسَى فَاحِمَ الشَّعْرِ كَحَنَكِ الْغُرَابِ، فَأَصْبَحَ وَهُوَ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ كَالثَّغَامَةِ [في نسخ الأصل: (كالنعامة) بالنون والعين. والثغامة (بالثاء المفتوحة والعين): شجرة تبيض كأنها الثلج.] ، فَقَالَ: أُرِيتُ الْقِيَامَةَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ فِي الْمَنَامِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يُقَادُونَ فِي السَّلَاسِلِ إِلَى النَّارِ، فَمِنْ هَوْلِ ذَلِكَ أَصْبَحْتُ كَمَا تَرَوْنَ. وَيَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْيَوْمُ بِالطُّولِ، وَأَنَّ الْأَطْفَالَ يَبْلُغُونَ فِيهِ أَوَانَ الشَّيْخُوخَةِ وَالشَّيْبِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ أَيْ مُتَشَقِّقَةٌ لِشِدَّتِهِ. وَمَعْنَى بِهِ أَيْ فِيهِ، أَيْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِهَوْلِهِ. هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ. وَيُقَالُ: مُثْقَلَةٌ بِهِ إِثْقَالًا يُؤَدِّي إِلَى انْفِطَارِهَا لِعَظَمَتِهِ عَلَيْهَا وَخَشْيَتِهَا مِنْ وُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ١٨٧]. وَقِيلَ: بِهِ أَيْ لَهُ، أَيْ لِذَلِكَ الْيَوْمِ، يُقَالُ: فَعَلْتُ كَذَا بِحُرْمَتِكَ وَلِحُرْمَتِكَ، وَالْبَاءُ وَاللَّامُ وَفِي: مُتَقَارِبَةٌ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ [الأنبياء: ٤٧] أَيْ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: بِهِ أَيْ بِالْأَمْرِ أَيِ السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِمَا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا. وَقِيلَ: مُنْفَطِرٌ بِاللَّهِ، أَيْ بِأَمْرِهِ، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: لَمْ يَقُلْ مُنْفَطِرَةً، لِأَنَّ مَجَازَهَا [مجازها: معناها.] السَّقْفُ، تَقُولُ: هَذَا سَمَاءُ الْبَيْتِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَوْ رَفَعَ السَّمَاءُ إِلَيْهِ قَوْمًا ... لَحِقْنَا بِالسَّمَاءِ وَبِالسَّحَابِ
وَفِي التَّنْزِيلِ: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء: ٣٢]. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: السَّمَاءُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: هُوَ مِنْ بَابِ الْجَرَادِ الْمُنْتَشِرِ، وَالشَّجَرِ الأخضر، وأَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر: ٢٠]. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ أَيْضًا: أَيِ السَّمَاءُ ذَاتُ انْفِطَارٍ، كَقَوْلِهِمْ: امْرَأَةٌ مُرْضِعٌ، أَيْ ذَاتُ إِرْضَاعٍ، فَجَرَى عَلَى طَرِيقِ النَّسَبِ. كانَ وَعْدُهُ أَيْ بِالْقِيَامَةِ وَالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ مَفْعُولًا كَائِنًا لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا خُلْفَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ وَعْدُهُ بِأَنْ يُظْهِرَ دِينَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ يُرِيدُ هَذِهِ السُّورَةُ أَوِ الْآيَاتُ عِظَةٌ. وَقِيلَ: آيَاتُ الْقُرْآنِ، إِذْ هُوَ كَالسُّورَةِ الْوَاحِدَةِ.
(فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ) أَيْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُؤْمِنَ وَيَتَّخِذَ بِذَلِكَ إِلَى رَبِّهِ (سَبِيلًا) أَيْ طَرِيقًا إِلَى رِضَاهُ وَرَحْمَتِهِ فَلْيَرْغَبْ، فَقَدْ أَمْكَنَ لَهُ، لِأَنَّهُ أَظْهَرَ لَهُ الْحُجَجَ وَالدَّلَائِلَ. ثُمَّ قِيلَ: نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ [المدثر: ٥٥] قال الثعلبي: والأشبه أنه غير منسوخ.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 15 إلى 20 معاً في نص واحد.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ .
﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ ، شَدِيدًا ثَقِيلًا يَعْنِي عَاقَبْنَاهُ عُقُوبَةً غَلِيظَةً يُخَوِّفُ كُفَّارَ مَكَّةَ.
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ أَيْ: كَيْفَ لَكُمْ بِالتَّقْوَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ كَفَرْتُمْ فِي الدُّنْيَا يَعْنِي لَا سَبِيلَ لَكُمْ إِلَى التَّقْوَى إِذَا وَافَيْتُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَيْفَ تَتَّقُونَ الْعَذَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبِأَيِّ شَيْءٍ تَتَحَصَّنُونَ مِنْهُ إِذَا كَفَرْتُمْ؟ ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ شُمْطًا مِنْ هَوْلِهِ وَشِدَّتِهِ، ذَلِكَ حِينَ يُقَالُ لِآدَمَ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ. ثُمَّ وَصَفَ هَوْلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ مُتَشَقِّقٌ لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ بِهِ أَيْ: بِذَلِكَ الْمَكَانِ. وَقِيلَ: الْهَاءُ تَرْجِعُ إِلَى الرَّبِّ أَيْ: بِأَمْرِهِ وَهَيْبَتِهِ ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ كَائِنًا.
﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ أَيْ: آيَاتِ الْقُرْآنِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ تَذْكِيرٌ وَمَوْعِظَةٌ ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى﴾ أَقَلَّ مِنْ ﴿ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ قَرَأَ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةَ: "نِصْفَهُ وَثُلُثَهُ" بِنَصْبِ الْفَاءِ وَالثَّاءِ وَإِشْبَاعِ الْهَاءَيْنِ ضَمًّا أَيْ: وَتَقُومُ نِصْفَهُ وَثُلْثَهُ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِجَرِّ الْفَاءِ وَالثَّاءِ وَإِشْبَاعِ الْهَاءَيْنِ كَسْرًا عَطْفًا عَلَى ثُلْثِي ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ وَكَانُوا يَقُومُونَ مَعَهُ ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ لَا يَفُوتُهُ عِلْمُ مَا تَفْعَلُونَ، أَيْ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَقَادِيرَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَيَعْلَمُ الْقَدْرَ الَّذِي تَقُومُونَ مِنَ اللَّيْلِ ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾
قَالَ الْحَسَنُ: قَامُوا حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ، فَنَزَلَ: "عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ" لَنْ تُطِيقُوا مَعْرِفَةَ ذَلِكَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ الرَّجُلُ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ، مَخَافَةَ أَنْ لَا يُصِيبُ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ، فَقَالَ: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ لَنْ تُطِيقُوا مَعْرِفَةَ ذَلِكَ.
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ فَعَادَ عَلَيْكُمْ بِالْعَفْوِ وَالتَّخْفِيفِ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ، قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ.
قَالَ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنَ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ فَقَرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ وَأَوَّلِ آيَةٍ مِنَ الْبَقَرَةِ [ثُمَّ قَامَ فِي الثَّانِيَةِ فَقَرَأَ بِالْحَمْدِ وَالْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْبَقَرَةِ] [ما بين القوسين ساقط من "أ".] ثُمَّ رَكَعَ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ [مِنْهُ] [في "ب" من القرآن. عزاه السيوطي في الدر المنثور: ٨ / ٣٢٣ للدارقطني والبيهقي في السنن وقد حسناه.]
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مِخْرَاقٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قَرَأَ خَمْسِينَ آيَةً فِي يَوْمٍ أَوْ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَرَأَ مِائَتَيْ آيَةٍ لَمْ يُحَاجُّهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ قَرَأَ خَمْسَمِائَةِ آيَةً كُتِبَ لَهُ قِنْطَارٌ مِنَ الْأَجْرِ" [أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة بروايات وألفاظ متقاربة برقم: (٦٩٨-٧٠٠) ص (٣٢٦-٣٢٧) وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف، قال الحافظ ابن حجر: سنده ضعيف، روي لنا بعضه من وجه آخر بسند صحيح ثم أخرجه من حديث تميم الداري. انظر: الفتوحات الربانية: ٣ / ٢٧٥-٢٧٦، الترغيب والترهيب: ٢ / ٤٤٧، مجمع الزوائد: ٢ / ٢٦٧.] .
