مقارنة التفاسير
التوبة · الآية 43
ٱللَّهُ لِمَ لَكَ ٱلَّذِينَ ﴿٤٣﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
التوبة · الآية 43
ٱللَّهُ لِمَ لَكَ ٱلَّذِينَ ﴿٤٣﴾
اضغط على كلمة في الآية لترى ما قاله كل مفسّر عنها
اسحب يميناً ويساراً للتنقل بين التفاسير.
نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)
تفاسير مختصرة
عفا الله عنك -أيها النبي- عمّا وقع منك مِن تَرْك الأَولى والأكمل، وهو إذنك للمنافقين في القعود عن الجهاد، لأي سبب أَذِنْتَ لهؤلاء بالتخلف عن الغزوة، حتى يظهر لك الذين صدقوا في اعتذارهم وتعلم الكاذبين منهم في ذلك؟
تيسير الكريم الرحمن · عبد الرحمن السعدي
تفاسير مختصرة
يقول تعالى لرسوله ـ ﷺ ـ ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ أي: سامحك وغفر لك ما أجريت. ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ في التخلف ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ بأن تمتحنهم، ليتبين لك الصادق من الكاذب، فتعذر من يستحق العذر ممن لا يستحق ذلك.
تفسير القرآن العظيم · ابن كثير
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 43 إلى 45 معاً في نص واحد.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو حُصَيْنِ بْنُ [يَحْيَى بْنِ] [زيادة من الجرح والتعديل ٤/٢/٣٦٤. مستفادا من هامش ط. الشعب.] سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ [في أ: "الداري".] حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَر [في أ: "مشرف".] عَنْ عَوْنٍ قَالَ: هَلْ سَمِعْتُمْ بِمُعَاتِبَةٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا؟ بَدَأَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ الْمُعَاتَبَةِ فَقَالَ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ وَكَذَا قَالَ مُوَرِّق العِجْلي وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: عَاتَبَهُ كَمَا تَسْمَعُونَ، ثُمَّ أَنْزَلَ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ، فرخَّص لَهُ فِي أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ إِنْ شَاءَ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النُّورِ: ٦٢] وَكَذَا رُوي عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أُنَاسٍ قَالُوا: استأذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنْ أَذِنَ لَكُمْ فَاقْعُدُوا، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ فَاقْعُدُوا.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أَيْ: فِي إِبْدَاءِ الْأَعْذَارِ، ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [في ت: "ويعلم".] يَقُولُ تَعَالَى: هَلَّا تَرَكْتَهُمْ لَمَّا اسْتَأْذَنُوكَ، فَلَمْ تَأْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْقُعُودِ، لِتَعْلَمَ الصَّادِقَ مِنْهُمْ فِي إِظْهَارِ طَاعَتِكَ مِنَ الْكَاذِبِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا مُصِرِّينَ عَلَى الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ [وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ لَهُمْ فِيهِ. وَلِهَذَا أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ] [زيادة من ت، ك، أ.] أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أَيْ: فِي الْقُعُودِ عَنِ الْغَزْوِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ يَرَوْنَ الْجِهَادَ قُرْبَةً، وَلَمَّا نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ بَادَرُوا وَامْتَثَلُوا. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أَيْ: فِي الْقُعُودِ مِمَّنْ لَا عُذْرَ لَهُ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ أَيْ: لَا يَرْجُونَ ثَوَابَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ: شَكَّتْ فِي صِحَّةِ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أَيْ: يَتَحَيَّرُونَ، يُقَدِّمُون رِجْلًا وَيُؤَخِّرُونَ أُخْرَى، وَلَيْسَتْ لَهُمْ قَدَمٌ ثَابِتَةٌ فِي شَيْءٍ، فَهُمْ قَوْمٌ حَيَارَى هَلْكى، لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ، وَمَنْ يضلل الله فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا.
جامع البيان · ابن جرير الطبري
التفسير بالمأثور
القول في تأويل قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا عتاب من الله تعالى ذكره، عاتبٌ به نبيَّه ﷺ في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه، حين شخص إلى تبوك لغزو الروم، من المنافقين.
