مقارنة التفاسير
التوبة · الآية 112
عَنِ ٱللَّهِۗ ﴿١١٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
التوبة · الآية 112
عَنِ ٱللَّهِۗ ﴿١١٢﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
ومن صفات هؤلاء المؤمنين الذين لهم البشارة بدخول الجنة: أنهم التائبون الراجعون عما كرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه، الذين أخلصوا العبادة لله وحده وجَدُّوا في طاعته، الذين يحمدون الله على كل ما امتحنهم به من خير أو شر، الصائمون، الراكعون في صلاتهم، الساجدون فيها، الذين يأمرون الناس بكل ما أمر الله ورسوله به، وينهونهم عن كل ما نهى الله عنه ورسوله، المؤدون فرائض الله المنتهون إلى أمره ونهيه، القائمون على طاعته، الواقفون عند حدوده. وبشِّر -أيها النبي- هؤلاء المؤمنين المتصفين بهذه الصفات برضوان الله وجنته.
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
كأنه قيل: من هم المؤمنون الذين لهم البشارة من اللّه بدخول الجنات ونيل الكرامات؟ فقال: هم ﴿التَّائِبُونَ﴾ أي: الملازمون للتوبة في جميع الأوقات عن جميع السيئات. ﴿الْعَابِدُونَ﴾ أي: المتصفون بالعبودية للّه، والاستمرار على طاعته من أداء الواجبات والمستحبات في كل وقت، فبذلك يكون العبد من العابدين. ﴿الْحَامِدُونَ﴾ للّه في السراء والضراء، واليسر والعسر، المعترفون بما للّه عليهم من النعم الظاهرة والباطنة، المثنون على اللّه بذكرها وبذكره في آناء الليل وآناء النهار. ﴿السَّائِحُونَ﴾ فسرت السياحة بالصيام، أو السياحة في طلب العلم، وفسرت بسياحة القلب في معرفة اللّه ومحبته، والإنابة إليه على الدوام، والصحيح أن المراد بالسياحة: السفر في القربات، كالحج، والعمرة، والجهاد، وطلب العلم، وصلة الأقارب، ونحو ذلك. ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ أي: المكثرون من الصلاة، المشتملة على الركوع والسجود. ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبات. ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهي جميع ما نهى اللّه ورسوله عنه. ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ بتعلمهم حدود ما أنزل اللّه على رسوله، وما يدخل في الأوامر والنواهي والأحكام، وما لا يدخل، الملازمون لها فعلا وتركا. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يذكر ما يبشرهم به، ليعم جميع ما رتب على الإيمان من ثواب الدنيا والدين والآخرة، فالبشارة متناولة لكل مؤمن. وأما مقدارها وصفتها فإنها بحسب حال المؤمنين، وإيمانهم، قوة، وضعفا، وعملا بمقتضاه.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
هَذَا نعتُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اشْتَرَى اللَّهُ مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ وَالْخِلَالِ الْجَلِيلَةِ: ﴿التَّائِبُونَ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ كُلِّهَا، التَّارِكُونَ لِلْفَوَاحِشِ، ﴿الْعَابِدُونَ﴾ أَيْ: الْقَائِمُونَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ مُحَافِظِينَ عَلَيْهَا، وَهِيَ الْأَقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ فَمِنْ أخَصّ الْأَقْوَالِ الْحَمْدُ [في أ: "الحمد الله".] ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْحَامِدُونَ﴾ وَمِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الصيامُ، وَهُوَ تَرْكُ الملاذِّ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالسِّيَاحَةِ هَاهُنَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿السَّائِحُونَ﴾ كَمَا وَصَفَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ [في ت، أ: "الرسول".] ﷺ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٥] أَيْ: صَائِمَاتٍ، وَكَذَا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، وَهُمَا عِبَارَةٌ عَنِ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَنْفَعُونَ خَلْقَ اللَّهِ، وَيُرْشِدُونَهُمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، مَعَ الْعِلْمِ بِمَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ وَيَجِبُ تركُه، وَهُوَ حِفْظُ حُدُودِ اللَّهِ فِي تَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ، عِلْمًا وَعَمَلًا فَقَامُوا بِعِبَادَةِ الْحَقِّ وَنُصْحِ الْخُلُقِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ، وَالسَّعَادَةُ كُلُّ السَّعَادَةِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهِ.
[بَيَانُ [في أ: "ذكر".] أَنَّ الْمُرَادَ بِالسِّيَاحَةِ الصِّيَامُ] : [زيادة من ت، ك، أ.]
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ﴿السَّائِحُونَ﴾ الصَّائِمُونَ. وَكَذَا رُوي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَالْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلَّ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ السِّيَاحَةَ، هُمُ الصَّائِمُونَ. وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سياحةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الصِّيَامُ. [تفسير الطبري (١٤/٥٠٥) .]
وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَعَطَاءٌ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزاحم، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيينة وَغَيْرُهُمْ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّائِحِينَ: الصَّائِمُونَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿السَّائِحُونَ﴾ الصَّائِمُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ.
وَقَالَ أَبُو [في ت: "ابن".] عَمْرٍو العَبْدي: ﴿السَّائِحُونَ﴾ الَّذِينَ يُدِيمُونَ الصِّيَامَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ نَحْوَ هَذَا، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن بَزِيع، حَدَّثَنَا حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "السَّائِحُونَ هُمُ الصَّائِمُونَ" [تفسير الطبري (١٤/٥٠٣) .]
[ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿السَّائِحُونَ﴾ الصَّائِمُونَ] . [زيادة من ت، ك، أ.]
وَهَذَا الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عُبَيد بْنِ عُمَير قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ السَّائِحِينَ فَقَالَ: "هُمُ الصَّائِمُونَ". [تفسير الطبري (١٤/٥٠٢) .]
وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ.
فَهَذِهِ [في ت: "وهذا"، وفي أ: "فهذا".] أَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَأَشْهَرُهَا، وَجَاءَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السِّيَاحَةَ الْجِهَادُ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "سِيَاحَةُ [في أ: "سياح".] أُمَّتَيِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". [سنن أبي داود برقم (٢٤٨٦) .]
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعة: أَخْبَرَنِي عُمارة بْنُ غَزِيَّة: أَنَّ السِّيَاحَةَ ذُكِرَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَبْدَلَنَا اللَّهُ بِذَلِكَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالتَّكْبِيرَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ". [وهذا معضل، عمارة بن غزية لم يدرك أحدا من الصحابة.]
وَعَنْ عِكْرِمة أَنَّهُ قَالَ: هُمْ طَلَبَةُ الْعِلْمِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُمُ الْمُهَاجِرُونَ. رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ السِّيَاحَةِ مَا قَدْ يَفْهَمُهُ بَعْضُ مَنْ يَتَعَبَّدُ بِمُجَرَّدِ السِّيَاحَةِ فِي الْأَرْضِ، وَالتَّفَرُّدِ فِي شَوَاهِقِ الْجِبَالِ وَالْكُهُوفِ وَالْبَرَارِي، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ إِلَّا فِي أَيَّامِ الفتَن وَالزَّلَازِلِ فِي الدِّينِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ [في أ: "عن أبي هريرة".] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ [في ت، ك، أ: "المسلم".] غَنَم يَتْبَع بِهَا شَعفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ القَطْر، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ". [صحيح البخاري برقم (١٩) .]
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قَالَ: الْقَائِمُونَ بِطَاعَةِ اللَّهِ. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَعَنْهُ رِوَايَةُ: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قال: لفرائض اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: الْقَائِمُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الله اشترى من المؤمنين التائبين العابدين أنفسهم وأموالهم = ولكنه رفع، إذ كان مبتدأ به بعد تمام أخرى مثلها. والعرب تفعل ذلك، وقد تقدَّم بياننا ذلك في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [سورة البقرة: ١٨] ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [انظر ما سلف ١: ٣٣٠، ٣٣١.]
* *
ومعنى: "التائبون"، الراجعون مما كرهه الله وسخطه إلى ما يحبُّه ويرضاه، [انظر تفسير " تائب " فيما سلف من فهارس اللغة (توب) .] كما:-
١٧٢٧٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم، عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن في قول الله: ﴿التائبون﴾ ، قال: تابوا إلى الله من الذنوب كلها. [الأثر: ١٧٢٧٢ - " ثعلبة بن سهيل الطهوي "، ثقة، مضى برقم: ١٢٢٧٣. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ١٧٥، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٤٦٤.]
١٧٢٧٣- حدثنا سوار بن عبد الله العنبري قال، حدثني أبي، عن أبي الأشهب، عن الحسن: أنه قرأ ﴿التائبون العابدون﴾ ، قال: تابوا من الشرك، وبرئوا من النفاق.
١٧٢٧٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي الأشهب قال: قرأ الحسن: ﴿التائبون العابدون﴾ ، قال: تابوا من الشرك، وبرئوا من النفاق.
١٧٢٧٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: التائبون من الشرك.
١٧٢٧٦- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن قرأ هذه الآية: ﴿التائبون العابدون﴾ ، قال الحسن: تابوا والله من الشرك، وبرئوا من النفاق.
١٧٢٧٧- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿التائبون﴾ ، قال: تابوا من الشرك، ثم لم ينافقوا في الإسلام.
١٧٢٧٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج: ﴿التائبون﴾ ، قال: الذين تابوا من الذنوب، ثم لم يعودوا فيها.
* *
وأما قوله: ﴿العابدون﴾ ، فهم الذين ذلُّوا خشيةً لله وتواضعًا له، فجدُّوا في خدمته، [انظر تفسير " العابد " فيما سلف من فهارس اللغة (عبد) .] كما:-
١٧٢٧٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿العابدون﴾ ، قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.
