مقارنة التفاسير
النبأ · الآية 14
مِنَ مَآءࣰ ﴿١٤﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
النبأ · الآية 14
مِنَ مَآءࣰ ﴿١٤﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
يفسّر المؤلف الآيات من 14 إلى 16 معاً في نص واحد.
وأنزلنا من السحب الممطرة ماء منصبًّا بكثرة؛ لنخرج به حبًّا مما يقتات به الناس وحشائش مما تأكله الدَّواب، وبساتين ملتفة بعضها ببعض لتشعُّب أغصانها؟
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ أي: السحاب ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ أي: كثيرا جدا.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف هذه الآية مع آيات قبلها أو بعدها في نص واحد.
تَفْسِيرُ سُورَةِ النَّبَأِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي تَسَاؤُلِهِمْ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنْكَارًا لِوُقُوعِهَا: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ أَيْ: عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَسَاءَلُونَ؟ مِنْ أَمْرِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ النَّبَأُ الْعَظِيمُ، يَعْنِي: الْخَبَرَ الْهَائِلَ الْمُفْظِعَ الْبَاهِرَ.
قَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ زَيْدٍ: النَّبَأُ الْعَظِيمُ: الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْقُرْآنُ. وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ يَعْنِي: النَّاسُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: مُؤْمِنٌ بِهِ وَكَافِرٌ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِمُنْكِرِي الْقِيَامَةِ: ﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ وَهَذَا تهديدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ.
ثُمَّ شَرَعَ وَتَعَالَى يُبَيّن قُدْرَتَهُ الْعَظِيمَةَ عَلَى خَلْقِ الْأَشْيَاءِ الْغَرِيبَةِ وَالْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ، الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا﴾ ؟ أَيْ: مُمَهَّدَةٌ لِلْخَلَائِقِ ذَلُولا لَهُمْ، قَارَّةً سَاكِنَةً ثَابِتَةً، ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ أَيْ: جَعَلَهَا لَهَا أَوْتَادًا أَرْسَاهَا بِهَا وَثَبَّتَهَا وَقَرَّرَهَا حَتَّى سَكَنَتْ وَلَمْ تَضْطَرِبْ بِمَنْ عَلَيْهَا.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ يَعْنِي: ذَكَرًا وَأُنْثَى، يَسْتَمْتِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، وَيَحْصُلُ التَّنَاسُلُ بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الرُّومِ: ٢١] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ أَيْ: قَطْعًا لِلْحَرَكَةِ لِتَحْصُلَ الراحة من كثرة الترداد [في أ: "الاسترداد".] والسعي فِي الْمَعَايِشِ [في م: "في المعاش".] فِي عَرْضِ النَّهَارِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ "الْفُرْقَانِ" [عند تفسير الآية ٤٧.] .
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ أَيْ: يَغْشَى النَّاسَ ظَلَامُهُ وَسَوَادُهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٤] وَقَالَ الشَّاعِرُ [هو ذو الرمة، والبيت في تفسير الطبري (٣٠/٣) .] :
فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ، أَوْ حِينَ نَصَّبتْ ... لَهُ مِن خَذا آذانِها وَهْوَ جَانِحُ ...
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ أَيْ: سَكَنًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ مُشْرِقًا مُنيرًا [في أ: "نيرا".] مُضِيئًا، لِيَتَمَكَّنَ النَّاسُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَالذِّهَابِ وَالْمَجِيءِ لِلْمَعَاشِ وَالتَّكَسُّبِ وَالتِّجَارَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ يَعْنِي: السموات السَّبْعَ، فِي اتِّسَاعِهَا وَارْتِفَاعِهَا وَإِحْكَامِهَا وَإِتْقَانِهَا، وَتَزْيِينِهَا بِالْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ يَعْنِي: الشَّمْسَ الْمُنِيرَةَ عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِ الَّتِي يَتَوَهَّجُ ضَوْؤُهَا لِأَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾ الرِّيحُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الحَفَري [في أ: "الجوني".] عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ المِنْهَال، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ قَالَ: الرِّيَاحُ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلٌ، وَالْكَلْبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إِنَّهَا الرِّيَاحُ. وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهَا تَسْتَدِرُّ الْمَطَرَ مِنَ السَّحَابِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ أَيْ: مِنَ السَّحَابِ. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ أَيْضًا، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالثَّوْرِيُّ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ السَّحَابُ الَّتِي تَتَحَلَّب بِالْمَطَرِ وَلَمْ تُمطر بعدُ، كَمَا يُقَالُ امْرَأَةٌ مُعْصِرٌ، إِذَا دَنَا حَيْضُهَا وَلَمْ تَحِضْ.