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا حَدَّثَنَا عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى [بْنِ كَثِيرٍ] عَنْ مُحَمَّدٍ [عَبْدِ اللَّهِ] [ساقط من "أ".] بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ" قَالَ قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: "فَاقْرَأْهُ فِي [كُلِّ] [زيادة من "أ".] عِشْرِينَ لَيْلَةً" قَالَ قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: "فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ" [أخرجه مسلم في الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به برقم: (١١٥٩) ٢ / ٨١٢، والبخاري في فضائل القرآن، باب في كم يقرأ القرآن: ٩ / ٩٥ إلا قوله: (قال: فاقرأه في كل عشرين ليلة، قلت: إني لأجد قوة) .] .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي الْمُسَافِرِينَ لِلتِّجَارَةِ يَطْلُبُونَ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لَا يُطِيقُونَ قِيَامَ اللَّيْلِ.
رَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ جَلَبَ شَيْئًا إِلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا فَبَاعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ الشُّهَدَاءِ ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: "وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ" [يَعْنِي الْمُسَافِرِينَ لِلتِّجَارَةِ يَطْلُبُونَ رِزْقَ الله] [ما بين القوسين زيادة من "ب".] "وآخرون ١٧٨/أيُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" [عزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص: (١٧٩) للثعلبي من رواية فرقد السبخي عن إبراهيم عن ابن مسعود موقوفا. وفرقد ضعيف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: ٨ / ٣٢٣ لابن مردويه.] .
﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أَيْ [مَا تَيَسَّرَ عَلَيْكُمْ] [ساقط من "ب".] مِنَ الْقُرْآنِ. [قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ] [ساقط من "ب".] كَانَ هَذَا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مَا سِوَى الزَّكَاةِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَقِرَى الضَّيْفِ.
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ، عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ تَجِدُوا ثَوَابَهُ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلَ مِمَّا أَعْطَيْتُمْ ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ مِنَ الَّذِي أَخَّرْتُمْ وَلَمْ تُقَدِّمُوهُ، وَنُصِبَ "خَيْرًا وَأَعْظَمَ" عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي، فَإِنَّ الْوُجُودَ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَهُوَ فَصْلٌ فِي قَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ وَعِمَادٌ فِي قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ لَا مَحَلَّ لَهَا فِي الْإِعْرَابِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبُخَارِيُّ بِالْكُوفَةِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ بِالْمَوْصِلِ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَيُّكُمْ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مَنْ مَالِ وَارِثِهِ"؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ ارثه. قَالَ: "اعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ" قَالُوا: مَا نَعْلَمُ إِلَّا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ [: "مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ إِلَّا مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ" قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ] [ما بين القوسين ساقط من "أ".] "إِنَّمَا مَالُ أَحَدِكُمْ مَا قَدَّمَ وَمَالُ وارثه ما أخره" [أخرجه البخاري في الرقاق، باب ما قدم من ماله فهو له: ١١ / ٢٦٠، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٢٥٩-٢٦٠.] .
﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ لِذُنُوبِكُمْ ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك هؤلاء المكذبين بما حل بالمكذبين من قبلهم ، فيقول : ( كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ) للتشبيه ، أى : أرسلنا إليكم - يا أهل مكة - رسولا شاهدا عليكم هو محمد ﷺ كما أرسلنا من قبلكم إلى فرعون رسولا شاهدا عليه ، هو موسى - عليه السلام - .وأكد الخبر فى قوله - تعالى - : ( إِنَّآ أَرْسَلْنَآ . . . ) لأن المشركين كانوا ينكرون نبوة النبى ﷺ .ونكر رسولا ، لأنهم كانوا يعرفونه حق المعرفة ، وللتعظيم من شأنه ﷺ أى : أرسلنا إليكم رسولا عظيم الشأن ، سامى المنزلة جامعا لكل الصفات الكريمة .