١٧٢٨٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن في قول الله ﴿العابدون﴾ ، قال: عبدوا الله على أحايينهم كلها، في السراء والضراء.
١٧٢٨١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: ﴿العابدون﴾ ، قال: العابدون لربهم.
* *
وأما قوله: ﴿الحامدون﴾ ، فإنهم الذين يحمدون الله على كل ما امتحنهم به من خير وشر، [انظر تفسير " الحمد " فيما سلف ١: ١٣٥ - ١٤١ / ١١: ٢٤٩.] كما:-
١٧٢٨٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿الحامدون﴾ ، قوم حمدوا الله على كل حال.
١٧٢٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن ثعلبة قال، قال الحسن: ﴿الحامدون﴾ ، الذين حمدوا الله على أحايينهم كلها، في السرّاء والضرّاء.
١٧٢٨٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: ﴿الحامدون﴾ ، قال: الحامدون على الإسلام.
* *
وأما قوله: ﴿السائحون﴾ ، فإنهم الصائمون، كما:-
١٧٢٨٥- حدثني محمد بن عيسى الدامغاني وابن وكيع قالا حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عبيد بن عمير =
١٧٢٨٦- وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث، عن عمرو، عن عبيد بن عمير قال: سئل النبي ﷺ عن "السائحين" فقال: هم الصائمون. [الأثر: ١٧٢٨٦ - قال ابن كثير في تفسيره ٤: ٢٤٩: " هذا مرسل جيد "، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٣: ٢٨١، من طريق عبيد بن عمير، عن أبي هريرة، ونسبه إلى الفريابي، ومسدد في مسنده، وابن جرير، والبيهقي في شعب الإيمان. بيد أن ابن جرير لم يرفعه من هذه الطريق إلى أبي هريرة كما ترى.]
١٧٢٨٧- حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا حكيم بن حزام قال، حدثنا سليمان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله ﷺ: "السائحون" هم الصائمون.
١٧٢٨٨- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا إسرائيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون. [الأثران: ١٧٢٨٧، ١٧٢٨٨ - أولهما مرفوع، والآخر موقوف على أبي هريرة، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٢٨١، ونسبه إلى ابن جرير وأبي الشيخ، وابن مردويه، وابن النجار، مرفوعا، وذكره السيوطي في تفسيره ٤: ٢٤٨، وقال: " وهذا الموقوف أصح ".]
١٧٢٨٩- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون. [الأثر: ١٧٢٨٩ - خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٣٤، ٣٥، عن عبد الله بن مسعود، ثم قال: " رواه الطبراني، وفيه عاصم بن بهدلة. وثقه جماعة، وضعفه آخرون، وبقية رجاله رجال الصحيح ".]
١٧٢٩٠-...... قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سفيان قال، حدثني عاصم، عن زر، عن عبد الله، بمثله.
١٧٢٩١- حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله قال، أخبرنا شيبان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن قال: السياحةُ: الصيام.
١٧٢٩٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا إسرائيل، عن أشعث، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ﴿السائحون﴾ ،: الصائمون.
١٧٢٩٣- حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبيه = وإسرائيل، عن أشعث = عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.
١٧٢٩٤- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا إسرائيل، عن أشعث، عن سعيد بن جبير قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.
١٧٢٩٥- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
١٧٢٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله.
١٧٢٩٧-...... قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن إسحاق، عن عبد الرحمن قال: ﴿السائحون﴾ ، هم الصائمون.
١٧٢٩٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿السائحون﴾ ، قال: يعني بالسائحين، الصائمين.
١٧٢٩٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ﴿السائحون﴾ ، هم الصائمون.
١٧٣٠٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.
١٧٣٠١-...... قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: كل ما ذكر الله في القرآن ذكر السياحة، هم الصائمون. [في المطبوعة، حذف " ذكر " من قوله: " ذكر السياحة ". والعبارة مضطربة بعض الاضطراب. وانظر أجود منها في رقم: ١٧٣٠٦.]
١٧٣٠٢-...... قال، حدثنا أبي، عن المسعودي، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل، عن أبي عمرو العبدي قال: ﴿السائحون﴾ ، الذين يُديمون الصيام من المؤمنين.
١٧٣٠٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.
١٧٣٠٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون شهر رمضان.
١٧٣٠٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.
١٧٣٠٦-...... قال، حدثنا أبو أسامة، عن جويبر، عن الضحاك قال: كل شيء في القرآن ﴿السائحون﴾ ، فإنه الصائمون.
١٧٣٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.
١٧٣٠٨- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿السائحون﴾ ، يعني الصائمين.
١٧٣٠٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، ويعلى، وأبو أسامة، عن عبد الملك، عن عطاء قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.
١٧٣١٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء، مثله.