وَعَنِ الحسن، وقتادة: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ يعني: السموات. وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعْصِرَاتِ: السَّحَابُ، كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [زيادة من م.] تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [الرُّومِ: ٤٨] أَيْ: مِنْ بَيْنِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿ثَجَّاجًا﴾ مُنْصَبًّا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: مُتَتَابِعًا. وَقَالَ ابن زيد: كثيرا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَلَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي صِفَةِ الْكَثْرَةِ الثَّجُّ، وَإِنَّمَا الثَّجُّ: الصَّبُّ الْمُتَتَابِعُ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "أفضلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ". يَعْنِي: صَبّ دِمَاءِ البُدْن [تفسير الطبري (٣٠/٥) ، وهذا الحديث جاء من حديث ابن عمر، وأبي بكر، وجابر، وابن مسعود رضي الله عنهم، وانظر تخريجها والكلام عليها في: نصب الراية للإمام الزيلعي (٣/٣٣-٣٥) .] . هَكَذَا قَالَ. قُلْتُ: وَفِي حَدِيثِ الْمُسْتَحَاضَةِ حِينَ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْعَتُ لَكِ الكُرسُفَ" -يَعْنِي: أَنْ تَحْتَشِيَ بِالْقُطْنِ-: قَالَتْ [في أ: "فقالت".] : يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا [حديث المستحاضة هو حديث حمنة بنت جحش، وقد رواه الإمام أحمد في المسند (٦/٤٣٩) ، وأبو داود في السنن برقم (٢٨٧) ، والترمذي في السنن برقم (١٢٨) .] . وَهَذَا فِيهِ دَلالة عَلَى اسْتِعْمَالِ الثَّج فِي الصَّبِّ الْمُتَتَابِعِ الْكَثِيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ أَيْ: لنخرجَ بِهَذَا الْمَاءِ الْكَثِيرِ الطَّيِّبِ النَّافِعِ المُبَارَك ﴿حَبًّا﴾ يُدَّخَرُ لِلْأَنَاسِيِّ وَالْأَنْعَامِ، ﴿وَنَبَاتًا﴾ أَيْ: خَضِرًا يُؤْكَلُ رَطْبًا، ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ أَيْ: بَسَاتِينَ وحدائقَ مِنْ ثَمَرَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وَأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَطَعُومٍ وَرَوَائِحَ مُتَفَاوِتَةٍ، وَإِنْ كَانَ ذَهَلَكَ [في م، أ: "ذلك".] فِي بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأَرْضِ مُجْتَمَعًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ: ﴿أَلْفَافًا﴾ مُجْتَمِعَةً. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ﴾ الْآيَةَ [الرَّعْدِ:٤] .
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف هذه الآية مع آيات قبلها أو بعدها في نص واحد.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) ﴾
.
يقول تعالى ذكره: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ﴾ : وسقفنا فوقكم، فجعل السقف بناء، إذ كانت العرب تسمي سقوف البيوت - وهي سماؤها - بناءً وكانت السماء للأرض سقفا، فخاطبهم بلسانهم إذ كان التنزيل بِلسانهم، وقال ﴿سَبْعًا شِدَادًا﴾ إذ كانت وثاقا محكمة الخلق، لا صدوع فيهنّ ولا فطور، ولا يبليهنّ مرّ الليالي والأيام.
* *
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾
يقول تعالى ذكره: وجعلنا سراجا، يعني بالسراج: الشمس وقوله: ﴿وَهَّاجًا﴾ يعني: وقادا مضيئا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ يقول: مضيئا.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ يقول: سراجا منيرا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ قال: يتلألأ.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ قال: الوهاح: المنير.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ قال: يتلألأ ضوءه.
* *
وقوله: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾
اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بالمعصرات، فقال بعضهم: عُنِي بها الرياح التي تعصر في هبوبها.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ فالمعصرات: الريح.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة، أنه كان يقرأ ﴿وأنزلْنا بالمُعْصِرَاتِ﴾ يعني: الرياح.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ قال: الريح.