يقول جل ثناؤه: ﴿عفا الله عنك﴾ ، يا محمد، ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذي استأذنوك في ترك الخروج معك، وفي التخلف عنك، من قبل أن تعلم صدقه من كذبه [انظر تفسير " العفو " فيما سلف من فهارس اللغة (عفا) .]
= ﴿لم أذنت لهم﴾ ، لأي شيء أذنت لهم؟ = ﴿حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ ، يقول: ما كان ينبغي لك أن تأذن لهم في التخلف عنك إذ قالوا لك: ﴿لو استطعنا لخرجنا معك﴾ ، حتى تعرف مَن له العذر منهم في تخلفه، ومن لا عذر له منهم، فيكون إذنك لمن أذنتَ له منهم على علم منك بعذره، وتعلمَ مَنِ الكاذبُ منهم المتخلفُ نفاقًا وشكًّا في دين الله.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٧٦٣- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ ، قال: ناسٌ قالوا: استأذِنوا رسول الله ﷺ، فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.
١٦٧٦٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا﴾ ، الآية، عاتبه كما تسمعون، ثم أنزل الله التي في "سورة النور"، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء، فقال: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ ، [سورة النور: ٦٢] ، فجعله الله رخصةً في ذلك من ذلك.
١٦٧٦٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: اثنتان فعلهما رسول الله ﷺ لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ ، الآية.
١٦٧٦٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، قرأت على سعيد بن أبي عروبة، قال: هكذا سمعته من قتادة، قوله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) ، الآية، ثم أنزل الله بعد ذلك في "سورة النور": ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ ، الآية.
١٦٧٦٧- حدثنا صالح بن مسمار قال، حدثنا النضر بن شميل قال، أخبرنا موسى بن سَرْوان، قال: سألت مورِّقًا عن قوله: ﴿عفا الله عنك﴾ ، قال: عاتبه ربه. [الأثر: ١٦٧٦٧ - "صالح بن مسمار المروزي السلمي"، شيخ الطبري، مضى برقم: ٢٢٤. و"النضر بن شميل المازني" الإمام النحوي، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١١٥١٢. و" موسى بن سروان العجلي "، ويقال: " ثروان " و " فروان " مضى برقم: ١١٤١١، وكان في المطبوعة هنا " موسى بن مروان "، وهو خطأ، وأثبت ما في المخطوطة. و" مورق "، هو " مورق بن مشمرج العجلي "، ثقة عابد من العباد الخشن. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ \ ٢ \ ٥١، وابن أبي حاتم ٤ \ ١ \ ٤٠٣.]
الجامع لأحكام القرآن · القرطبي
تفاسير موسّعة
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ قِيلَ: هُوَ افْتِتَاحُ كَلَامٍ، كَمَا تَقُولُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ وَأَعَزَّكَ وَرَحِمَكَ! كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: "عَفَا اللَّهُ عَنْكَ"، حَكَاهُ مَكِّيٌّ وَالْمَهْدَوِيُّ وَالنَّحَّاسُ. وَأَخْبَرَهُ بِالْعَفْوِ قَبْلَ الذَّنْبِ لِئَلَّا يَطِيرَ قَلْبُهُ فَرَقًا [الفرق بالتحريك: الخوف والجزع.] . وَقِيلَ: الْمَعْنَى عَفَا اللَّهُ عَنْكَ مَا كَانَ مِنْ ذَنْبِكَ فِي أَنْ أَذِنْتَ لَهُمْ، فَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: "عَفَا اللَّهُ عَنْكَ" عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، حَكَاهُ الْمَهْدَوِيُّ وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ. ثُمَّ قِيلَ: فِي الْإِذْنِ قَوْلَانِ: [الْأَوَّلُ [ "لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ" فِي الْخُرُوجِ مَعَكَ، وَفِي خُرُوجِهِمْ بِلَا عِدَّةٍ وَنِيَّةٍ صَادِقَةٍ فَسَادٌ. [الثَّانِي [- "لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ" فِي الْقُعُودِ لَمَّا اعْتَلُّوا بِأَعْذَارٍ، ذكرهما الْقُشَيْرِيُّ قَالَ: وَهَذَا عِتَابُ تَلَطُّفٍ إِذْ قَالَ: "عَفَا اللَّهُ عَنْكَ". وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَذِنَ مِنْ غَيْرِ وَحْيٍ نَزَلَ فِيهِ. قَالَ قَتَادَةُ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ثِنْتَانِ فَعَلَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ] و [[من ج.]] لم يؤمر بِهِمَا: إِذْنُهُ لِطَائِفَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْضِيَ شَيْئًا إِلَّا بِوَحْيٍ وَأَخْذُهُ مِنَ الْأُسَارَى الْفِدْيَةَ فَعَاتَبَهُ اللَّهُ كَمَا تَسْمَعُونَ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا بدر منه ترك الاولى فقدم الله له الْعَفْوَ عَلَى الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ فِي صُورَةِ الْعِتَابِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ﴾ أَيْ لِيَتَبَيَّنَ لَكَ مَنْ صَدَقَ مِمَّنْ نَافَقَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ وَإِنَّمَا عَرَفَهُمْ بَعْدَ نُزُولِ سُورَةِ] التَّوْبَةِ [. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَالُوا: نَسْتَأْذِنُ فِي الْجُلُوسِ فَإِنْ أَذِنَ لَنَا جَلَسْنَا وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَنَا جَلَسْنَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَسَخَ هَذِهِ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ "النُّورِ": ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾[[راجع ج ١٢ ص ٣٢٠ فما بعد.] [النور: ٦٢]. ذكره النحاس في معاني القرآن له.
معالم التنزيل · البغوي
التفسير بالمأثور
يفسّر المؤلف الآيات من 42 إلى 46 معاً في نص واحد، وهو النص نفسه المعروض عند الآية 42.
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ وَاسْمُ كَانَ مُضْمَرٌ، أَيْ: لَوْ كَانَ مَا تَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ عَرَضًا قَرِيبًا، أَيْ: غَنِيمَةً قَرِيبَةَ الْمُتَنَاوَلِ، ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أَيْ قَرِيبًا هَيِّنًا، ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ لَخَرَجُوا مَعَكَ، ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أَيِ: الْمَسَافَةُ، وَالشُّقَّةُ: السَّفَرُ الْبَعِيدُ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ. وَقِيلَ: الشُّقَّةُ الْغَايَةُ الَّتِي يَقْصِدُونَهَا، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فِي أَيْمَانِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَطِيعِينَ.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنَانِ فَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا: إِذْنُهُ لِلْمُنَافِقِينَ، وَأَخْذُهُ الْفِدْيَةَ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ كَمَا تَسْمَعُونَ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا اللُّطْفِ بَدَأَ بِالْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يُعَيِّرَهُ بِالذَّنْبِ.
وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَقَّرَهُ وَرَفَعَ مَحَلَّهُ بِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ بِالدُّعَاءِ لَهُ، كَمَا يَقُولُ الرَّجْلُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ إِذَا كَانَ كَرِيمًا عِنْدَهُ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ مَا صَنَعْتَ فِي حَاجَتِي؟ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ أَلَا زُرْتَنِي. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَدَامَ اللَّهُ لَكَ الْعَفْوَ.
﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ أَيْ: فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فِي أَعْذَارِهِمْ، ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فِيهَا، أَيْ: تَعْلَمَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَئِذٍ.
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أَيْ: لَا يَسْتَأْذِنُكَ فِي التَّخَلُّفِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ .
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أَيْ شَكَّتْ وَنَافَقَتْ، ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ مُتَحَيِّرِينَ.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ إِلَى الْغَزْوِ، ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾ أي: لهيؤوا لَهُ ﴿عُدَّةً﴾ أُهْبَةً وَقُوَّةً مِنَ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ خُرُوجَهُمْ، ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ مَنَعَهُمْ وَحَبَسَهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ فِي بُيُوتِكُمْ، ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ يَعْنِي: مَعَ الْمَرْضَى وَالزَّمْنَى. وَقِيلَ: مَعَ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقِيلَ﴾ أَيْ: قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اقْعُدُوا. وَقِيلَ: أَوْحَى إِلَى قُلُوبِهِمْ وَأُلْهِمُوا أَسْبَابَ الْخُذْلَانِ.
التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي
تفاسير مختصرة
ثم عاتب الله : تعالى . نبيه - ﷺ - عتاباً رقيقاً لأنه اذن للمنافقين بالتخلف عن الجهاد حين طلبوا منه ذلك ، دون أن يتبين أحوالهم فقال . تعالى . ( عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ ) .قال ابن كثير . قال مجاهد . نزلت هذه الآية فى أناس قالوا : استأذنوا رسول الله - ﷺ - فإن أذن لكم فاقعدوا . وإن لم يأذن لكم فاقعدوا .والعفو : يطلق على التجاوز عن الذنب أو التقصير ، كما يطلق على ترك المؤاخذة على عدم فعل الأولى والأفضل ، وهو المراد هنا .والمعنى : عفا الله عنك يا محمد ، وتجاوز عن مؤاخذتك فيما فعلته مع هؤلاء المنافقين من سماحك لهم بالتخلف عن الجهاد معك فى غزوة تبوك ، حين اعتذروا إليك بالأعذار الكاذبة ، وكان الأولى بك أن تتريث وتتأنى فى السماح لهم بالتخلف ، حتى يتبين لك الذين صدقوا فى اعتذارهم من الذين كذبوا فيه ، فقد كانوا - إلا قليلا منهم - كاذبين فى معاذيرهم ، وكانوا مصرين على القعود عن الجهاد حتى ولو لم تأذن لهم به .وقدم سبحانه . العفو على العتاب . وهو قوله : ( لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) - للإِشارة إلى المكانة السامية التى له - ﷺ - عند ربه .قال بعض العلماء : هل سمعتم بعتاب أحسن من هذا؟ لقد خاطبه سبحانه بالعفو قبل أن يذكر المعفو عنه .وقال العلامة أبو السعود ما ملخصه : وعبر - سبحانه - عن الفريق الأول بالموصول الذى صلته فعل دال على الحدوث ، وعن الفريق الثانى باسم الفاعل المفيد للدوام ، للإِيذان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث فى أمر خاص غير مصحح لنظمهم فى سلك الصادقين ، وبأن ما صدر من الآخرين ، وإن كان كاذباً حادثاً متعلقاً بأمر خاص لكنه أمر جار على عادتهم المستمرة ، ناشئ عن رسوخهم فى الكذب .وعبر عن ظهور الصدق بالتبين ، وعما يتعلق بالكذب بالعلم ، لما هو المشهور من أن مدلول الخبر هو الصدق ، والكذب احتمال عقلى ، فظهور صدق الخبر إنما هو تبين ذلك المدلول ، وانقطاع احتمال نقيضه بعدما كان محتملا له احتمالا عقلياً ، وأما كذبه فأمر حادث لا دلالة للخبر عليه فى الجملة حتى يكون ظهوره تبيناً له ، بل نقيض لمدلوله . فما يتعلق به يكون علما مستأنفاً .هذا ، ومن الأمور التى تكلم عنها العلماء عند تفسيرهم لهذه الآية ما يأتى :1- أن النبى - ﷺ - كان يحكم بمقتضى اجتهاده فى بعض الوقائع . وقد بسط القول فى هذه المسألة صاحب المنار فقال ما ملخصه :وقد كان الإِذن المعاتب عليه اجتهاداً منه - ﷺ - فيما لا نص فيه من الوحى ، وهو جائز وواقع من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم . وليسوا بمعصومين من الخطأ فيه ، وإنما العصمة المتفق عليها خاصة بتبليغ الوحى ببيانه والعمل به ، فيستحيل على الرسول أن يكذب أو أن يخطئ فيها يبلغه عن ربه أو يخالفه بالعمل .ويؤيده " حديث طلحة فى تأبير النخل إذ رآهم - ﷺ - يلقحونها فقال : " ما أظن يغنى ذلك شيئاً " فأخذوا بذلك فتركوه ظناً منهم أن قوله هذا من أمر الدين ، فنفضت النخل وسقط ثمرها . فأخبر بذلك فقال : " إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه ، فانى ظننت ظناً فلا تؤاخذونى بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به ، فانى لن أكذب على الله عز وجل " " .