١٧٣١١-...... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله ابن الزبير، عن ابن عيينة قال، حدثنا عمرو: أنه سمع وهب بن منبه يقول: كانت السياحة في بني إسرائيل، وكان الرجل إذا ساح أربعين سنةً، رأى ما كان يرى السائحون قبله. فساح وَلَدُ بغيٍّ أربعين سنة، فلم ير شيئًا، فقال: أي ربِّ، أرأيت إن أساء أبواي وأحسنت أنا؟ قال: فَأرِي ما رَأى السائحون قبله = قال ابن عيينة: إذا ترك الطعام والشراب والنساء، فهو السائح.
١٧٣١٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿السائحون﴾ ، قوم أخذوا من أبدانهم، صومًا لله.
١٧٣١٣- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله، عن عائشة قالت: سياحةُ هذه الأمة الصيام. [الأثر: ١٧٣١٣ - " إبراهيم بن يزيد الخوزي "، متروك الحديث، مضى برقم: ٧٤٨٤، ١٦٢٥٩. و" الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث "، ثقة، مضى برقم: ١٦٢٥٩، ولم يدرك أن يروي عن عائشة، فهو مرسل عن عائشة. فهذا خبر ضعيف الإسناد جدا.]
* *
وقوله: ﴿الراكعون الساجدون﴾ ، يعني المصلين، الراكعين في صلاتهم، الساجدين فيها، [انظر تفسير " الركوع "، و " السجود " فيما سلف من فهارس اللغة (ركع) ، (سجد) .] كما:-
١٧٣١٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: ﴿الراكعون الساجدون﴾ ، قال: الصلاة المفروضة.
* *
وأما قوله: ﴿الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر﴾ ، فإنه يعني أنهم يأمرون الناس بالحق في أديانهم، واتباع الرشد والهدى، والعمل [انظر تفسير " المعروف " فيما سلف ص: ٣٤٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.] = وينهونهم عن المنكر، وذلك نهيهم الناسَ عن كل فعل وقول نهى الله عباده عنه. [انظر تفسير " المنكر" فيما سلف ص: ٣٤٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]
* *
وقد روي عن الحسن في ذلك ما:-
١٧٣١٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: ﴿الآمرون بالمعروف﴾ ، لا إله إلا الله = ﴿والناهون عن المنكر﴾ ، عن الشرك.
١٧٣١٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن في قوله: ﴿الآمرون بالمعروف﴾ ، قال: أمَا إنهم لم يأمروا الناس حتى كانوا من أهلها = ﴿والناهون عن المنكر﴾ ، قال: أمَا إنهم لم ينهوا عن المنكر حتى انتهوا عنه.
١٧٣١٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: كل ما ذكر في القرآن "الأمر بالمعروف"، و"النهي عن المنكر"، فالأمر بالمعروف، دعاءٌ من الشرك إلى الإسلام = والنهي عن المنكر، نهيٌ عن عبادة الأوثان والشياطين.
* *
قال أبو جعفر: وقد دللنا فيما مضى قبل على صحة ما قلنا: من أن "الأمر بالمعروف" هو كل ما أمر الله به عباده أو رسوله ﷺ، و"النهي عن المنكر"، هو كل ما نهى الله عنه عبادَه أو رسولُه. وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية دلالة على أنها عُني بها خصوصٌ دون عموم، ولا خبر عن الرسول، ولا في فطرة عقلٍ، فالعموم بها أولى، لما قد بينا في غير موضع من كُتُبنا.
* *
وأما قوله: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ ، فإنه يعني: المؤدّون فرائض الله، المنتهون إلى أمره ونهيه، الذين لا يضيعون شيئًا ألزمهم العملَ به، ولا يرتكبون شيئًا نهاهم عن ارتكابه، [انظر تفسير " الحفظ " فيما سلف ٥: ١٦٧ / ٨: ٢٩٥ / ١٠: ٥٦٢ / ١١: ٥٣٢. = وتفسير " الحدود " فيما سلف: ص: ٤٢٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.] كالذي:-
١٧٣١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ ، يعني: القائمين على طاعة الله. وهو شرطٌ اشترطه على أهل الجهاد، إذا وَفَوا الله بشرطه، وفى لهم بشرطهم. [في المطبوعة: " إذا وفوا الله بشرطه، وفى لهم شرطهم "، وأثبت ما في المخطوطة.]
١٧٣١٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ ، قال: القائمون على طاعة الله.
١٧٣٢٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن في قوله: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ ، قال: القائمون على أمر الله.
١٧٣٢١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ ، قال: لفرائض الله.