⁕ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: هي في بعض القراءات ﴿وَأنزلْنا بالمُعْصِرَات﴾ : الرياح.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ قال: المعصرات: الرياح، وقرأ قول الله: (الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ... ) إلى آخر الآية.
وقال آخرون: بل هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولمَّا تمطر، كالمرأة المعصر التي قد دنا أوان حيضها ولم تحض.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ قال: المعصرات: السحاب.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ يقول: من السحاب.
⁕ قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع: ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾ السحاب.
وقال آخرون: بل هي السماء.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن يقول: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ قال: من السماء.
⁕ حدثنا بشر. قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ قال: من السموات.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: ﴿وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ قال: من السماء.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه أنزل من المعصرات - وهي التي قد تحلبت بالماء من السحاب - ماء.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن القول في ذلك على أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرت، والرياح لا ماء فيها فينزل منها، وإنما ينزل بها، وكان يصحّ أن تكون الرياح لو كانت القراءة ﴿وَأنزلنا بالمُعْصِرَاتِ﴾ فلما كانت القراءة ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ علم أن المعنيّ بذلك ما وصفت.
فإن ظنّ ظانّ أن الباء قد تعقب في مثل هذا الموضع من قيل ذلك، وإن كان كذلك، فالأغلب من معنى "من" غير ذلك، والتأويل على الأغلب من معنى الكلام. فإن قال: فإن السماء قد يجوز أن تكون مرادا بها. قيل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإن الأغلب من نزول الغيث من السحاب دون غيره.
وأما قوله: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ يقول: ماء منصبا يتبع بعضه بعضا كثجّ دماء البدن، وذلك سفكها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال: منصبا.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ ماء من السماء منصبا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال: منصبًّا.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال: الثجاج: المنصبّ.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال: منصبا.
⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال: متتابعا.
وقال بعضهم: عُنِي بالثجَّاج: الكثير.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال: كثيرا، ولا يُعرف في كلام العرب من صفة الكثرة الثجّ، وإنما الثجّ: الصب المتتابع. ومنه قول النبيّ ﷺ: " أفْضَلُ الحَجِّ الْعَجُّ والثجّ" يعني بالثج: صبّ دماء الهدايا والبُدن بذبحها، يقال منه: ثججت دمه، فأنا أثجُّه ثجا، وقد ثجَّ الدم، فهو يثجّ ثجوجا.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
يفسّر المؤلف الآيات من 6 إلى 16 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 6.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً﴾: دَلَّهُمْ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى الْبَعْثِ، أَيْ قُدْرَتُنَا عَلَى إِيجَادِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَعْظَمُ مِنْ قُدْرَتِنَا عَلَى الْإِعَادَةِ. وَالْمِهَادُ: الْوِطَاءُ وَالْفِرَاشُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً [البقرة: ٢٢] وقرى "مَهْدًا". وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَهُمْ كَالْمَهْدِ لِلصَّبِيِّ وَهُوَ مَا يُمَهَّدُ لَهُ فَيُنَوَّمُ عَلَيْهِ (وَالْجِبالَ أَوْتاداً) أَيْ لِتَسْكُنَ وَلَا تَتَكَفَّأَ وَلَا تَمِيلَ بِأَهْلِهَا.
(وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً) أَيْ أَصْنَافًا: ذَكَرًا وَأُنْثَى. وَقِيلَ: أَلْوَانًا. وَقِيلَ: يَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ زَوْجٍ مِنْ قَبِيحٍ وَحَسَنٍ، وَطَوِيلٍ وَقَصِيرٍ، لِتَخْتَلِفَ الْأَحْوَالُ فَيَقَعُ الِاعْتِبَارُ، فَيَشْكُرُ الْفَاضِلُ وَيَصْبِرُ الْمَفْضُولُ.
(وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ) جَعَلْنا مَعْنَاهُ صَيَّرْنَا، وَلِذَلِكَ تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولَيْنِ. سُباتاً الْمَفْعُولُ الثَّانِي، أَيْ رَاحَةً لِأَبْدَانِكُمْ، وَمِنْهُ يَوْمُ السَّبْتَ أَيْ يَوْمَ الرَّاحَةِ، أَيْ قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: اسْتَرِيحُوا فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَلَا تَعْمَلُوا فِيهِ شَيْئًا. وَأَنْكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ هَذَا وَقَالَ: لَا يُقَالُ لِلرَّاحَةِ سُبَاتٌ. وَقِيلَ: أَصْلُهُ التَّمَدُّدُ، يُقَالُ: سَبَتَتِ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا: إِذَا حَلَّتْهُ وَأَرْسَلَتْهُ، فَالسُّبَاتُ كَالْمَدِّ، وَرَجُلٌ مَسْبُوتُ الْخَلْقِ: أَيْ مَمْدُودٌ. وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَسْتَرِيحَ تَمَدَّدَ، فَسُمِّيَتِ الرَّاحَةُ سَبْتًا.
وَقِيلَ: أَصْلُهُ الْقَطْعُ، يُقَالُ: سَبَتَ شَعْرُهُ سَبْتًا: حَلَقَهُ وَكَأَنَّهُ إِذَا نَامَ انْقَطَعَ عَنِ النَّاسِ وَعَنِ الِاشْتِغَالِ، فَالسُّبَاتُ يُشْبِهُ الْمَوْتَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ تُفَارِقْهُ الرُّوحُ. وَيُقَالُ: سَيْرٌ سَبْتٌ: أَيْ سهل لين، قال الشاعر: [هو حميد بن ثور والسبت: السير السريع. والذميل: السير اللبن.]
وَمَطْوِيَّةِ الْأَقْرَابِ أَمَّا نَهَارُهَا ... فَسَبْتٌ وَأَمَّا لَيْلُهَا فَذَمِيلُ
(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً) أَيْ تَلْبِسُكُمْ ظُلْمَتُهُ وَتَغْشَاكُمْ، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيُّ: أَيْ سَكَنًا لَكُمْ.
(وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً) فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ وَقْتَ مَعَاشٍ، أَيْ مُتَصَرَّفًا لِطَلَبِ الْمَعَاشِ وَهُوَ كُلُّ مَا يُعَاشُ بِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَ- مَعاشاً عَلَى هَذَا اسْمُ زَمَانٍ، لِيَكُونَ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الْعَيْشِ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْمُضَافِ.
(وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً) أي سبع سموات مُحْكَمَاتٍ، أَيْ مُحْكَمَةَ الْخَلْقِ وَثِيقَةَ الْبُنْيَانِ.
(وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً) أَيْ وَقَّادًا وَهِيَ الشَّمْسُ. وَجَعَلَ هُنَا بِمَعْنَى خَلَقَ، لِأَنَّهَا تَعَدَّتْ لِمَفْعُولٍ وَاحِدٍ وَالْوَهَّاجُ الَّذِي لَهُ وَهَجٌ، يُقَالُ: وَهَجَ يَهِجْ وَهْجًا وَوَهَجًا وَوَهَجَانًا. وَيُقَالُ لِلْجَوْهَرِ إِذَا تَلَأْلَأَ تَوَهَّجَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهَّاجًا مُنِيرًا مُتَلَأْلِئًا.
(وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ مَاءً ثَجَّاجاً) قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: وَالْمُعْصِرَاتُ الرِّيَاحُ. وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَأَنَّهَا تَعْصِرُ السَّحَابَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّهَا السَّحَابُ. وَقَالَ سُفْيَانُ وَالرَّبِيعُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ: أَيِ السَّحَائِبُ الَّتِي تَنْعَصِرُ بِالْمَاءِ وَلَمَّا تُمْطِرْ بَعْدُ، كَالْمَرْأَةِ الْمُعصِرِ الَّتِي قَدْ دَنَا حَيْضُهَا وَلَمْ تَحِضْ، قَالَ أَبُو النَّجْمِ: [
تَمْشِي الْهُوَيْنَى مائلا خمارها ... قد أعصرت أوقد دَنَا إِعْصَارُهَا
[هذه الزيادة عن أبي حيان دل عليها إجماع نسخ الأصل على ذكر أبي النجم.] ] [وَقَالَ آخَرُ]:
فَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْتُ أَتَّقِي ... ثَلَاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ وَمُعْصِرُ [البيت لعمر بن أبي ربيعة.]