وقد صرح علماء الأصول بجواز الخطأ فى الاجتهاد على الأنبياء . عليهم الصلاة والسلام : قالوا : ولكن لا يقرهم الله على ذلك ، بل يبين لهم الصواب فيه . .2- أن من الواجب على المسلم التريث فى الحكم على الأمور .قال الفخر الرازى : دلت الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة ، ووجوب التثبت والتأنى ، وترك الاغترار بظواهر الأمور ، والمبالغة فى التفحص ، حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإِبعاد .3- أن المتتبع لآراء العلماء عند تفسيرهم لهذه الآية يرى لهم ثلاثة أقوال :أما القول الأول فهو لجمهور العلماء : وملخصه : أن المراد بالعفو فى قوله سبحانه : ( عَفَا الله عَنكَ ) عدم مؤاخذته : - ﷺ - فى تركه الأولى والأفضل ، لأنه كان من الأفضل لهألا يأذن للمنافقين فى التخلف عن الجهاد حتى يتبين أمرهم .وهذا القول هو الذى نختاره ونرجحه ، لأنه هو المناسب لسياق الآية ولما ورد فى سبب نزولها :وأما القول الثانى فهو لصاحب الكشاف : وملخصه : أن العفو هنا كناية عن الجناية ، فقد قال : قوله ( عَفَا الله عَنكَ ) كناية عن الجناية لأن العفو مرادف لها ، ومعناه . أخطأت وبئس ما فعلت ، وقوله ( لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) بيان لما كنى عنه بالعفو .ولم يرتض كثير من العلماء ما ذهب إليه صاحب الكشاف من أن العفو هنا كناية عن الجناية ، ووصفوا ما ذهب إليه بالخطأ وإساءة الأدب .قال أبو السعود : ولقد أخطأ وأساء الأدب وبئسما فعل فيما قال وكتب من زعم أن الكلام كناية عن الجناية ، وأن معناه أخطأت ، وبئس ما فعلت .هب أنه كناية ، أليس إيثارها على التصريح بالجناية للتلطيف فى الخطاب والتخفيف فى العقاب؟وقال الشيخ أحمد بن المنير : ليس له - أى الزمخشرى : - أن يفسر هذه الآية بهذا التفسير ، وهو بين أحد أمرين : إما أن لا يكون هو المراد وإما أن يكون هو المراد ، ولكن قد أحل الله نبيه الكريم عن مخاطبته بصريح العتب ، وخصوصاً فى حق المصطفى - عليه الصلاة والسلام - فالزمخشرى على كلا التقديرين ذهل عما يجب فى حقه - ﷺ - .ولقد أحسن من قال فى هذه الآية : إن من لطف الله - تعالى - بنبيه ، أن بدأه بالعفو قبل العتب ، ولو قال له ابتداء ( لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) لتفطر قلبه - عليه الصلاة والسلام .فمثل هذا الأدب يجب احتذاؤه فى حق سيد البشر - عليه الصلاة والسلام .وأما القول الثالث فهو للامام الفخرى الرازى ، ولمن حذا حذوه كالقرطبى وغيره ، وملخص هذا القول أنه يجوز أن يكون المراد بالعفو هنا المبالغة فى تعظيم النبى - ﷺ وتوقيره ، أو أن قوله - سبحانه : ( عَفَا الله عَنكَ ) افتتاح كلام .قال الفخر الرازى ما ملخصه : لا نسلم أن قوله - تعالى - ( عَفَا الله عَنكَ ) يوجب الذنب ، ولم لا يجوز أن يقال : إن الله يدل على مبالغة الله ، تعالى فى تعظيمه وتوقيره ، كما يقول الرجل لغيره إذا كان معظما عنده ، عفا الله عنك ما صنعت فى أمرى . . فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا مزيد التبجيل والتعظيم .ويؤيد ذلك قول على بن الجهم يخاطب المتوكل وقد أمر بنفيه :عفا الله عنك ألا حرمة ... تعوذ بعفوك أن أبعدألم ترى عبداً عدا طوره ... ومولى عفا ورشيداً هدىأقلنى أقالك من لم يزل ... يقيك ، ويصرف عنك الردىوقال القرطبى : قوله : - تعالى - ( عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) قيل : هو افتتاح كلام؛ كما تقول : أصلحك الله وأعزك ورحمك كان كذا وكذا . .والذى نراه أن القول الأول هو الراجح لما سبق أن بيناه .