* *
وأما قوله: ﴿وبشر المؤمنين﴾ ، فإنه يعني: وبشّر المصدِّقين بما وعدهم الله إذا هم وفَّوا الله بعهده، أنه مُوفٍّ لهم بما وعدهم من إدخالهم الجنة، [انظر تفسير " التبشير " فيما سلف ص: ١٧٤، تعليق ١، والمراجع هناك.] كما:-
١٧٣٢٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا هوذة بن خليفة قال، حدثنا عوف، عن الحسن: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾ ، حتى ختم الآية، قال الذين وفوا ببيعتهم = ﴿التائبون العابدون الحامدون﴾ ، حتى ختم الآية، فقال: هذا عملهم وسيرهم في الرخاء، ثم لقوا العدوّ فصدَقوا ما عاهدوا الله عليه.
* *
وقال بعضهم: معنى ذلك: وبشر من فعل هذه الأفعال = يعني قوله: ﴿التائبون العابدون﴾ ، إلى آخر الآية = وإن لم يغزوا.
ذكر من قال ذلك:
١٧٣٢٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: ﴿وبشر المؤمنين﴾ ، قال: الذين لم يغزوا.
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى "التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ" التَّائِبُونَ هُمُ الرَّاجِعُونَ عَنِ الْحَالَةِ الْمَذْمُومَةِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَى الْحَالَةِ الْمَحْمُودَةِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَالتَّائِبُ هُوَ الرَّاجِعُ. وَالرَّاجِعُ إِلَى الطَّاعَةِ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الرَّاجِعِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. "الْعابِدُونَ" أَيِ الْمُطِيعُونَ الَّذِينَ قَصَدُوا بِطَاعَتِهِمُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ. "الْحامِدُونَ" أَيِ الرَّاضُونَ بِقَضَائِهِ الْمُصَرِفُونَ نِعْمَتَهُ فِي طَاعَتِهِ، الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. "السَّائِحُونَ" الصَّائِمُونَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا. ومنه قوله تعالى: ﴿عابِداتٍ سائِحاتٍ﴾ [راجع ج ١٨ ص ١٩٢.] [التحريم: ٥]. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّمَا قِيلَ لِلصَّائِمِ سَائِحٌ لِأَنَّهُ يَتْرُكُ اللَّذَّاتِ كُلِّهَا مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَنْكَحِ. وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ:
وَبِالسَّائِحِينَ لَا يذوقون قطرة ... لربهم والذاكرات العوامل
وَقَالَ آخَرُ:
بَرًّا يُصَلِّي لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ ... يَظَلُّ كَثِيرَ الذِّكْرِ لِلَّهِ سَائِحَا
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سِيَاحَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الصِّيَامُ، أَسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ. وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (سِيَاحَةُ أُمَّتِي الصِّيَامُ). قَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَذْهَبُ الْحَسَنِ أَنَّهُمُ الذين يصومون القرض. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ يُدِيمُونَ الصِّيَامَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: السَّائِحُونَ الْمُجَاهِدُونَ. وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السِّيَاحَةِ فَقَالَ: (إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ). صَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ. وَقِيلَ: السَّائِحُونَ الْمُهَاجِرُونَ قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يُسَافِرُونَ لِطَلَبِ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ. وَقِيلَ: هُمْ الجاعلون بِأَفْكَارِهِمْ فِي تَوْحِيدِ رَبِّهِمْ وَمَلَكُوتِهِ وَمَا خَلَقَ مِنَ الْعِبَرِ وَالْعَلَامَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَتَعْظِيمِهِ حَكَاهُ النَّقَّاشُ وَحُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الْعُبَّادِ أَخَذَ الْقَدَحَ لِيَتَوَضَّأَ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ فَأَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي أُذُنِ الْقَدَحِ وَقَعَدَ يَتَفَكَّرُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَدْخَلْتُ أُصْبُعِي فِي أُذُنِ الْقَدَحِ فَتَذَكَّرْتُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ﴾ [راجع ج ١٥ ص ٣٣١ فما بعد.] [غافر: ٧١] وَذَكَرْتُ كَيْفَ أَتَلَقَّى الْغُلَّ وَبَقِيتُ لَيْلِي فِي ذَلِكَ أَجْمَعَ. قُلْتُ: لَفْظُ "س ي ح" يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَإِنَّ السِّيَاحَةَ أَصْلُهَا الذَّهَابُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَمَا يَسِيحُ الْمَاءُ، فَالصَّائِمُ مُسْتَمِرٌّ عَلَى الطَّاعَةِ فِي تَرْكِ مَا يَتْرُكُهُ مِنَ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّائِحِ. وَالْمُتَفَكِّرُونَ تَجُولُ قُلُوبُهُمْ فِيمَا ذَكَرُوا. وَفِي الْحَدِيثِ: (إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ مَشَّائِينَ فِي الْآفَاقِ يُبَلِّغُونَنِي صَلَاةَ أُمَّتِي) وَيُرْوَى "صَيَّاحِينَ" بِالصَّادِ، مِنَ الصِّيَاحِ. "الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ" يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا. "الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ" أَيْ بِالسُّنَّةِ، وَقِيلَ: بِالْإِيمَانِ. "وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ" قِيلَ: عَنِ الْبِدْعَةِ. وَقِيلَ: عَنِ الْكُفْرِ. وَقِيلَ: هُوَ عُمُومٌ فِي كُلِّ مَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ. "وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ" أَيِ الْقَائِمُونَ بِمَا أَمَرَ بِهِ وَالْمُنْتَهُونَ عَمَّا نَهَى عنه.