وَقَالَ [هو البعيث كما في اللسان وروايته للبيت: وذي أشر كالأقحوان تشوفه ... ذهاب الصبا والمقصرات الدوالح والدوالح السحائب التي أثقلها الماء: والذهاب بكسر الذال: الأمطار الضعيفة.] آخَرُ:
وَذِي أُشُرٍ كَالْأُقْحُوَانِ يَزِينُهُ ... ذَهَابُ الصَّبَا وَالْمُعْصِرَاتُ الرَّوَائِحُ
فَالرِّيَاحُ تُسَمَّى مُعْصِرَاتٍ، يُقَالُ: أَعَصَرَتِ الرِّيحُ تُعْصِرُ إِعْصَارًا: إِذَا أَثَارَتِ الْعَجَاجُ، وَهِيَ الْإِعْصَارُ، وَالسُّحُبُ أَيْضًا تُسَمَّى الْمُعْصِرَاتِ لِأَنَّهَا تُمْطِرُ. وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: الْمُعْصِرَاتُ السَّمَاءُ، النَّحَّاسُ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ صِحَاحٌ، يُقَالُ لِلرِّيَاحِ الَّتِي تَأْتِي بِالْمَطَرِ مُعْصِرَاتٌ، وَالرِّيَاحُ تُلَقِّحُ السَّحَابَ، فَيَكُونُ الْمَطَرُ، وَالْمَطَرُ يَنْزِلُ مِنَ الرِّيحِ عَلَى هَذَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَقْوَالُ وَاحِدَةً، وَيَكُونَ الْمَعْنَى وَأَنْزَلْنَا مِنْ ذَوَاتِ الرِّيَاحِ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْمُعْصِرَاتِ، السَّحَابُ. كَذَا الْمَعْرُوفُ أَنَّ الْغَيْثَ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَ (بِالْمُعْصِرَاتِ) لَكَانَ الرِّيحُ أَوْلَى. وَفِي الصِّحَاحِ: وَالْمُعْصِرَاتُ السَّحَائِبُ تَعْتَصِرُ بِالْمَطَرِ. وَأُعْصِرَ الْقَوْمُ أَيْ أُمْطِرُوا، وَمِنْهُ قَرَأَ بَعْضُهُمْ "وَفِيهِ يَعْصِرُونَ" وَالْمُعْصِرُ: الْجَارِيَةُ أَوَّلَ مَا أَدْرَكَتْ وَحَاضَتْ، يُقَالُ: قَدْ أَعَصَرَتْ كَأَنَّهَا دَخَلَتْ عَصْرَ شبابها أو بلغته، قال الراجز [هو منصور بن مرثد الأسدي] :
جَارِيَةٌ بِسَفَوَانَ دَارِهَا ... تَمْشِي الْهُوَيْنَى سَاقِطًا خِمَارُهَا
قَدْ أَعَصَرَتْ أَوْ قَدْ دَنَا إِعْصَارُهَا
وَالْجَمْعُ: مَعَاصِرُ، وَيُقَالُ: هِيَ الَّتِي قَارَبَتِ الْحَيْضَ، لِأَنَّ الْإِعْصَارَ فِي الْجَارِيَةِ كَالْمُرَاهَقَةِ فِي الْغُلَامِ. سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي الْغَوْثِ الْأَعْرَابِيِّ. قَالَ غَيْرُهُ: وَالْمُعْصِرُ السَّحَابَةُ الَّتِي حَانَ لَهَا أَنْ تُمْطِرَ، يُقَالُ أَجَنَّ الزَّرْعُ فَهُوَ مُجِنٌّ: أَيْ صَارَ إِلَى أَنْ يُجِنَّ، وَكَذَلِكَ السَّحَابُ إِذَا صَارَ إِلَى أَنْ يُمْطِرَ فَقَدْ أَعْصَرَ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: يُقَالُ سَحَابٌ مُعْصِرٌ أَيْ مُمْسِكٌ لِلْمَاءِ، وَيُعْتَصَرُ مِنْهُ شي بعد شي، وَمِنْهُ الْعَصَرُ بِالتَّحْرِيكِ لِلْمَلْجَأِ الَّذِي يُلْجَأُ إِلَيْهِ، وَالْعُصْرَةُ بِالضَّمِّ أَيْضًا الْمَلْجَأُ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَةِ "يُوسُفَ" [راجع ج ٩ ص ٢٠٥.] وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَالَ أبو زبيد [قاله في رثاء ابن أخته وكان مات عطشا في طريق مكد.] : صَادِيًّا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ ... وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ الْمَنْجُودِ