الثَّانِيَةُ- وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ هِيَ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلُ أَوْ مُنْفَصِلَةٌ فَقَالَ جَمَاعَةٌ: الْآيَةُ الْأُولَى مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا يَقَعُ تَحْتَ تِلْكَ الْمُبَايَعَةِ كُلُّ مُوَحِّدٍ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فِي هَذِهِ الآية الثانية أو بأكثر ها. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الْأَوْصَافُ جَاءَتْ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ وَالْآيَتَانِ مُرْتَبِطَتَانِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمُبَايَعَةِ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَيَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَهُ الضَّحَّاكُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا الْقَوْلُ تَحْرِيجٌ وَتَضْيِيقٌ وَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ وَالشَّرْعُ أَنَّهَا أَوْصَافُ الْكَمَلَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ذَكَرَهَا اللَّهُ لِيَسْتَبِقَ إِلَيْهَا أَهْلُ التَّوْحِيدِ حَتَّى يَكُونُوا فِي أَعْلَى مَرْتَبَةٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الَّذِي عِنْدِي أَنَّ قَوْلَهُ: "التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ" رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، أَيِ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ- إِلَى آخِرِ الْآيَةِ- لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا إذا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ عِنَادٌ وَقَصْدٌ إِلَى تَرْكِ الْجِهَادِ لِأَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ يَجْزِي عَنْ بَعْضٍ فِي الْجِهَادِ. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الْقُشَيْرِيُّ وَقَالَ: وَهَذَا حَسَنٌ إِذْ لَوْ كَانَ صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ: "اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" لَكَانَ الْوَعْدُ خَاصًّا لِلْمُجَاهِدِينَ. وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ "التَّائِبِينَ الْعَابِدِينَ" إِلَى آخِرِهَا، وَلِذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْإِتْبَاعِ. وَالثَّانِي النَّصْبُ عَلَى الْمَدْحِ. الثَّالِثَةُ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ: "وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ" فَقِيلَ: دَخَلَتْ فِي صِفَةِ النَّاهِينَ كَمَا دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "حم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ" [راجع ج ١٥ ص ٢٨٩.] [غافر: ٣ - ٢ - ١] فَذَكَرَ بَعْضَهَا بِالْوَاوِ وَالْبَعْضَ بِغَيْرِهَا. وَهَذَا سَائِغٌ مُعْتَادٌ فِي الْكَلَامِ وَلَا يُطْلَبُ لِمِثْلِهِ حِكْمَةٌ وَلَا عِلَّةٌ. وَقِيلَ: دَخَلَتْ لِمُصَاحَبَةِ النَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ فَلَا يَكَادُ يُذْكَرُ وَاحِدٌ منها مفردا. وكذلك [قوله]: [من ج وهـ وز.] ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ [راجع ج ١٨ ص ١٩٣.] [التحريم: ٥]. وَدَخَلَتْ فِي [قَوْلِهِ [من ج.] ]: "وَالْحافِظُونَ" لِقُرْبِهِ مِنَ الْمَعْطُوفِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا زَائِدَةٌ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لَا مَعْنَى لَهُ. وَقِيلَ: هِيَ وَاوُ الثَّمَانِيَةِ لِأَنَّ السَّبْعَةَ عِنْدَ الْعَرَبِ عَدَدٌ كَامِلٌ صَحِيحٌ. وَكَذَلِكَ قالوا في قوله: ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ [التحريم: ٥]. وقوله في أبو أب الجنة: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ [راجع ج ١٥ ص ٣٨٢ - ٨٤ ٣.] [الزمر: ٧٣] وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [راجع ج ١٠ ص ٣٨٢.] [الكهف: ٢٢] وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي مُنَاظَرَتِهِ لِأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] وأنكر ها أَبُو عَلِيٍّ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الْأُسْتَاذِ النَّحْوِيِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكَفِيفِ الْمَالِقِيِّ، وَكَانَ مِمَّنِ اسْتَوْطَنَ غَرْنَاطَةَ وَأَقْرَأَ فِيهَا فِي مُدَّةِ ابْنِ حَبُوسٍ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَقُولُوا إِذَا عَدُّوا: وَاحِدٌ اثْنَانِ ثَلَاثَةٌ أَرْبَعَةٌ خَمْسَةٌ سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وَثَمَانِيَةٌ تِسْعَةٌ عَشَرَةٌ وَهَكَذَا هِيَ لُغَتُهُمْ. وَمَتَى جَاءَ فِي كَلَامِهِمْ أَمْرُ ثَمَانِيَةٍ أَدْخَلُوا الْوَاوَ. قُلْتُ: هِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ وَنَقْضُهُ فِي سُورَةِ [الْكَهْفِ] [راجع ج ١٠ ص ٣٨٢.] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الزمر [راجع ج ١٥ ص ٣٨٢ - ٨٤ ٣.] [أيضا بحول الله تعالى [من ب وج وع وك وهـ وز.] ].