وَمِنْهُ الْمُعْصِرُ لِلْجَارِيَةِ الَّتِي قَدْ قَرُبَتْ مِنَ الْبُلُوغِ يُقَالُ لَهَا مُعْصِرٌ، لِأَنَّهَا تُحْبَسُ فِي الْبَيْتِ، فَيَكُونُ الْبَيْتُ لَهَا عَصْرًا. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ "وَأَنْزَلْنَا بِالْمُعْصِرَاتِ". وَالَّذِي فِي الْمَصَاحِفِ مِنَ الْمُعْصِراتِ قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَالْحَسَنُ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: مِنَ الْمُعْصِراتِ أَيْ مِنَ السموات. مَاءً ثَجَّاجاً صَبَّابًا مُتَتَابِعًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا. يُقَالُ: ثَجَجْتُ دَمَهُ فَأَنَا أَثَجُّهُ ثَجًّا، وَقَدْ ثَجَّ الدَّمُ يَثُجُّ ثُجُوجًا، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ، فَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ. وَالثَّجَّاجُ فِي الْآيَةِ الْمُنْصَبُّ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيِ الصَّبَّابُ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ كَأَنَّهُ يَثُجُّ: نَفْسَهُ أَيْ يَصُبُّ. وَقَالَ عَبِيدُ بْنُ الْأَبْرَصِ [البيت في وصف المطر ومنصاح: منشق بالماء. وفي الديوان: فالتج أعلاه.] :
فَثَجَّ أَعْلَاهُ ثُمَّ ارْتَجَّ أَسْفَلُهُ ... وَضَاقَ ذَرْعًا بِحَمْلِ الْمَاءِ مُنْصَاحِ
وَفِي حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ فَقَالَ: [الْعَجُّ وَالثَّجُّ] فَالْعَجُّ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ: إِرَاقَةُ الدِّمَاءِ وَذَبْحُ الْهَدَايَا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ثَجَّاجًا كَثِيرًا. وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لِنُخْرِجَ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الْمَاءِ حَبًّا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَنَباتاً مِنَ الْأَبِّ، وَهُوَ مَا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ مِنَ الحشيش. وَجَنَّاتٍ أَيْ بَسَاتِينُ أَلْفافاً أَيْ مُلْتَفَّةً بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لِتَشَعُّبِ أَغْصَانِهَا، وَلَا وَاحِدَ لَهُ كَالْأَوْزَاعِ وَالْأَخْيَافِ. وَقِيلَ: وَاحِدُ الْأَلْفَافِ لِفٌّ بِالْكَسْرِ وَلُفَّ بِالضَّمِّ. ذَكَرَهُ الْكِسَائِيُّ، قَالَ:
جَنَّةٌ لُفٌّ وَعَيْشٌ مُغْدِقٌ ... وَنَدَامَى كُلُّهُمْ بِيضٌ زُهُرْ
وَعَنْهُ أَيْضًا وَأَبِي عُبَيْدَةَ: لَفِيفٌ كَشَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ. حَكَاهُ الْكِسَائِيُّ. يُقَالُ: جَنَّةٌ لَفَّاءُ وَنَبْتٌ لِفٌّ وَالْجَمْعُ [قوله: والجمع لف بضم اللام راجع إلى جنة لفاء بدليل قوله: مثل حمر لأنه جمع الحمراء وأما لف بالكسر والفتح فجمعه ألفاف.] لُفٌّ بِضَمِّ اللَّامِ مِثْلُ حُمْرٍ، ثُمَّ يُجْمَعُ اللَّفُّ أَلْفَافًا. الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلَوْ قِيلَ جَمْعُ مُلْتَفَّةٍ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الزَّوَائِدِ لَكَانَ وَجِيهًا. وَيُقَالُ: شَجَرَةٌ لَفَّاءُ وَشَجَرٌ لَفَّ وَامْرَأَةٌ لَفَّاءُ: أَيْ غَلِيظَةُ السَّاقِ مُجْتَمِعَةُ اللَّحْمِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَنُخْرِجُ بِهِ جَنَّاتٍ أَلْفَافًا، فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. ثُمَّ هَذَا الِالْتِفَافُ وَالِانْضِمَامُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَشْجَارَ فِي الْبَسَاتِينِ تَكُونُ مُتَقَارِبَةً [في ا، ح: متقاربة الأغصان من كل .. إلخ.] ، فَالْأَغْصَانُ من كل شجرة متقاربة لقوتها.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف هذه الآية مع آيات قبلها أو بعدها في نص واحد.