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿التَّائِبُونَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ وَبَرِئُوا مِنَ النِّفَاقِ، ﴿الْعَابِدُونَ﴾ الْمُطِيعُونَ الَّذِينَ أَخْلَصُوا الْعِبَادَةَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿الْحَامِدُونَ﴾ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.
وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ" [أخرجه الحاكم في المستدرك: ١ / ٥٠٢ وصححه على شرط مسلم، وأبو نعيم في الحلية: ٥ / ٦٩، قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الثلاثة، بأسانيد، وفي أحدها: قيس بن الربيع: وثقه شعبة والثوري وغيرهما، وضعفه يحيى القطان وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه البزار بنحوه، وإسناده حسن" مجمع الزوائد: ١٠ / ٩٥. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٥ / ٥٠، وفي سنده حبيب بن أبي ثابت، مدلس وقد عنعن.] .
﴿السَّائِحُونَ﴾ قَالَ ابْن مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمُ الصَّائِمُونَ [روي مرفوعا وموقوفا. والموقوف صحيح. انظر: الطبري: ١٤ / ٥٠٢-٥٠٤، الدر المنثور: ٤ / ٢٩٧-٢٩٨، تفسير ابن كثير: ٢ / ٣٩٣.] .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الصَّائِمُ سَائِحًا لِتَرْكِهِ اللَّذَّاتِ كُلِّهَا مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالنِّكَاحِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: السَّائِحُونَ الْغُزَاةُ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ، فَقَالَ: "إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" [حديث ضعيف رواه الطبراني، وفيه: معلى بن هلال، وهو متروك. والمصنف في شرح السنة: ٢ / ٣٧٠-٣٧١، ورواه أبو داود في الجهاد من طريق أبي أمامة. وفي إسناده: رشدين بن سعد. وانظر: مجمع الزوائد: ٤ / ٢٥٤ فقد روى الهيثمي أوله، وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني: ٣ / ٤٧٩.] .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: السَّائِحُونَ هُمْ طَلَبَةُ الْعِلْمِ.
﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ يَعْنِي: الْمُصَلِّينَ، ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بِالْإِيمَانِ، ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عَنِ الشِّرْكِ. وَقِيلَ: الْمَعْرُوفُ: السَّنَةُ، وَالْمُنْكَرُ: الْبِدْعَةُ.
﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ الْقَائِمُونَ بِأَوَامِرِ اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَهْلُ الْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ اللَّهِ.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم وصف الله - تعالى - هؤلاء المؤمنين الصادقين بجملة من الأوصاف الكريمة فقال : ( التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون . . . ) .قال الجمل ما ملخصه : ذكر الله - تعالى - فى هذه الآية تسعة أوصاف للمؤمنين ، الستة الأولى منها تتعلق بمعاملة الخالق ، والوصفان السابع والثامن يتعلقان بمعاملة المخلوق ، والوصف التاسع يعم القبيلين .وقوله : ( التائبون ) فيه وجوه من الأعراب منها : أنه مرفوع على المدح . فهو خبر لمبتدأ محذوف وجوباً للمبالغة فى المدح أى : المؤمنون المذكورون التائبون ، ومنها أن الخبر هنا محذوف ، أى : التائبون المصوفون بهذه الأوصاف من أهل الجنة . .والمعنى : " التائبون " عن المعاصى وعن كل ما نهت عنه شريعة الله ، " العابِدون " لخالقهم عبادة خالصة لوجهه ، " الحامدون " له - سبحانه - فى السراء والضراء ، وفى المنشط والمكره ، وفى العسر واليسر ، " السائحون " فى الأرض للتدبر والاعتبار وطاعة الله . والعمل على مرضاته ( الراكعون الساجدون ) لله - تعالى - عن طريق الصلاة التى هى عماد الدين وركنه الركين " الآمرون " غيرهم " بالمعروف " أى : بكل ما حسنه الشرع " والناهون " له " عن المنكر " الذى تأباه الشرائع والعقول السليمة ، ( والحافظون لِحُدُودِ الله ) أى : لشرائعه وفرائضه وأحكامه وآدابه . . هؤلاء المتصفون بتلك الصفات الحميدة ، بشرهم . يا محمد . بكل ما يسعدهم ويشرح صدورهم ، فهم المؤمنون حقاً ، وهم الذين أعد الله - تعالى - لهم الأجر الجزيل ، والرزق الكريم .