سُورَةُ النَّبَأِ مَكِّيَّةٌ [أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس وابن مردويه عن ابن الزبير قال: نزلت سورة (عم يتساءلون) بمكة. انظر: الدر المنثور: ٨ / ٣٨٩.] ﷽
* *
﴿عَمَّ﴾ أَصْلُهُ: "عَنْ مَا" فَأُدْغِمَتِ النُّونُ فِي الْمِيمِ وَحُذِفَتْ أَلِفُ "مَا" [كَقَوْلِهِ] [في "ب" كقولهم.] "فِيمَ" وَ"بِمَ"؟ ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ أَيْ: عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَسَاءَلُونَ، هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ؟ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَأَخْبَرَهُمْ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ جَعَلُوا يَتَسَاءَلُونَ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُونَ: مَاذَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ الزَّجَّاجُ: اللَّفْظُ لَفْظُ اسْتِفْهَامٍ وَمَعْنَاهُ التَّفْخِيمُ، كَمَا تَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ زَيْدٌ؟ إِذَا عَظَّمْتَ [أَمْرَهُ] [ساقط من "ب".] وَشَأْنَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ تَسَاؤُلَهُمْ عَمَّاذَا فَقَالَ: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْأَكْثَرُونَ: هُوَ الْقُرْآنُ، دَلِيلُهُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الْبَعْثُ.
﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ فَمُصَدِّقٌ وَمُكَذِّبٌ ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ "كَلَّا" نَفْيٌ لِقَوْلِهِمْ، "سَيَعْلَمُونَ" عَاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ حِينَ تَنْكَشِفُ الْأُمُورُ.
﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ وَعِيدٌ لَهُمْ عَلَى إِثْرِ وَعِيدٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: "كَلَّا سَيَعْلَمُونَ" يَعْنِي الْكَافِرِينَ، "ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ" يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ، ثم ذكر صنعائه لِيَعْلَمُوا تَوْحِيدَهُ فَقَالَ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) ﴾
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ فِرَاشًا.
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ لِلْأَرْضِ حَتَّى لَا تَمِيدَ.
﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أَصْنَافًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا.
﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ أَيْ رَاحَةً لِأَبْدَانِكُمْ. قَالَ الزَّجَّاجُ: "السُّبَاتُ" أَنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالرُّوحُ فِيهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَعَلْنَا نَوْمَكُمْ قَطْعًا لِأَعْمَالِكُمْ، لِأَنَّ أَصْلَ السَّبْتِ: الْقَطْعُ.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ غِطَاءً وَغِشَاءً يَسْتُرُ كُلَّ شَيْءٍ بِظُلْمَتِهِ.
﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ الْمَعَاشُ: الْعَيْشُ، وَكُلُّ مَا يُعَاشُ فِيهِ فَهُوَ مَعَاشٌ، أَيْ جَعَلْنَا النَّهَارَ سَبَبًا لِلْمَعَاشِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَصَالِحِ. قَالَ [ابْنُ عَبَّاسٍ] [في "ب" ابن مسعود.] يُرِيدُ: تَبْتَغُونَ فِيهِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمَا قَسَّمَ لَكُمْ مِنْ رِزْقِهِ.
﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ يُرِيدُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ.
﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا﴾ [يَعْنِي الشَّمْسَ] [ساقط من "ب".] ﴿وَهَّاجًا﴾ مُضِيئًا مُنِيرًا. قَالَ الزَّجَّاجُ: الْوَهَّاجُ: الْوَقَّادُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: جَعَلَ فِيهِ نُورًا وَحَرَارَةً، وَالْوَهَجُ يَجْمَعُ النُّورَ وَالْحَرَارَةَ.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلٌ، وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الرِّيَاحَ الَّتِي تَعْصِرُ السَّحَابَ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هِيَ الرياح ذوات ١٨٣/أالْأَعَاصِيرِ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَكُونُ "مِنْ" بِمَعْنَى الْبَاءِ أَيْ بِالْمُعْصِرَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّيحَ تَسْتَدِرُّ الْمَطَرَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: الْمُعْصِرَاتُ هِيَ السَّحَابُ وَهِيَ رِوَايَةُ الْوَالِبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ الْفَرَّاءُ: [الْمُعْصِرَاتُ السَّحَائِبُ] [في "ب" المعصر السحابة.] [الَّتِي] [زيادة من "ب".] تَتَحَلَّبُ بِالْمَطَرِ وَلَا تُمْطِرُ، كَالْمَرْأَةِ الْمُعْصِرِ هِيَ الَّتِي دَنَا حَيْضُهَا وَلَمْ تَحِضْ [انظر: "القرطين" لابن مطرف: ٢ / ٢٠٠.] .
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هِيَ الْمُغِيثَاتُ مِنْ قَوْلِهِ " [فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ] وَفِيهِ يَعْصِرُونَ".
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: "مِنَ الْمُعْصِرَاتِ" أَيْ مِنَ السَّمَاوَاتِ.
﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ أَيْ صَبَّابًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِدْرَارًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: مُتَتَابِعًا يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَثِيرًا.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
يفسّر المؤلف هذه الآية مع آيات قبلها أو بعدها في نص واحد.
أما الدليل التاسع على قدرته - تعالى - على البعث ، فنراه فى قوله - تعالى - :( وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً . لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً . وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ) .والمعصرات - بضم الميم وكسر الصاد - السحب التى تحمل المطر ، جمع معصرة - بكسر الصاد - اسم فاعل ، من أعصرت السحابة إذا أوشكت على إنزال الماء لامتلائها به . .قال ابن كثير : عن ابن عباس : " المعصرات " الرياح . لأنها تستدر المطر من السحاب . . وفى رواية عنه أن المراد بها : السحاب ، وكذا قال عكرمة . . واختاره ابن جرير . .وقال الفراء : هى السحاب التى تتحلب بالماء ولم تمطر بعد ، كما يقال : امرأة معصر ، إذا حان حيضها ولم تحض بعد .وعن الحسن وقتادة : المعصرات : يعنى السموات . وهذا قول غريب ، والأظهر أن المراد بها السحاب ، كما قال - تعالى - : ( الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السمآء كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ . . . ) والثجاج : المندفع بقوة وكثرة ، يقال : ثج الماء - كرد - إذا انصب بقوة وكثرة .ومطر ثجاج ، أى : شديد الانصباب جدا .وقوله : ( أَلْفَافاً ) اسم جمع لا واحد له من لفظه ، كالأوزاع للجماعات المتفرقة . وقيل : جمع لفيف ، كأشراف وشريف . أى : وأنزلنا لكم - يا بنى آدم - بقدرتنا ورحمتنا - من السحائب التى أوشكت على الإِمطار ، ماء كثيرا متدفقا بقوة ، لنخرج بهذا الماء حبا تقتاتون به - كالقمح والشعير .. ونباتا تستعملونه لدوابكم كالتبن والكلأ ، ولنخرج بهذا الماء - أيضا - بساتين قد التفت أغصانها لتقاربها وشدة نمائها .فهذه تسعة أدلة أقامها - سبحانه - على أن البعث حق ، وهى أدلة مشاهدة محسوسة ، لا يستطيع عاقل إنكار واحد منها . . وما دام الأمر كذلك فكيف ينكرون قدرته على البعث ، مع أنه - تعالى - قد أوجد لهم كل هذه النعم التى منها ما يتعلق بخلقهم ، ومنها ما يتعلق بالأرض والسموات ، ومنها ما يتعلق بنومهم ، وبالليل والنهار ، ومنها ما يتعلق بالشمس ، وبالسحب التى تحمل لهم الماء الذى لا حياة لهم بدونه .وبعد إيراد هذه الأدلة المقنعة لكل عاقل ، أكد - سبحانه - ما اختلفوا فيه ، وما تساءلوا عنه