ولم يذكر - سبحانه - المبشر به فى قوله : ( وَبَشِّرِ المؤمنين ) ، للاشارة إلى أنه أمر جليل لا يحيط به الوصف ، ولا تحده العيارة .ولم يذكر - سبحانه - فى الآية لهذه الأوصاف متعلقاً ، فلم يقل " التائبون " من كذا ، لفهم ذلك من المقام ، لأن المقام فى مدح المؤمنين الصادقين الذين أخلصوا نفوسهم لله ، تعالى . فصاروا ملتزمين طاعته فى كل أقوالهم وأعمالهم .وعبر عن كثرة صلاتهم وخشوعهم فيها بقوله . ( الراكعون الساجدون ) للاشارة إلى أن الصلاة كأنها صفة ثابتة من صفاتهم ، وكأن الركوع والسجود طابع مميز لهم بين الناس . وإنما عطف النهى عن المنكر على الأمر بالمعروف للإِيذان بأنهما فريضة واحدة لتلازمهما فى الغالب ، أو لما بينهما من تباين إذ الأمر بالمعروف طلب فعل ، والنهى عن المنكر طلب ترك أو كف .وكذلك جاء قوله . ( والحافظون لِحُدُودِ الله ) بحرف العطف ومما قالوه فى تعليل ذلك . أن سر العطف هنا التنبيه على أن ما قبله مفصل للفضائل وهذا مجمل لها ، لأنه شامل لما قبله وغيره ، ومثله يؤتى به معطوفاً ، نحو زيد وعمرو وسائر قبيلتهما كرماء ، فلمغايرته لما قبله بالإِجمال والتفصيل والعموم والخصوص عطف عليه .هذا ، وما ذكرناه من أن المراد بقوله : " السائحون " أى : السائرون فى الأرض للتدير والاعتبار والتفكر فى خلق الله ، والعمل على مرضاته .. هذا الذى ذكرناه رأى لبعض العلماء . ومنهم من يرى أن المراد بهم الصائمون ومنهم من يرى أن المراد بهم : المجاهدون .قال الآلوسى : وقوله : " السائحون " أى الصائمون . فقد أخرج ابن مردويه عن أبى هريرة أن النبى - ﷺ - سئل عن ذلك فأجاب بما ذكر ، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين . وجاء عن عائشة : " سياحة هذه الأمة الصيام " .وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن زيد أن السائحين هم المهاجرون ، وليس فى أمة محمد - ﷺ - سياحة إلا الهجرة .وعن عكرمة أنهم طلبة العمل ، لأنهم يسيحون فى الأرض لطلبه .وقيل : هم المجاهدون فى سبيل الله ، لما أخرج الحاكم وصححه والطبرانى وغيرهما ، " عن أبى أمامة أن رجلا استأذن رسول الله - ﷺ - فى السياحة فقال : إن سياحة أمتى الجهاد فى سبيل الله " . والذى نراه أقرب إلى الصواب أن المراد بالسائحين هنا : السائرون فى الأرض لمقصد شريف ، وغرض كريم . كتحصيل العلم ، والجهادفى سبيل الله ، والتدبر فى ملكوته - سبحانه - والتفكر فى سنته فى كونه ، والاعتبار بما اشتمل عليه هذا الكون من عجائب .ولعل ما يؤيد ذلك أن لفظ " السائحون " معناه السائرون ، لأنه مأخوذ من السيح وهو الجرى على وجه الأرض ، والذهاب فيها . وهذه المادة تشعر بالانتشار ، يقال : ساح الماء أى جرى وانتشر .وما دام الأمر كذلك فمن الأولى حملا للفظ على ظاهره ، ما دام لم يمنع مانع من ذلك ، وهنا لا مانع من حمل اللفظ على حقيقته وظاهره .أما الأحاديث والآثار التى استشهد بها من قال بأن المراد بالسائحين الصائمون فقد ضعفها علماء الحديث .قال صاحب المنار : وأقول : وروى ابن جرير من حديث أبى هريرة مرفوعا وموقوفاً حديث : " السائحون هم الصائمون " لا يصح رفعه . .وفضلا عن كل هذا ، فإن تفسير السائحين بأنهم السائرون فى الأرض لكل مقصد شريف ، وغرض كريم . . . يتناول الجهاد فى سبيل ، كما يتناول الرحلة فى طلب العلم ، وغير ذلك من وجوه الخير .وما أكثر الآيات القرآنية التى حضت على السير فى الأرض ، وعلى التفكر فى خلق الله ، ومن ذلك قوله تعالى : ( قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين ) وقوله تعالى ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور ) قال الإِمام الرازى : للسياحة أثر عظيم فى تكميل النفس لأن الإِنسان يلقى الأكابر من الناس ، يفتخر نفسه فى مقابلتهم ، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة فينتقع بها ، وقد يشاهد اختلاف أحوال الدنيا بسبب ما خلق الله . تعالى . فى كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته . وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية فى الدين .